المحافظة على البيئة من السنن النبوية المهجورة

المحافظة على البيئة من السنن النبوية المهجورة
الثلاثاء 30 نونبر 2021 - 00:57

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: “وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها…”، آية في غاية الإبداع والدقة؛ بحيث قررت واعتبرت الطبيعة أو البيئة بمكوناتها الحياتية والمعيشية، والنباتية والحيوانية، والجمادية والحيوية، كالبيت الذي نسكنه يجب حمايته والحفاظ عليه، لتستمر الحياة في هدوء واستقرار وتوازن وسعادة؛ لأن التوازن في البيئة والحفاظ عليها وعدم الإفساد فيها، من علامات حضارة الشعوب وسموهم الأخلاقي، علما أن القرآن الكريم اعتبر البيئة أمانة في أعناقنا ومن أعلى الأمانات، حيث قال الله تعالى: “إنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”، لهذا جرم الله الإفساد في الأرض بكل أنواعه وصوره من استنزاف الطبيعة، كاستنزاف المياه والطاقة، أو تغييرها في الصيد الجائر في البحار والأنهار؛ لأن الإفساد في الأرض يهدد بقاء الطيور والحشرات والحيوانات، ويؤثر في التوازن الطبيعي لكوكبنا الأرضي الذي صنعه الله وخلقه في أحسن صورة، حيث إن لكل مكون من مكونات البيئة وظيفة مهمة في الحياة وفي هذا الكون الفسيح، ولقد تنبهت الدول العظمى في السنوات الأخيرة لخطورة تغير المناخ وتقلباته فدخلت في سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعقدها للمؤتمرات الدولية مع صرف المليارات من الدولارات في برامج أعدت خصيصا للمحافظة على البيئة، ولوضع استراتيجيات وخطط وقوانين، لعل وعسى تنقذ كوكبنا من الدمار والفساد الذي لحق به جراء أفعالنا وأعمالنا وجشعنا وإسرافنا في شؤون حياتنا.

يقول تعالى: “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس…”. فرسالة الإسلام وهدي نبينا الكريم اعتبر المحافظة على البيئة كالمحافظة على النفس البشرية يحرم إزهاقها، والبيئة كذلك نهى عن إزهاق روحها وتخريبها بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فكل حركة أو فعل قد يؤدِّي إلى الإخلال باستقرار البيئة محرم ومجرم في الشريعة الإسلامية، فينبغي علينا جميعا أن نكون معتدلين في جميع استخداماتنا لمصادر الطبيعة، لهذا الرسول الأكرم ينهانا عن الجلوس في الطرقات وفي الساحات العامة حتى لا يتم تلويثها، قال عليه الصلاة والسلام: “إذا أبيتم إلا الجلوس في الطريق فأعطوا الطريق حقَّه، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غَضُّ البصر، وردُّ السَّلام، وإماطة الأذى عن الطريق”، ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: “لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه”، وأيضاً لعن الرسول عليه الصلاة والسلام من يبول في ظلِّ شجرة أو في قارعة الطريق، فهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب يذكرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلالها بالمحافظة على البيئة وعدم تلوثها أو المساهمة في إفسادها، وفي الوقت نفسه يحثنا صلى الله عليه وسلم على القيام بما ينفع البيئة وينميها، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: “ما من مسلمٍ يغرس غرساً ، أو يزرع زرعاً ، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة”، ويقول عليه الصَّلاة والسَّلام: “إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها”، فالكون وما فيه من نباتات وأشجار وأحجار وأنهار وبحار وطيور وحشرات وحيوانات يجب علينا عدم الإسراف في استخدامها واستعمالها حفاظا على التوازنات البيئة، لأن المنظور القرآني للكون اعتبر الطيور والحشرات والدواب عبارة عن مجتمعات مثلنا تماما، لها أرواح وحقوق وواجبات، يقول سبحانه” وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ…”.

وفي هذا السياق، ومن باب المحافظة على جمالية مدننا لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم بناء السوق الإسلامي في المدينة المنورة ذهب-عليه الصلاة والسلام-بعيدا غرب المسجد النبويّ واتخذ سوقاً هناك، حتى لا يعرض بيئة المدينة للأوساخ والقاذورات والملوثات من بقايا جلود الإبل والبقر والغنم… وقد أشرف-عليه الصلاة والسلام-على السوق بنفسه، ووضع قوانين وضوابط وآدابا وأحكاما للبيع والشراء، ومنع أيّ بيعٍ يضرّ بالبائع أو المشتري من بيوع الجاهلية؛ كالغشّ، والتحايُل، والتدليس والغرر؛ أي بيع شيءٍ غير معروف، لأنه من المعلوم الآن وبعد تقدم الدراسات في العلوم الطبيعية والبيئية أن المصفاة الوحيدة التي نملكها على الأرض لتنقية الهواء من التلوُّث هي النباتات، فبالزَّرع تنمو الحياة على الأرض، ومن هذا المنطلق أطالب شخصيا الحكومات العربية والإسلامية بتجريم فعل قطع الأشجار أو حرقها، وكذلك العبث بالحدائق العامة وإتلاف ما فيها من ورود وشجيرات ونباتات وأعشاب، مع وضع عقوبات زجرية صارمة في هذا الباب، بالإضافة إلى رصد ميزانية سنوية للبلديات والمؤسسات المعنية من وزارات وجامعات ومستشفيات ومدارس تكون خاصة بإنشاء الحدائق العامة وتزيين طرقات المدينة بالأشجار المناسبة، كما يجب دعم مقاولات البستنة وتسهيل شؤون أصحابها؛ فهم جنود وراء الستار يحافظون على جمال مدننا وأمننا البيئي.

وختاما، أقول: إن المحافظة على البيئة والاهتمام بها وتنميتها وعدم إتلاف محتوياتها ومكوناتها هي من السنن النبوية المهجورة والغائبة عن الأمة المسلمة يجب تحريكها وإحياؤها من جديد في قلب كل مسلم؛ بل وفي قلوب الناس جميعا.

 (*)  باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • . .
    الأربعاء 1 دجنبر 2021 - 08:23

    المسيح الثورى الأعظم

    الذى كان يمتلكه فقط (الكلمة) والكلمة هنا ليست حرفا أو بلاغة طرح، بل احساس صادق وقدرة على التغيير والبناء، فكان دائما يتكلم مع جموع الشعب البسيط بأمثال وتلك الأمثال تتعلق بالحالة التى يعيشون بها وكانت تلك الحالة تتعلق بالزراعة والارض، وفى الكثير قبل أن يكلمهم كان يشبع جوعهم ويشفى امراضهم ويواسى حزنهم ويحتصن اَوجاعهم ويقيم موتاهم، هنا كانت الكلمة الحية للتغيير والبناء، التف حوله الجموع وقاومه الكتبة والفريسيون الذين هم حراس الشريعة الجامدة وسماسرة الدين وتجاره، ومنهم أيضا اعضاء مجمع السنهدريم الحاكم الذى يضم سياسية النفاق والمظهرية، وهنا حدث الصدام بين هذا الثورى الأعظم وبين حراس معبد النفاق والسمسرة الدينية والاجتماعية، حينئذ صرخ بكلماته الحية فى وجوههم وقال لهم يا اولاد الافاعى كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ، وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ!

    جمال رشدى

  • Lamya
    الأربعاء 1 دجنبر 2021 - 15:49

    شكرا للاستاذ الصادق العثماني على اثارة هذا الموضوع القيم.
    فعلا المحافظة على البيئة هي من السنن النبوية و هناك على حسب ما سمعت و رايت ان الصوفية يهتمون بهذا الموضوع اكثر من غيرهم حيث ان على السالك لطريق الله عليه اولا ان يحترم حتى الحشرات خصوصا النافعة و المذكورة في القران كالعنكبوت و النمل و النحل فلا يجب قتلها كما انه في الاشهر الحرم ممنوع الصيد كراحة بيولوجية و ممنوع على الحاج في طريقه الى الحج قتل الحشرات و الحيواناتاو قطع الاشجار او حرقها
    عند الصوفية تخريب البيئة يمنعك من الوصول الى “معرفة الله” فيكون تخويف شديد من الاعتداء على الحيوانات و الحشرات و الاشجار و تلويث الانهار, لان تخريب البيئة كمن يخرب بيته بيده.
    فهذه التربية البيئية موجودة عند الصوفية
    انا شخصيا تلقيت هذه التربية من امي رحمها الله

  • ميشليفن
    الأربعاء 1 دجنبر 2021 - 17:32

    عِـجـَـاف الاستقطاب

    إن متابعة التطورات البيئية تساهم باستقطاب كل ماهو مناسب للحدث الآني.

    عِجَاف الاستقطاب لن يقوى إلا بالتخلي عن ذلك التعجرف لأصحاب تلك الياقات المنمقة والاعتراف بأن ما ينقصنا هو خبرة اندماج قسمي الموارد البشرية وإدارة الأزمات حيث أصبح واجبا، فالمعاضل الاقتصادية تركب القوالب على إحجامها، فالجلوس على المكاتب الجلدية لايعتبر مغنماً لها، وإنما كيف استثمرنا صانعي ذلك الجلد.

    فاتن عبد الرحمن العسود

  • رياض
    الخميس 2 دجنبر 2021 - 08:41

    «كابوس اكريسيفوس»: في سخرية الفلسفة

    يرجع إلى منطلقها الجدلي.
    يجدّ المتفلسفون عندنا اليوم في أن يجدوا في علم الكلام تفلسفا أصليا، ونظرية تأويل: ويتبعهم اليوم كثيرون يريدون استنبات الفلسفة من علم الكلام: هل يعي أولئك الذين يتحدثون عن فلسفة قائمة على الهوية، أنهم يشدون الفكر إلى وثاق معياري: قرأت الفلسفات وخبرت قديمها وجديدها، عربيها وغربيها، ولم أجد فيها ما يعتد به فلسفة بحق إذا لم تصاحبه ارتعادة الحيرة واللايقين. ليس التفلسف أن تتفنن في استنباط الحجة وافتعالها انتصارا لرأي، وليست وفاء لفكرة، ولا لإيمان ولا ليقين: بل تعمل الفلسفة على زعزعة كل ما استقر. يمكنها هي على الأقل أن تسمح لنفسها بذلك، فليس الفيلسوف وصيا على الدولة، ولا هو خبير من خبرائها: مهمّة الفيلسوف أن يفكّر، ولذلك فمملكته الحقيقية هي الحرية، أمّا ما يصنعه الآخرون بتفكيره فهو ليس من شأنه، وإلّا لأصبح داعية من الدعاة الذين لا تنفك ألسنتهم تلهج بالأمر بالمعروف … لستُ ضدَّ المعروف، ولستُ مع المنكر، وإنّما للمعروف والمنكر «قائمون» عليهما، وهؤلاء القائمون خصوم لي، بما أنا فيلسوف، خصومٌ ألدّاء إلى النّهاية.

    محمد ابو هاشم محجوب

  • Lamya
    الخميس 2 دجنبر 2021 - 11:32

    لكل فلسفته في الحياة و لكل “شيخه” سواءا كان فيلسوفا او نبيا. الفلسفة ليست حكرا على احد, يمكن لاي كان ان يتفلسف كما يشاء. فالفلسفة مدارس متعددة. و هناك من الفلاسفة من اعتبر النبي محمد “فيلسوف زمانه” هذا ليس مهما. المهم هو التاثير الفعلي على المجتمعات.
    ما لاحظته هو ان ظهور الفلسفة المادية-الالحادية باسم الحرية, كانت نتيجته في الواقع هو خراب الارض.

  • sefax
    الخميس 2 دجنبر 2021 - 17:48

    هوية الازمة ام ازمة الهوية الاسلامية

    هویتنا الإسلامیة تٶمن بالتعایش السلمي مع کل الأدیان والمعتقدات ،

    هذه هي الهویة الإسلامیة ،

    وأنت أیها المسلم إن  لم تکن هذه هویتک ،

    فأنت بلا هویة ،

    وأنت الذی تعیش أزمة ولیس الإسلام .

    وليد العليمي

  • Lamya
    الجمعة 3 دجنبر 2021 - 11:54

    الى sefax

    الصراحة لم افهم ما المقصود بتعليقك و ما دخل موضوع التعايش مع کل الأدیان والمعتقدات في موضوع الحفاظ على البيئة.
    هل التعايش يعني ان لا نبدي راينا في موضوع يخص البشرية جمعاء. بالعكس علينا جميعا ان نساهم في الحفاظ على “امنا الارض” كيفما كانت معتقداتنا او توجهنا الفلسفي.
    التعايش هو شعور متبادل مثل الاحترام يعني انه لا يمكن ان نتعايش مع من لا يريد ان يتعايش معنا.
    و هذا يعني في موضوعنا ان الخراب و الهدم لا يمكن ان يتعايش مع الاصلاح و البناء, الا اذ كان الانسان مضطرا او فرض عليه ذلك, اما في قرارة نفسه فهو يستنكر ذلك و هو اضعف الايمان, لان الله يحاسب الناس على ما في قلوبهم.
    بالاضافة الى ان الديانات السماوية تتفق مبدئيا على وجوب الحفاظ على البيئة و عدم تذمير الكرة الارضية التي فيها معاشنا.

  • عمر
    الجمعة 3 دجنبر 2021 - 17:22

    حديث الجمعة :  » وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله « 

    ولقد جاء قول الله عز وجل : (( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )) في سياق الحديث عن المنافقين  الذي يبدأ بقوله تعالى :

     (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّابا رحيما )).

    محمد شركي

  • طارق
    الجمعة 3 دجنبر 2021 - 18:54

    الصلاة … الصلاة

    قال الرسول (من حافظ على الصلاة كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف) وقال الفقهاء في سبب ذكر هؤلاء الأربعة لأن الإنسان إما أن يترك الصلاة بسبب الحكم والسياسة فيحشر مع فرعون وهامان أو يتركها بسبب الدنيا وجمع المال فيحشر مع قارون أو يتركها بسبب النفاق والرياء فيحشر مع أبي ابن خلف.

     
    تحقيق. عبير علي عياد

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء