في سوسيولوجيا المدينة، لا يمكن اختزال وسائل النقل في بعدها التقني فقط، بل ينبغي تحليلها كمرآة للبنيات الطبقية والفوارق المجالية والتمثلات الاجتماعية التي تشكل العلاقة بين الفرد والمجال. من هذا المنظور، تبدو السيارة في المدن المغربية الكبرى كالدار البيضاء، الرباط، طنجة ومراكش وفاس كمؤشر طبقي وليس مجرد وسيلة نقل، هي في الحقيقة رمز امتلاك، ووسيلة مقاومة يومية ضد بنية حضرية مختلة.
ففي ظل غياب نقل عمومي فعال، محترم، وآمن، يصبح امتلاك السيارة “رد فعل اجتماعي” أكثر من كونه اختيارا أو ترفا. حيث المواطن لا يشتري السيارة لأنه يريدها بالضرورة، بل لأنه لا يثق في النقل العمومي، ويشعر أن وجوده في المدينة دون وسيلة فردية يضعه في مرتبة أقل على سلم الكرامة الحضرية.
المدينة كمجال غير عادل: من حق التنقل إلى امتياز التنقل
وفقا لمفهوم “حق المدينة” كما صاغه “هنري لوفيفر”، فإن الفضاء الحضري لا يجب أن يبنى فقط على أساس الربح أو الامتلاك، بل على مبدأ الولوج العادل إلى الموارد والخدمات. لكن ما نعيشه اليوم في المغرب، هو تحول النقل إلى امتياز طبقي. فمن لا يملك سيارة يواجه النقل العمومي كعقوبة: حافلات متهالكة..توقيت غير منتظم..غياب للأمن.. اكتظاظ..وشبكات لا تغطي حاجة المدينة.
الامتلاك كتعويض وجودي
هنا يأتي منظور “إيريك فروم”، الذي يرى أن ثقافة الامتلاك تضعف الفعل الوجودي. ففي سياقنا المغربي، امتلاك السيارة صار نوعا من التعويض النفسي عن فقدان الإحساس بالمواطنة الحضرية.
كأننا نقول: “طالما أنني أُهمل كمواطن في النقل العمومي، فسأثبت حضوري من خلال سيارة.” لكن، كما يوضح فروم، هذا الامتلاك لا يمنح حرية، بل يضيف قيدا آخر. فالمدن تختنق، والزمن يضيع، والتلوث يرتفع، والفراغ الحضري يزداد اختناقا. لقد جعل هذا التمركز حول السيارة الفضاء العام رهينة لعجلات، فيما الناس تدفع دفعا نحو “الامتلاك القهري”، لأن المدينة لا توفر بديلا عادلا.
غياب مسارات الدراجات: عنف رمزي ضد البديل
سوسيولوجيا، غياب مسارات الدراجات ليس قرارا تقنيا فحسب، بل هو تعبير عن تهميش رمزي لشرائح معينة من السكان. فركوب الدراجة في مدننا اليوم يرتبط بالفقر، أو يختزل في التسلية لا كخيار تنقلي مشروع. بينما في أمستردام وكوبنهاغن، تعتبر الدراجة وسيلة تنقل مدنية بامتياز، وتحظى ببنية تحتية تحترمها.
في مدن مثل كوبنهاغن يظهر أن توفير مسارات دراجات آمنة يزيد من الإقبال عليها ويقلل من الازدحام والتلوث. (وهنا تبرز أهمية البنية التحتية) بينما في المغرب، الغياب شبه التام لتخطيط مسارات للدراجات هو تعبير عن غياب فلسفة حضرية عادلة، وافتقار لرؤية تنموية قائمة على “الحق في التنقل”، لا على “القدرة على الامتلاك”.
نحو مدينة عادلة: من الامتلاك إلى التنظيم
إذا كانت سوسيولوجيا المدينة تعلمنا شيئا، فهو أن البنية التحتية ليست فقط إسمنت وحديد، بل هي تجسيد للعدالة أو غيابها. مدننا بحاجة إلى ثورة في التخطيط، تضع النقل العمومي في صميم التغيير: نقل نظيف، منظم، ومتاح للجميع، مسارات للدراجات تحترم راكبيها وتشرعن وجودهم، تربية مدنية تجعل من المشي والدراجة خيارا حضريا محترما لا مهانة طبقية.
إريك فروم يذكرنا أن “أن تكون” لا يُقاس بما تملك، بل بما تقدر أن تفعله وتكونه في علاقتك بالعالم. ومدننا، إن لم تستوعب هذا التحول من “الامتلاك إلى الوجود”، فستواصل الدوران في نفس الدوامة: شوارع مزدحمة، أرواح مرهقة، ومدينة بلا عدالة.
أعيش في ألمانيا،وسيلة النقل المفضلة لدي هي الدراجة، وكثير من الناس هنا يفضلونها لأنها رياضة و سيلة نقل إضافة لكونها صديقة للبيئة. أكثر ما يحز في نفسي عندما أزور المغرب أنه لا طرق ولا مسالك للدراجات،سياقة الدراجة الهوائية في المغرب مخاطرة كبيرة بالحياة وهذه مأساة يجب على أصحاب القرار أن ينتبهوا لها. شكرا
صحيح .. إن السيارة لم تعد وسيلة راحة، بل تعويضًا رمزيًا عن غياب الكرامة الحضرية. وغياب الثقة في النقل العمومي ليس وليد مزاج اجتماعي، بل نتيجة تراكمات مؤسساتية وسياسات عمرانية لم تنطلق من منطق العدل الاجتماعي.
في المغرب، يصبح الامتلاك وسيلة إثبات وجود، لا خيارًا عقلانيًا. فالمواطن يُدفع دفعًا نحو التملك القهري بدل أن يُحتضن بحقوقه المدينية. وهذا ما يُضعف جوهر “الحق في المدينة” الذي نادى به “هنري لوفيفر”، ويحوّل الفضاء العام إلى مجال يتحدد بالقدرة الشرائية لا بالانتماء المواطناتي.
الأخطر هو العنف الرمزي ضد البدائل. فالدراجة لا تحظى باعتراف حضري حقيقي، بل تُختزل في صور نمطية عن الفقر أو التسلية، مما يعكس عقلية تخطيطية تقصي ولا تحتضن. لذلك، فالحل لا يكمن فقط في التوسعة أو التهيئة، بل في إعادة النظر في الفلسفة التي تؤطر السياسة الحضرية. العدالة الحضرية تبدأ من التوزيع العادل للموارد والفرص، لا من منح الامتيازات للنخب.
وكما قال إريك فروم: “الحرية الحقيقية لا تأتي مما نملك، بل من قدرتنا على أن نكون.”
« La véritable liberté ne vient pas de ce que nous possédons, mais de notre capacité à être