المسنّون المغاربة في الغرب

المسنّون المغاربة في الغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 00:07

على امتداد عقود، ظلّ حلم العودة إلى المغرب رفيقًا صامتًا للجيل الأول من المهاجرين المغاربة في أوروبا الغربية. فقد اعتاد الواحد منهم أن يؤجّل القرار الحاسم إلى ما بعد التقاعد، أو ما بعد أن يكبر الأبناء، أو ما بعد إتمام بناء البيت في البلد. وقد جاء التقاعد، وكبر الأبناء، واكتمل البناء، غير أنّ الحقيبة بقيت في مكانها. وهذه المفارقة لا تخصّ بلدًا بعينه، إذ تتكرّر في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها، حيث يقيم مسنّون مغاربة يُعرفون في الأدبيات الفرنسية بـ”الشيبانيين”، أي الشيوخ الذين جاؤوا للعمل فاستقرّوا. وتتناول هذه المقالة الظاهرة في سياقها الغربي الأوسع، وتتخذ من هولندا نموذجًا، لما يتوافر فيها من معطيات ودراسات تُسعف في فهم أوضاع هذا الجيل.

جيل الاستقدام: حين تحوّل المؤقت إلى مصير

بدأت الهجرة المغربية نحو أوروبا الغربية على نطاق واسع في ستينيات القرن الماضي، في إطار اتفاقيات لاستقدام اليد العاملة أبرمها المغرب مع عدد من الدول الأوروبية، ومنها اتفاقية 14 مايو 1969 مع هولندا. وقد وصل الرجال أولًا للعمل في المناجم والمصانع والموانئ والورشات، ثم التحقت بهم أسرهم عبر لمّ الشمل بعد توقف الاستقدام في مطلع السبعينيات. وكانت الدولة المستقبِلة تنظر إلى العامل بوصفه حلًّا مؤقتًا لنقص اليد العاملة، والدولة المرسِلة تنظر إلى هجرته بوصفها متنفَّسًا اقتصاديًا ومصدرًا للتحويلات المالية، بينما رأى المهاجر في غربته مرحلة عابرة لجمع المال وبناء بيت في الوطن. غير أنّ الإقامة طالت، وولد الأبناء والأحفاد وكبروا، فتحوّل “المؤقت” إلى حياة كاملة. واليوم يدخل الجيل الأول مرحلة الشيخوخة في مجتمعات لم يكن يخطّط يومًا لأن يشيخ فيها.

أسطورة العودة

يستعمل الباحثون في علم اجتماع الهجرة مفهوم “أسطورة العودة” لوصف حالة المهاجر الذي يظل مقتنعًا بأنه عائد يومًا ما، فيبني حياته اليومية على هذا الافتراض. وليس المقصود بالأسطورة هنا الوهم بمعناه السلبي، وإنما آلية نفسية واجتماعية تمنح الغربة معنى، وتجعل مشقّة العمل والبعد عن الأهل أمرًا محتملًا. ويتغذّى هذا الحلم لدى المغاربة بالروابط الأسرية الممتدة، وبالمحيط اللغوي والديني، وبالدلالة الروحية العميقة للدفن في تراب الأجداد. ولذلك يشترك كثيرون في صناديق التكافل الخاصة بنقل الجثامين إلى المغرب، حتى وهم يقررون البقاء أحياءً في أوروبا. وهنا تتجلّى المفارقة: أجساد تقيم في الغرب، وترتيبات مسبقة لتعود إلى الوطن بعد الوفاة.

العوائق أمام العودة: نموذج هولندا

العامل الأول هو الحقوق الاجتماعية والدخل. فمن حيث المبدأ، يمكن تحويل معاش الشيخوخة الأساسي إلى المغرب عبر هيئة التأمينات الاجتماعية الهولندية، غير أنّ الانتقال الرسمي إلى الإقامة في المغرب يؤثر في قيمة المبلغ، وفي الاقتطاعات المحتملة، وفي إجراءات المراقبة، إذ يُطلب من المستفيد تقديم إثبات دوري على أنه على قيد الحياة. أما المساعدات الاجتماعية الأخرى فلا يمكن الاحتفاظ بها عند الإقامة الدائمة في المغرب، لأنها مرتبطة بالإقامة في هولندا. كما لم تعد الإعانة المخصصة لتشجيع العودة متاحة للطلبات الجديدة ابتداءً من مطلع عام 2025.

العامل الثاني هو التأمين الصحي والرعاية طويلة الأمد. فالتأمين الصحي الهولندي لا يستمر عند الانتقال إلى الخارج إلا إذا توافرت شروط محددة، من بينها الإقامة في دولة أوروبية أو في دولة تربطها بهولندا اتفاقية، وإلا وجب على المستفيد أن يؤمّن نفسه في بلد إقامته الجديد. وقد لا تنطبق هذه الشروط على الإقامة في المغرب، ولذلك يحتاج كل مسنّ إلى التحقق من وضعه الفردي قبل اتخاذ أي قرار. والمعنى العملي لذلك أنّ المسنّ المريض قد يفقد منظومة الرعاية المتكاملة التي اعتاد عليها، من طبيب الأسرة إلى التمريض المنزلي إلى الأدوية المغطّاة بالتأمين، ليبدأ من جديد في منظومة أخرى، وفي سنّ لا تحتمل الانتقال.

العامل الثالث هو الأسرة. فقد كان المهاجر يحلم بأن يعود ومعه أبناؤه، غير أنّ الأبناء نشؤوا في مدارس الغرب، ولهم أعمالهم ولغتهم وأسرهم، ولا يرون في المغرب وطنًا للاستقرار. وحين يأتي الأحفاد يتضح أنّ مركز الثقل العائلي قد انتقل نهائيًا. فيجد المسنّ نفسه أمام مفاضلة قاسية: إما أن يعود وحيدًا إلى بلد تغيّر، وإما أن يبقى قرب أسرته في بلد لا يشعر فيه بانتماء كامل. وقرار البقاء لدى كثيرين ليس تخلّيًا عن الحلم، بل ترجيح للأسرة على المكان.

العامل الرابع هو تغيّر المغرب نفسه. فالبلد الذي يحلم به المهاجر هو مغرب الذاكرة، أما المغرب الفعلي فقد تغيّر في عمرانه وأسعاره وإيقاع الحياة فيه، وتراجع فيه دور الأسرة الممتدة في احتضان الكبير. وقد يُعامَل العائد في بلده معاملة الزائر، فيعيش غربة مضاعفة: غريبًا في أوروبا لأنه ابن الهجرة، وغريبًا في المغرب لأنه ابن الغياب. ولذلك ابتكر كثيرون صيغة “الحياة بين ضفتين”، فيقيمون أشهرًا هنا وأشهرًا هناك. وهي صيغة تخفّف الحنين، لكنها تغدو مرهِقة ومكلفة كلما تقدّم العمر، حتى تتحول الإقامة الطويلة إلى زيارة قصيرة.

غربة الشيخوخة: لغة الأرقام

وإذا كان الرحيل صعبًا، فإنّ البقاء ليس مريحًا دائمًا. فقد أظهرت دراسة نُشرت نتائجها عام 2023 أنّ نحو 58 في المائة من المهاجرين المغاربة في الفئة العمرية بين 55 و64 عامًا يعانون درجة متوسطة من الشعور بالوحدة، مقابل 21 في المائة لدى السكان من أصل هولندي. أما الوحدة الشديدة فقد بلغت نسبتها 12 في المائة لدى المسنّين المغاربة، مقابل 4 في المائة لدى المسنّين الهولنديين. والأهم من ذلك أنّ الباحثين ربطوا هذه النتائج بعوامل خاصة بالمهاجرين، كالحاجز اللغوي والتمييز وخيبة الأمل في علاقات الأبناء، ولم يربطوها بغياب الروابط الاجتماعية وحده. وتشير توقعات نُشرت استنادًا إلى دراسات أخرى إلى أنّ عدد المغاربة الذين تجاوزوا الخامسة والخمسين في هولندا قد يقارب 180 ألفًا، وهو رقم تقديري يدلّ على حجم الفئة المعنية.

دور الرعاية والتمريض: حيث تظهر الفجوة

حين تعجز الأسرة عن تلبية حاجات المسنّ، أو تتدهور حالته الصحية، يصبح الانتقال إلى مؤسسة رعاية أو دار تمريض ضرورة. والمنظومة الغربية في هذا المجال، ومنها المنظومة الهولندية، متقدمة تقنيًا ومحكمة التنظيم، لكنها صُمّمت في الأساس على مقاس المجتمع المحلي. ويمكن تلخيص مواضع القصور في خمسة أبعاد.

أولها اللغة. فمعظم أبناء الجيل الأول لم يتقنوا لغة البلد بما يكفي للتعبير عن آلامهم وحاجاتهم، وبعضهم لا يتحدث إلا الدارجة أو الأمازيغية. وتتضاعف المشكلة عند الإصابة بالخرف، إذ يميل المريض إلى العودة إلى لغته الأولى وفقدان اللغة المكتسبة لاحقًا، فيجد نفسه محاطًا بأشخاص لا يفهمهم ولا يفهمونه. وحين يتعطل التواصل، تتعطل الرعاية نفسها.

وثانيها الطعام. فالغذاء الحلال جزء من الهوية والالتزام الديني، وحين لا يتوافر بانتظام، أو تكون الوجبات غريبة عن الذوق المغربي، يقلّ إقبال المسنّ على الطعام أو يمتنع عنه، فتتأثر صحته ويضعف شعوره بأنه في بيته. وتزداد الحساسية في رمضان، حيث يحتاج الصائمون إلى ترتيبات خاصة في أوقات الوجبات، ومراعاة لحالتهم الصحية.

وثالثها العبادة والطهارة. فأداء الصلاة في أوقاتها يحتاج إلى مكان هادئ، ومعرفة بجهة القبلة، وتيسير للوضوء لمن يعجز عن الحركة، وهي أمور لا تتوافر دائمًا في مؤسسات لم تُصمَّم لهذا الغرض. وكثيرًا ما تُعامَل هذه الحاجات على أنها تفاصيل شخصية، بينما هي عند المسنّ جوهر يومه.

ورابعها الخصوصية والحياء. فكثير من المسنّات المغربيات يشعرن بحرج شديد عند تلقّي العناية الجسدية من رجال، كالاستحمام وتغيير الملابس، وكذلك الحال لدى بعض الرجال تجاه النساء. وحين لا تُراعى هذه الحساسية، قد ترفض المسنّة الاستحمام أو تنسحب من الأنشطة، فيتراجع وضعها الصحي والنفسي.

وخامسها الأجواء الاجتماعية والثقافية. فالأنشطة السائدة في المؤسسات الغربية تبدو غريبة على مسنّ نشأ على الحكايات والأناشيد الشعبية وتلاوة القرآن وشاي النعناع وجلسات الأسرة الممتدة. ولذلك ظهرت في هولندا مبادرات محدودة لدور تمريض مخصصة للمسنّين من أصل تركي ومغربي. وتقدّم هذه المبادرات مرافقة روحية إسلامية، وطعامًا حلالًا يوافق الذوق، وفضاءات مخصصة للرجال وأخرى للنساء، وبرامج بالتركية والعربية والأمازيغية، وتسعى إلى أن تتراوح نسبة العاملين من أصل مهاجر في طاقمها بين 50 و60 في المائة، لما لهؤلاء من دراية باللغة والثقافة. وقد صرّح مؤسس إحداها بأنّ المؤسسات التقليدية لا توفّر التخصص الكافي، وبأنّ الأبحاث أظهرت فروقًا كبيرة في تجربة جودة الحياة بين المسنّين المهاجرين والمسنّين المحليين. غير أنّ هذه النماذج تظل استثناءات لا تكفي لتغطية حاجات جيل كامل.

نهاية الحياة: حيث يبلغ التباين أقصاه

ويظهر التباين في أوضح صوره عند اقتراب الأجل. فقد أشارت أبحاث في الرعاية التلطيفية للمسلمين، موّلتها المنظمة الهولندية لأبحاث الصحة والرعاية والابتكار، إلى أنّ كثيرًا من الممارسات الدينية والتقليدية للأسرة، كاستشارة الإمام واستعمال الأعشاب والزيوت، تبقى غائبة عن النقاش مع الفرق الطبية، وإلى أنّ الحديث عن اقتراب الوفاة كثيرًا ما يُتجنَّب. كما تبيّن أنّ الأسر تفضّل غالبًا مواصلة العلاج إلى أقصى حدّ ممكن، بينما ينظر بعض الأطباء والممرضين إلى ذلك على أنه يتعارض مع مبادئ الرعاية التلطيفية، فينشأ سوء فهم متبادل، وتشعر الأسر بأنها لا تُفهم ولا يُصغى إليها. ولا تتوافر في الغالب أدوات للحوار ولا مواد تثقيفية تراعي هذه الخصوصيات.

ويضاف إلى ذلك الجانب الشرعي المتمثّل في حضور الأسرة عند المحتضر، وتلقينه الشهادة، وتوجيهه نحو القبلة، وغسل الميت وتكفينه، والحرص على المبادرة إلى الدفن. وهي أمور تحتاج إلى ترتيبات مسبقة وتفهّم من إدارة المؤسسة. وحين يغيب هذا التفهّم، يغادر المسنّ الدنيا وهو يشعر بأنه غريب حتى في لحظاته الأخيرة.

ثقافة الأسرة وحرج الدار

ولا يقتصر الإشكال على المؤسسات، بل يمتد إلى تمثّلات المجتمع المغربي نفسه. فكثير من الأسر ترى في إدخال الوالدين إلى دار للرعاية تقصيرًا في حق البرّ، وتخشى نظرة المحيط والجالية، فتؤجّل القرار حتى تنهار قدرتها على التحمّل، ويصل المسنّ إلى المؤسسة في وضع متأخر. ويتعمّق الخلاف لأنّ النموذج الغربي في الرعاية يقوم على الاستقلالية الفردية وإسناد الرعاية إلى المهنيين، بينما يقوم التصور المغربي على التكافل الأسري. والحل ليس في اختيار أحد النموذجين ضد الآخر، بل في الجمع بين أفضل ما في كل منهما.

ثلاث مسؤوليات متكاملة

المسؤولية الأولى تقع على دول الإقامة ومؤسساتها، ومنها هولندا. فالمسنّ المهاجر مواطن أسهم في بناء البلد بعمله وضرائبه، ومن حقه أن تكون الرعاية الموجَّهة إليه ملائمة لخصوصيته. ويقتضي ذلك توظيف مرافقين يتحدثون لغته، وتوفير الطعام الحلال ومكان للصلاة والوضوء، وضمان رعاية جسدية تراعي ضوابط الحياء، وتكوين الطواقم في مجال الفروق الثقافية والدينية، وإدماج المرافقين الروحيين والأئمة في فريق الرعاية، وإعداد أدوات للحوار حول نهاية الحياة تراعي المرجعية الإسلامية.

والمسؤولية الثانية تقع على الجالية ومؤسساتها المدنية والدينية. فالمساجد والجمعيات قادرة على أداء دور الشريك الحقيقي، عبر بناء شراكات مع مؤسسات الرعاية، وتنظيم متطوعين للزيارة ومرافقة المسنّين إلى المواعيد الطبية، وتوعية الأسر بحقوق المسنّ وبالخدمات المتاحة، وفتح حوار صريح داخل الأسر حول الوصايا والرعاية وآخر العمر قبل وقوع الأزمة.

والمسؤولية الثالثة تقع على الدولة المغربية. فهذه الفئة تستحق أن تُعدّ ملفًا استراتيجيًا، وذلك عبر التنسيق مع دول الإقامة لتوضيح قواعد التنقل بين البلدين في ما يخص المعاشات والتأمين الصحي بلغة مفهومة، وتطوير خدمات رعاية ملائمة في المغرب لمن يرغب في العودة، وتوفير قنوات معلومات موثوقة تمكّن المسنّ من اتخاذ قرار حرّ ومدروس لا يقوم على الحنين وحده.

خاتمة

يعيش المسنّ المغربي في الغرب، كما تُظهر التجربة الهولندية، سؤال الانتماء في أدقّ مراحل العمر. فهو يحلم بالعودة، لكنّ صحته وأسرته وحقوقه الاجتماعية لا تسمح له بها، ويبقى في بلد لم تتكيّف مؤسساته الرعائية معه بعد. والتحدي ليس في أن نقرّر عنه أين يعيش، بل في أن نضمن له، حيثما استقرّ، كرامة الحياة وكرامة الرحيل. فمن منح أوروبا سنوات شبابه وقوته، ومنح المغرب وفاءه وتحويلاته، يستحق أن يجد في خريف عمره لغة يفهمها، وطعامًا يعرفه، ومصلًّى يقصده، ويدًا رحيمة تعرف كيف تعتني به. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى كثيرون منهم معلّقين بين مكانين: القلب في المغرب، والجسد في الغرب.

-باحث أكاديمي في قضايا الهجرة والهوية والأخلاق الطبية والتدين والتعليم، هولندا.
المدير الوطني للتعليم التكويني الإسلامي في المدارس العمومية الهولندية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة