المدرسة المغربية التي نريد...

المدرسة المغربية التي نريد...
الخميس 26 أبريل 2012 - 14:52

المدرسة المغربية التي نريد حسب أكثر المتفائلين، والتي نحلم بها حسب أكبر المتشائمين. هي مدرسة بحجم الوطن، الوطن بتاريخه وجغرافيته، بأسسه المتأصلة وقيمه الأصيلة، بامتداداته الوجدانية وانفتاحاته الإنسانية. هي المدرسة الوطن التي تتسع لآمال جميع المواطنين وانتظاراتهم وأحلامهم، كما تتحمل آلامهم وهمومهم وحتى إخفاقاتهم. المدرسة الحاملة لقيم الماضي، المتفاعلة مع مستجدات الحاضر، المستشرفة لآفاق المستقبل.

هي مدرسة “التميز” التي يستحقها أبناء كل المغاربة، مدرسة “النجاح” الذي يحسب بالكيف والنتائج لا بالكم والأرقام؛ النجاح في ريادة المجتمع وقيادته إلى بر الأمان الاجتماعي، والرفاه الاقتصادي، والنضج الفكري والفني.

إن مدرسة بهذه الإحداثيات، وبهذه التطلعات، لا تمييز فيها بين تعليم عمومي وآخر خصوصي، ولا بين وسط حضري وآخر قروي، ولا بين تخصص علمي وآخر أدبي، لأنها ببساطة مدرسة المغرب، وكل المغاربة.

إن المدرسة التي نريد، أو التي نحلم بها، هي المدرسة التي تسد كل الثقوب السوداء، وتضيق مساحات المثلثات البرمودية التي تنسف الجهود المبذولة وتعصف بالانتصارات المتحققة. التي تربي على الخلق والعطاء، وعلى حب الحياة والتشبث بالمستقبل، وتنمي القدرات وتصقل المهارات في جميع مجالات العلوم والآداب ومناحي الحياة. تحتفي بالفكر والفنون، وتكرم رجالاتهما، وتوقفهم جنبا إلى جنب مع أجيال المستقبل؛ الأجيال الصاعدة. “تهدم الأسوار” أمام الإنتاجات الفكرية والإبداعية والعلمية، لتشيّد أسوارا من حديد أمام تجليات اليأس وأشكال العنف ومظاهر الانحراف.

فيتمظهر الإبداع في العقول المقتنعة بجدواه، والقلوب المؤمنة برسالته، والنفوس المتطلعة لنتائجه. وليس فقط على الجدران والسبورات، وفي الوثائق المركونة على الرفوف.
تعزز تفوق المتفوقين بمهارات جديدة، وتدفع المتعثرين إلى استدراك تعثراتهم دون أن تدفعهم إلى المستويات الموالية دفعا، وهم يجرون خيباتهم التي تتنامى ككرة ثلج.
إن المدرسة التي نريد أو التي نحلم بها، أشبه بالبنيان العظيم الذي تتعاقد الإرادات على ترصيص لبناته على صفحات التاريخ… هي المدرسة التي يكرم فيها الأستاذ باعتباره الفاعل الأساس في أنشطتها والمحرك لديناميتها. فتنصّب نفسها مدافعة شرسة عنه حين يصبح موضوعا تلوكه الأقلام العطشى لسبق أو شهرة. وعرضا مستباحا أمام من يتتبعون الحالات المعزولة والتصرفات الشاذة المقرفة، فيجعلونها قاعدة عامة يصرفون من خلالها أحقادهم التي لا يعرف سببها (…).
ويعزز فيها التلميذ بوصفه الطاقة الخلاقة المبدعة التي تحمل مشعل التغيير، والمستقبل المفتوح الذي تخطّ على صفحاته التفوقات والنجاحات، والأمل الكبير الذي تستحق من أجله الحياة المدرسية أن تعاش، بحلوها ومرها. لا بوصفه مقعدا شاغرا، أو رقما نحقق به انتصارات دونكشوطية.

ويتبوأ فيها رجل الإدارة المكانة السامية، لأنه المخطط والميسر لكافة العمليات، المدبر لكل التحركات، الساهر على تحقيق التوافق والانسجام بين مختلف الفاعلين والمتدخلين. فلا يكون أداة لامتصاص الصدمات والاصطدامات، ومطفئا للحرائق والتوترات، وقناة فقط لتمرير القرارات.

ويستحضر فيها الأب باعتباره الشريك الاستراتيجي في البناء والتنمية، والضلع المهم في مربع مدرسة الإبداع، حتى لا يكون مجرد شريك مادي، ومتلقيا سلبيا للنتائج في آخر كل دورة وموسم.

إن المدرسة التي نريد أو التي نحلم بها، ستمكننا من بناء جيل جديد يؤمن بالإبداع وتستهويه مغامراته، ويقتنع بالفكر والعلم ويتلذذ بآفاقه ومضايقه. فيحصد المجتمع كله فكرا راقيا وفنا ساميا، يستضمر الواقع ويستدمج العلم، ليخلق رؤية واضحة للحاضر ورؤيا متحفّزة للمستقبل.

إن المدرسة التي نريد، أو التي نحلم بها، أيتها السيدات، أيها السادة… هي نقطة البداية الحقيقية للتغيير الهادئ والعميق، الذي لا نحصي بعده الأرباح والخسائر. حيث يكون الرابح هو الوطن والمواطنون، ومستقبل المغرب. والخاسر هو الأمية والجهل، واليأس والعنف، و كل المتربصين بهذا الوطن.

فهل ستتحقق المدرسة التي نريد؟ أم ستظل حلما نستيقظ بعده على واقع نتجرّع مرارته، في ساحات ومحيط المدارس، وفي مدرجات الملاعب، وفي أمكنة أخرى “كثيرة”؟!.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • bachiirii
    الخميس 26 أبريل 2012 - 16:32

    شكرا أخي العزيز على الموضوع الدي طرحته في زمن حارت في جميع مكونات العملية التعليمية بما فيها القائمين على الشأن التعليمي و المدرسة بكل فاعليها و الاسرة بكل أبعادها شكرا لأنك وضعت يدك على الداء وأعطيت باليد الأخرى الدواء فهنيئا للوطن و المواطنين بأساتدة من حجم الأستاد عبد الفتاح شهيد ونتمنا يوما أن تكون أمالك واقعا وممارسة ولبنة في صرح بناء وتطوير هدا الوطن الغالي و العزيز الدي نتمنى له من الاعماق كل الرقي في سلم الحضارات الإنسانية شكرا مرة أخرى ومزيجا من الشموخ في مجال الفكر وبناء القيم لك تحياتي.

  • الامل في الغد
    الخميس 26 أبريل 2012 - 18:27

    لقد اصبت فنحن اصبحنا بحاجة الى مدرسة يساهم الكل فيها لبناء جيل الغد جيل العلم والاخلاق والابداع للرقي بهدا الوطن العزيز

  • حكيم
    الجمعة 27 أبريل 2012 - 00:34

    تريدون من المدرسة كل شيء وفاقد الشيء لايعطيه.

  • عبد الله
    الجمعة 27 أبريل 2012 - 03:29

    لكي نصلح المدرسة العمومية يجب ان نكرم الاستاد و نشجعه على العطاء ونحفزه كما نحفز التلميد على الانتباه والاجتهاد.ولكن استاد السلم التاسع الدي كان ينتظر الترقية من اجل الرفع من معنويته و مواجهة تكاليف الحياة.اصبح الان يجد كل تضحياته وامانيه قد تبخرت فلا هو ترقى في 2007ولا2008ولا2009ولا حتى2010.رغم ان عددا كبيرا ممن يتوفرون على نفس الاقدمية والنقطة وارقام التاجير قد رقوا في 2010.فالمرجو ان تكون اسباب تاجيل ترقية هؤلاء المساكين موضوعية .وليس مثلا لان هدا منتم الى النقابة و هدا لايعرف لا عدد النقابات ولا اسماءها.

  • محماد /مهتم
    الأحد 29 أبريل 2012 - 00:05

    موضوعك رائع يا استاذ.لكنه غير تام . ينقصه الطرف الخامس و الأهم ألا و هي الارادة السياسية(المحرك) .كما ان سؤالك الختامي وجيه . ولكي لا أكون متشائما أكرر معك السؤال نفسه: فهل ستتحقق المدرسة التي نريد؟ و أجيب: ربما في زمن غير زماننا.

  • ابو انس
    الأحد 29 أبريل 2012 - 19:27

    مادام الا ستاذ يعاني من الحيف فالهدف المرجو يبقى بعيدا والدليل على ذلك ما اقدمت عليه الوزارة من اضافة سنتين جزافيتين لحاملي الاجازة من اجل الترقي غير عابئة بالاساتذة الغير مجازون و هم الاغلبية باقدمية تجاوزت 28 سنة علما ان الوزارة هي من منعتهم من متابعة الدراسة كل هذا حصل باثفاق مع النقابات الاكثر تمثيلية

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 3

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 4

لقاء خاص | هشام رحيل