المدرسة الرائدة بالمغرب

المدرسة الرائدة بالمغرب
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 11:05

في المسافة بين هندسة الإصلاح وواقع الممارسة الصفية.

كل إصلاح تربوي يمر، عبر انتقاله من الوثيقة إلى الممارسة، باختبار لا توفره الخطة وحدها. ففي الفصل الدراسي تتقاطع التصورات المسبقة مع واقع المتعلمين، وتتحول المبادئ العامة إلى قرارات يومية تتعلق بإيقاع التعلم، وطريقة بناء المعرفة، ومعالجة التعثر، وتدبير الزمن، واختيار الأنشطة والموارد. وهنا، تحديدا، يمكن الوقوف على المسافة الفاصلة بين ما تقترحه هندسة الإصلاح وما تسمح به شروط الممارسة الصفية.

تندرج تجربة مؤسسات الريادة ضمن هذا الأفق الإصلاحي. فقد بلورت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة نموذج مؤسسات الريادة في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 مرتكزة على تجويد التعلمات الأساسية واعتماد مقاربات تربوية فعالة، وتوفير دعم مستمر للمتعلمين/ات المتعثرين/ات، وإرساء منظومة تقييم دقيقة، وتعزيز كفايات المدرسين إلى جانب الارتقاء بحكامة المؤسسة وتجهيزاتها. وتشير الوزارة إلى أن التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية التي انطلقت خلال الموسم الدراسي 23-24، أظهرت أثرا مهما على عدد من المؤشرات المرتبطة بالتعلّمات وأداء المؤسسات والحياة المدرسية وانخراط مختلف الفاعلين.

وتستمد التجربة أهميتها من كونها تحاول معالجة إشكال مركزي في المدرسة: الفجوة بين المستوى المفترض للمتعلم والمستوى الذي يوجد عليه فعلا. لذلك أصبح التشخيص مدخلا أساسيا، وأصبح السؤال عن التعلم الفعلي أكثر حضورا في بناء التدخل التربوي.

غير أن هذا التحول يفتح، في المقابل، مجالا واسعا للتساؤل حول كيفية استمرار منطق التشخيص داخل الحصة الدراسية، وحول موقع المدرّس من السيناريوهات والموارد التي تؤطر العملية التعليمية، وحول قدرة الزمن المدرسي على استيعاب متطلبات الدعم والمعالجة.

وهذه الأسئلة تكتسب وجاهتها من صميم الممارسة، حيث لا يتعامل المدرس مع متعلم افتراضي، وإنما مع مستويات وحاجات واستجابات متباينة.

التعلمات الأساس: حين يصبح التشخيص نقطة انطلاق

تقوم مقاربة مؤسسات الريادة على إعطاء التعلمات الأساس موقعا مركزيا، باعتبارها قاعدة لا غنى عنها تتأسس عليها التعلمات اللاحقة. وفي هذا السياق، تعتمد التجربة مرحلة لتشخيص مكتسبات المتعلمين، ثم تفييئهم وفق مستوياتهم الفعلية، مع اعتماد منهجية التدريس وفق المستوى المناسب TaRL، وتخصيص تدخلات تتلاءم مع مستوى كل فئة.²

يحمل هذا الاختيار دلالة تربوية واضحة. فالمتعلم الذي لم يكتسب مهارة معينة يحتاج إلى نقطة انطلاق مختلفة عن زميل تمكن منها جزئياً أو تجاوزها. والعدالة التربوية، في هذا السياق، تقتضي أن يأخذ التدخل بعين الاعتبار الحاجة الفعلية، بدل افتراض تجانس غير موجود.

غير أن التشخيص لا يكتسب قيمته من قدرته على وصف الواقع فحسب. فأهميته الحقيقية تظهر حين يتحول إلى قرار بيداغوجي مستمر: ماذا سندرس؟ وبأي درجة من التعقيد؟ وما مقدار الدعم الذي يحتاجه هذا المتعلم أو ذاك؟ ومتى يمكن الانتقال إلى تعلم جديد؟

ومن هنا تولد أحد الأسئلة المركزية في تجربة الريادة: هل ينتقل أثر التشخيص من مرحلة الكشف عن الفروق إلى مرحلة بناء التدريس نفسه؟

مفارقة المسارات الثلاث: حين ينفصل التفييء عن التدريس.

تظهر هذه المسألة بصورة أكثر وضوحاً أثناء مرحلة الدعم المكثف وفق منهجية TaRL. فبعد التشخيص، يتم تفييء المتعلمين إلى ثلاث مسارات، ويُبنى لكل فئة مسار تعليمي يتناسب مع مستوى التحكم في التعلمات المستهدفة. وتُعد الموارد والشرائح التعليمية من قبل الفريق التربوي المركزي والموجهة إلى كل مسار، بما يسمح بتقديم تدخلات أكثر ملاءمة لحاجات المتعلمين، وتترجم عملياً مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف في الاستفادة من الدعم.

وهنا يبدو المنطق البيداغوجي متماسكاً: تشخيص الفروق، ثم بناء تدخلات مختلفة استنادا إليها. غير أن الوضع يتخذ شكلا مختلفا عند الانتقال إلى مرحلة التعليم الصريح. ففي هذه المرحلة يعاد توزيع المتعلمين داخل الفصول وفق البنية التربوية المعتمدة في كل مؤسسة، فتعود المسارات الثلاثة إلى فضاء صفي واحد. ومع هذا التجميع، يجد المدرس نفسه أمام سيناريو بيداغوجي موحد، بموارد وتسلسل وإيقاع مشترك، رغم أن التشخيص السابق كشف عن اختلافات حقيقية في مستويات المتعلمين. وهنا تبرز مفارقة تستحق الوقوف عندها.

لقد بُذِل جهدٌ تربوي كبير في تحديد مستوى كل متعلم، وتصنيفه ضمن المسار الذي يناسبه، وإعداد موارد تستجيب لحاجته. ثم تأتي مرحلة لاحقة تعيد المتعلمين إلى وضعية تعليمية مشتركة، بما قد يجعل المسافة بين المسارات الثلاثة أقل حضورا داخل الحصة.

ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على إعادة التجميع؛ إذ قد تفرضه اعتبارات تنظيمية وبيداغوجية مشروعة، وإنما ينصب السؤال على مدى استمرار منطق التمايز داخل الحصة بعد انتهاء مرحلة التفييء.

فإذا كان التشخيص قد كشف أن المتعلمين لا يوجدون في النقطة نفسها، فإن التمايز ينبغي أن يجد طريقه إلى قلب الحصة: في درجة صعوبة النشاط، وفي مقدار الدعم المقدم، وفي نوعية الأسئلة، وفي حجم التدريب، وفي الزمن الممنوح للمتعثرين، وفي طبيعة الموارد المستعملة.

أما الاقتصار على تفيئ المتعلمين في مرحلة معينة ثم جمعهم لاحقاً أمام مسار تعليمي موحد، فيجعلنا أمام سؤال جوهري: ما الذي يبقى من القيمة البيداغوجية للتشخيص إذا لم ينعكس بصورة مستمرة على طبيعة التدخل؟

فالتشخيص لا يصبح ذا قيمة تربوية كاملة إلا حين يَنتجُ عنه فعل تعليميّ ملائم.

من التفييء إلى التّمايز: السؤال الذي يستحق أن يطرح.

ثمة فرق بين أن نعرف أن المتعلمين متفاوتون، وأن نبني التدريس على أساس هذا التفاوت.

فالأول عمل تشخيصي؛ والثاني ممارسة بيداغوجية.

إن تشخيص التفاوت لا يساوي بعد الاستجابة له؛ فالمسافة بين معرفة اختلاف المتعلمين وتخطيط التدريس على أساس هذا الاختلاف، هي في نهاية المطاف، المسافة بين التفييء والتمايز

وقد تكون تجربة الريادة قد قطعت شوطا مهما في الجانب الأول من خلال الاختبارات والتفييء والمسارات. أما الرهان الأصعب فيكمن في جعل هذه المعرفة جزءا من الممارسة اليومية داخل الحصة.

فالتّمايز لا يعني بالضرورة إعداد ثلاثة دروس مستقلة في كل حصة، ولا يقتضي تفتيت القسم إلى وحدات منفصلة. يمكن أن يتحقق بطرائق أكثر مرونة: نشاط مشترك بدرجات مختلفة من الصعوبة، أسئلة متدرجة، دعم إضافي لمجموعة معينة، زمن أطول لبعض المتعلمين، موارد مساعدة، أو مهام توسعية لمن تجاوزوا الهدف. المهم أن يبقى الاختلاف الذي كشفه التشخيص حاضرا في التدريس. وهذه نقطة أساسية في فهم الإنصاف التربوي. فالإنصاف لا يعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه في اللحظة نفسها وبالطريقة نفسها؛ وإنما يعني أن تتناسب شروط التعلم مع الحاجات الفعلية للمتعلمين. ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه تجربة الريادة ليس فقط: هل تم تفييء المتعلمين؟ بل: ماذا أنتج هذا التفييء داخل الحصة؟

المدرس بين السيناريو المركزي والحاجة إلى التكييف.

تتضمن تجربة مؤسسات الريادة موارد تعليمية مجددة ورقمية، وتستفيد الأقسام من وسائل العرض، كما تجعل الوزارة من التكوين والمواكبة الميدانية أحد مكونات النموذج.³

ولا جدال في أهمية هذه الموارد. فالعمل المدرسي يحتاج إلى عدة تربوية منظمة، وإلى موارد ذات جودة، وإلى قدر من الانسجام في المضامين والمقاربات. كما أن إعداد موارد مركزية يمكن أن يخفف عن المدرس جزءا مهما من أعباء التحضير، ويتيح له الاشتغال ضمن إطار مشترك.

لكن المورد التعليمي يظل أداة، وقيمته المهنية تتحدد بالطريقة التي يوظف بها داخل وضعية تعليمية معينة. وهنا يبرز سؤال المدرس.

فحين يكشف التقويم أن قسما من المتعلمين لم يستوعب المفهوم المستهدف، يحتاج المدرس إلى إعادة بناء الشّرح. وحين يلاحظ أن النشاط يتجاوز قدرات مجموعة معينة، يحتاج إلى تعديله أو تجزيئه. وحين يجد أن بعض المتعلمين بلغوا الهدف بسرعة، يحتاج إلى توفير مهام أكثر تحديا لهم. هذه القرارات جزء من صميم الممارسة المهنية، ولا يمكن حسمها كلها مسبقا.

وتزداد حساسية المسألة حين يكون السيناريو البيداغوجي معدا مركزيا ومصمما ليطبق وفق تسلسل محدد. ففي هذه الحالة قد يجد المدرس نفسه أمام مفارقة بين مطلبين متلازمبن: الالتزام بالمسار المقرر من جهة، والاستجابة للمعطيات التي يكشفها القسم من جهة أخرى.

المشكلة، إذن، ليست في وجود سيناريو بيداغوجي مشترك؛ وإنما في المساحة التي يتركها هذا السيناريو للقرار المهني. فكلما كان المدرس مطالبا بالتدريس وفق مستوى المتعلم، وجب أن تكون له قدرة حقيقية على تكييف التدريس وفق هذا المستوى. وإلا أصبح التشخيص منفصلا عن القرار، وأصبح التفييء إجراء تنظيميا أكثر منه مدخلا إلى التمايز البيداغوجي.

الزمن البيداغوجي: حين لا تكفي الرغبة في معالجة التعثر

تولي التجربة أهمية للدعم المكثف، والتتبع المنتظم، والدروس الإضافية للمتعلمين الذين لم يبلغوا المستوى المطلوب.⁴ وهذه خطوة ضرورية في أي مقاربة جادة لمعالجة التعثرات.

لكن الدعم، في جوهره، قضية زمنية أيضاً.

فالتعثر في القراءة يحتاج إلى تكرار وممارسة وتصحيح، والتعثر في الكتابة يحتاج إلى إنتاج ومراجعة وإعادة إنتاج، أما الصعوبة في الرياضيات فقد تتطلب العودة إلى مكتسبات سابقة قبل مواصلة المسار الحالي. ولا يمكن اختزال هذه العمليات كلها في حصة إضافية عابرة.

يحتاج العلاج إلى زمن منتظم، وإلى استمرارية، وإلى قدرة على التدخل في اللحظة التي يظهر فيها التعثر.

ومن هنا تصبح العلاقة بين الزمن والتشخيص شديدة الأهمية. فإذا اكتشفت الصعوبة مبكرا، أمكن التدخل قبل أن تتراكم فوقها تعلمات جديدة. وإذا تأخر التدخل، احتاج المتعلم إلى جهد أكبر لاستعادة ما فاته.

ولهذا فإن الزمن المدرسي ينبغي أن يُقرأ باعتباره عنصرا من عناصر الجودة البيداغوجية، لا مجرد معطى تنظيمي.

التقويم: حين تتحول المعلومة إلى قرار.

يحتل التقويم موقعا أساسيا في نموذج الريادة، من خلال تقويم مجموعة من المهارات وتتبع تطور المتعلمين وإجراء اختبارات مرحلية.⁵

غير أن التقويم لا يكتمل بإنتاج المعطيات. فقيمة النتيجة التربوية تظهر تكمن في صناعة القرار.

فإذا أظهر التقويم أن مجموعة من المتعلمين لم تتمكن من مهارة محددة، ينبغي أن يكون لذلك أثر على التدريس اللاحق. وقد يعني ذلك إعادة الشرح، أو تغيير المدخل، أو زيادة التدريب، أو تشكيل مجموعة للدعم، أو اعتماد نشاط أكثر تدرجا.

بهذا المعنى يصبح التقويم جزءا من دورة تربوية متكاملة:

تشخيص ← قرار ← تدخل ← تقويم جديد ← تعديل.

وإذا انقطعت هذه الدورة عند مرحلة القياس، فإن التقويم يفقد جزءا مهما من وظيفته.

مهنية المدرس: شرط لاستدامة الإصلاح.

تؤكد الوزارة أن تعزيز كفايات المدرسين يشكل أحد مكونات النموذج، من خلال التكوين المستمر والمواكبة والتأطير عن قرب.⁶ وهو توجه ضروري، لأن الإصلاح الذي يغير طرائق التدريس يحتاج إلى استثمار حقيقي في الفاعل الذي سيتولى تنزيله.

غير أن مهنية المدرس لا تختزل في تلقي التكوين. إنها تشمل أيضاً قدرته على قراءة الوضعية، وتحليل نتائج التقويم، واختيار التدخل، وتعديل المورد، وتغيير الإيقاع، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

هذه القدرة هي التي تسمح بتحويل المورد المركزي إلى أداة حية داخل القسم.

ولذلك فإن السؤال عن موقع المدرس في تجربة الريادة يتجاوز مسألة: هل تلقى التكوين؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يملك المساحة المهنية التي تمكنه من توظيف ما تلقاه وفق خصوصية القسم؟

فالمدرس الذي يعرف أن أمامه متعلمين ينتمون إلى مستويات مختلفة يحتاج إلى إمكانية الاستجابة لهذا الاختلاف. وإذا كان التشخيص والتفييء قد أعطياه هذه المعرفة، فإن بنية التدريس ينبغي أن تسمح له باستثمارها.

بين توحيد المعايير وتعدد الحاجات

من الطبيعي أن تسعى الإصلاحات الوطنية إلى توفير قدر من وحدة المرجعية، وضمان حد أدنى مشترك من جودة التعلم، وتحقيق الإنصاف بين المؤسسات والمتعلمين. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الموارد المركزية والسيناريوهات الموحدة.

غير أن وحدة المرجعية لا تستلزم بالضرورة وحدة الممارسة في كل تفاصيلها.

فالقسم ليس نسخة مطابقة لقسم آخر، والمؤسسة ليست صورة طبق الأصل عن مؤسسة أخرى. تختلف البنية التربوية، وتختلف تركيبة الأقسام، وتتباين مستويات المتعلمين، كما تختلف طبيعة الصعوبات التي تظهر أثناء التعلم.

لذلك يحتاج الإصلاح إلى مساحة تتيح للممارسة أن تتنفس داخل الإطار العام.

والمعادلة الدقيقة هنا هي بناء إطار وطني موحد يضمن الإنصاف، مع هامش مهني يسمح بالتكييف الذي يضمن الاستجابة للاختلاف.

سؤال الأثر بعد الانتقال إلى التوسع.

أظهرت التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية، بحسب المعطيات الرسمية، أثراً مهماً لنموذج مؤسسات الريادة على عدد من مؤشرات التعلمات وأداء المؤسسات والحياة المدرسية وانخراط الفاعلين. وبعد مرحلة التجريب، انتقل النموذج على التوسع التدريجي، فبلغ خلال الموسم الدراسي 2024-2025 عدد مؤسسات الريادة بالسلك الابتدائي إلى 2626 مؤسسة، مقابل 626 مؤسسة خلال الموسم السابق. ⁷ ثم اتسع نطاق التنزيل خلال الموسم الدراسي 2025-2026 ليبلغ، وفق المعطيات الرسمية 4626 مؤسسة (الابتدائي) و786 مؤسسة (الإعدادي) كما أصبح النموذج جزءا من ورش أوسع يستهدف تحسين التعلمات وتعميم ممارسات التقييم والتتبع والدعم. ⁸

ومع هذا الانتقال من التجريب إلى التوسع، يصبح سؤال الاستدامة أكثر حضورا.

هل تستطيع الممارسة الصفية الحفاظ على منطق التشخيص والتمايز مع اتساع عدد المؤسسات؟ هل تظل المواكبة بنفس الفعالية؟ وهل يجد المدرس الوقت الكافي لتحويل نتائج التقويم إلى تدخلات فعلية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الفروق التي يكشفها التشخيص داخل التعليم الصريح، في ظل تنظيم الأقسام والسيناريوهات والموارد المشتركة؟

هذه ليست أسئلة خارجية عن الإصلاح، بل هي جزء من تقييمه.

فالأثر المستدام يقاس بقدرة النموذج على تغيير الممارسة اليومية، بحيث يصبح التشخيص مدخلاً لاتخاذ القرار، ويصبح التقويم أداة لتعديل التدريس، ويصبح التفييء أساساً لتمايز فعلي، وتتحول الموارد المركزية إلى أدوات يستثمرها المدرس وفق حاجات المتعلمين.

حين يصبح الإصلاح ممارسة مهنية.

تحمل تجربة مؤسسات الريادة طموحا واضحا في إعادة توجيه المدرسة نحو التعلمات الأساس، ومعالجة التعثرات، وتقوية التقويم، وتجديد الممارسات الصفية. غير أن الاختبار الأعمق للتجربة يوجد في العلاقة بين مكوناتها نفسها.

إذا كان التشخيص يكشف تفاوت المتعلمين، فكيف يستمر أثر هذا التشخيص في التعليم الصريح؟ وإذا كان التفييء يميز بين مستويات التعلم، فكيف يتحول ذلك إلى تمايز فعلي داخل الحصة؟ وإذا كانت الموارد المركزية توفر إطاراً مشتركاً، فكيف تظل للمدرس القدرة على تعديلها وفق ما يكشفه القسم؟ وإذا كان الدعم يمثل رهانا أساسيا، فهل يملك الزمن المدرسي المرونة التي تسمح بأن يأتي التدخل في الوقت المناسب؟

تتجمع هذه الأسئلة كلها حول عنصر واحد: الممارسة المهنية للمدرس.

فالمدرس هو الذي يمنح التشخيص امتداده، ويحوّل نتيجة التقويم إلى قرار، ويترجم المورد إلى نشاط، ويعدل السيناريو عندما تفرض وضعية التعلم ذلك، ويمنح التفييء معناه حين يجعل اختلاف مستويات المتعلمين حاضرا في طريقة التدريس.

ومن ثم، فإن مستقبل تجربة الريادة لا يرتبط فقط بجودة هندستها المركزية، وإنما بقدرتها على بناء علاقة متوازنة بين وحدة الإطار ومرونة الممارسة، بين الإنصاف وتنوع الحاجات، وبين الموارد المركزية والقرار المهني.

وفي النهاية، لا تُختبر المدرسة الرائدة من داخل الوثيقة التي تصفها، ولا في عدد المؤسسات التي تحمل اسمها، وإنما في الأثر الذي تتركه داخل القسم: في متعلم كان متعثرا فأصبح قادرا على التقدم، وفي مدرس أصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وفي ممارسة تربوية تتعامل مع الاختلاف باعتباره معطى للتعلم، لا عائقا أمامه.

في تلك المسافة بين التشخيص والتدخل، وبين التفييء والتمايز، وبين السيناريو والممارسة، يوجد السؤال الحقيقي عن الأثر التربوي للمدرسة الرائدة.

الإحالات والمراجع

1. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ‘مؤسسات الريادة’، البوابة الرسمية للوزارة، ضمن تنزيل خارطة الطريق 2022-2026.

2. المرجع نفسه، محور ‘تقويم التعثرات التعليمية’، حول اعتماد منهجية التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، والتشخيص الفردي، وتفييء المتعلمين وفق مستوياتهم، وبرمجة الدعم.

3. المرجع نفسه، محورا ‘اعتماد مقاربات تربوية فعالة’ و’تعزيز كفايات الأساتذة’، حول المحتويات التعليمية المجددة والرقمية، وأجهزة العرض، والتكوين والمواكبة الميدانية.

4. المرجع نفسه، محورا ‘تقويم التعثرات التعليمية’ و’إرساء منظومة لدعم التلاميذ المتعثرين’.

5. المرجع نفسه، محور ‘اعتماد منظومة تقييم دقيقة’.

6. المرجع نفسه، محور ‘تعزيز كفايات الأساتذة’.

7. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ‘مؤسسات الريادة في البرلمان’، جسور تربوية، العدد الأول، 2025، ويتضمن معطيات حول تطور عدد المؤسسات والتلاميذ والمدرسين ومراحل تنزيل النموذج.

8. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بلاغ صحفي حول الدخول المدرسي 2025-2026. شتنبر 2025. ويتضمن معطيات حول عدد مؤسسات الريادة بالسلكين الابتدائي والإعدادي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 4

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 2

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 7

تعليقات على النتائج الانتخابية