بين الفساد وحقوق الإنسان

بين الفساد وحقوق الإنسان
الثلاثاء 24 دجنبر 2024 - 08:34

أقرت الأمم المتحدة التاسع من شهر دجنبر من كل سنة يوما عالميا لمكافحة الفساد، وذلك بعد أن اعتمدت بتاريخ 31 أكتوبر 2003 اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة هذه الظاهرة، والتي دخلت حيز التنفيذ في دجنبر سنة 2005. ولا غرابة في أن يتم اختيار هذا التاريخ يوما قبل اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يتم الاحتفاء به في العاشر من شهر دجنبر من كل سنة، وذلك نظرا للعلاقة الترابطية بين منظومة حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، إذ أن صون هذه الحقوق هو الكفيل بتحقيق مجتمع تسوده قيم المساواة في الحقوق والكرامة وفي إقرار قيم الشفافية والنزاهة، وهي القيم التي لا يمكن إقرارها في مجتمع تتفشى فيه كل أشكال الفساد الإداري، وهو ما تؤكد عليه اتفاقية الأمم المتحدة في تصديرها معتبرة أن الفساد يُقوّض الديمقراطية وسيادة القانون، ويؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويعتبر الفساد بمثابة انحراف في ممارسة السلط الإدارية لخدمة أغراض خاصة عوض توظيفها لخدمة الصالح العام، مما يؤدي إلى انتشار مظاهر الفساد والإفساد في الحياة الإدارية والسياسية ووسيلة للاغتناء غير المشروع، وهذر المال العام والعبث بالمصلحة العامة، وبواجب حسن التدبير وتعبيرا صارخا ومفضوحا عن سلوك يخرق الالتزامات المرتبطة بممارسة سلطة عمومية.

وإذا كانت منظومة حقوق الإنسان قد قامت على تناول الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، فإن ظاهرة الفساد هي بمثابة خرق لهذه الحقوق ومساس بالحريات التي تنص عليها المواثيق والاتفاقيات الدولية في هذا المجال. فالمادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، لكن عندما يصطدم المواطن بالتماطلات والمتاهات الإدارية كأسلوب من أساليب الابتزاز لإرغامه على دفع إتاوات من أجل الحصول على حق منصوص عليه قانونيا وإداريا، فذلك مساس بالكرامة وإخلال بمبدأ المساواة في الحقوق.

وباعتبار حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي تضمنها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فإن حماية المفصحين والمبلغين عن الفساد أمر أساسي لضمان الحق في الرأي والتعبير، وركيزة أساسية لنجاح عملية محاربة الفساد، وهو ما تنص عليه أيضا اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في مادتها الثامنة التي تنص على إرساء تدابير فعالة تُيسّر عملية الإبلاغ عن أفعال الفساد ووضع نظام فعال للحماية من كل أنواع الانتقام أو التمييز. وتعريض هؤلاء المبلغين للملاحقات والمضايقات هو بمثابة خرق سافر لهذه المقتضيات وإنكار للحق في التعبير.

وتنص المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في فقرتها الأولى على أن لكلِّ شخص حقُّ المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إمَّا مباشرةً وإمَّا بواسطة ممثِّلين يُختارون في حرِّية، فإن هذا الحق ينتهك حين تنعدم الشفافية وتُزوّر إرادة المواطنين بتحويل الاستحقاقات إلى “سوق للنخاسة السياسية” عن طريق الفساد، وهو أيضا بمثابة إنكار لمقتضيات المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يؤكد على ضمان التعبير الحر عن إرادة الناخبين في إطار انتخابات نزيهة.

إن الطابع المُدمِّر لآثار الفساد من شأنه عرقلة كل هو الجهود المبذولة لإحقاق تنمية مستدامة حقيقية وإقرار مجتمع تسوده قيم حقوق الإنسان. كما أن محاربة هذه الظاهرة ليس قرارا يُدرج في البرامج والخطابات، ولكنه منظومة من الإجراءات والإصلاحات ذات طبيعة بنيوية في مختلف المجالات والميادين، وهو بالتأكيد صون للحقوق الأساسية المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، باعتبار العلاقة الوطيدة والجدلية بين مكافحة الفساد واحترام هذه الحقوق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية