الوصايا السبع لرئيس الحكومة الجديد

الوصايا السبع لرئيس الحكومة الجديد
الجمعة 31 مارس 2017 - 08:09

لعلها المرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث تحظى أطوار تشكيل الحكومة بهذا القدر الهائل من التتبع والانتظار، بعدما طال مسلسل تشكيل حكومة سابع أكتوبر خمسة أشهر كاملة انتهت بفشل السيد عبد الإله بنكيران في تذويب خلافاته مع الفرقاء الحزبيين، وبالتالي اعفاءه وترك مكانه لوجه سياسي مهادن ومألوف هو سعد الدين العثماني. ولأن الرجل لم يعد طبيب نفسه وإنما طبيب جميع المغاربة، في سعيهم إلى حقن الديمقراطية بين ثنايا مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فهذه حزمة توصيات معروفة قد يكون التذكير بها مجرد تحصيل حاصل:

أولا: رئيس الحكومة الجديد عليه أن يكون لجميع المغاربة بمجرد تعيينه، أغلبية ومعارضة ومقاطعين، وليس لجهة حزبه فقط أو مشروعه السياسي أو جماعته الدعوية أو فصيله الاثني أو أن يكون صيدا سهلا لحمائم وصقور حزبه في تمرير رسائلهم ومعاركهم الحزبية الداخلية والخارجية. وهذا يتطلب منه أن يخلع ثوبه الحزبي ويتدثر بلباس رئيس حكومة جميع المغاربة، ولم لا التفكير في تجميد جميع مهامه وأنشطته الحزبية للتفرغ لشؤون الدولة الكبرى. وقد رأينا كيف كان سلفه بنكيران يلبس لباس الحكومة طيلة أيام الأسبوع قبل أن يتحول إلى المعارضة من داخل مقرات حزبه أو نقابته يومه الأحد بما أربك صورة رئيس الحكومة ودوره لدى المواطن العادي.

ثانيا: أن يتحمل مسؤولية الاختيار الدقيق لوزراء تشكيلته الحكومية المقدمة إليه، سواء من هيئته السياسية أو باقي الأحزاب الأخرى، معتمدا على مبدأي الكفاءة والخبرة المجالية ومدققا في المسار الأكاديمي والسياسي والمهني للشخصية المقترحة للوزارة قبل تقديمها إلى الملك، وأن يمتلك الجرأة في رفض أي اسم يراه لا يستجيب لتطلعاته ورؤيته لشكل حكومته ممن يكون قد أتى عن طريق المحاباة أو الإرضاء أو الإنزال، وأن لا يكتفي بالوزير السياسي الذي لا يفهم في أبجديات اختصاص وزارته؛ فالمسار المهني في المجال المراد تسييره يساعد الوزير على الاندماج بسرعة في هموم وقضايا وزارته لتظهر المردودية سريعا. وقد رأينا كيف نجح وزراء أهل الميدان في الرقي بخدمات وزارته باعتبارهم أبناء القطاع. وبالمقابل، شاهدنا وزراء أمضوا نصف عمر وزارتهم في التعرف على دواليب وزاراتهم. كما أن الوزير منزوع الدسم السياسي يسقط بسرعة في متاهات الشغيلة والهيئات النقابية المتابعة لعمله لقلة خبرته السياسية؛ فالتوازن مطلوب هنا جدا. ولأن التنوع الجغرافي والمناصفة والعدد المعقول للوزراء دون تضخيم أو تفريخ مشوه للوزراء المنتدبين والتشبيب مطمح شعبي لشكل الحكومة المقبلة، فسيكون راقيا لو تضمنت الحكومة المقبلة أقل من عشرين وزيرا نصفهم إناث، ومن مختلف مناطق المغرب بصحرائه وشرقه وشماله وغربه، فلا يعقل ألا تتضمن الحكومة المقبلة شخصيات من الصحراء المغربية أو مدينة وجدة المتاخمة للجار العدو في لحظة مخاضه العسير لما بعد بوتفليقة.

ثالثا: صحيح أن الأمور الإستراتيجية الكبرى للدولة من اختصاصات الملك، رمز وحدة البلاد والضامن لحسن سير مؤسساتها والمؤتمن على التخطيط لمستقبلها المتوسط والبعيد؛ لكن هذا لا يعني أن يصبح موقع رئيس الحكومة مكتب للاستعمال، كما حصل مع السيد عباس الفاسي وهاتفه الأحمر الذي ينتظر أن يرن، أو مكتب الاستعمال المؤقت كما جرى الأمر مع بنكيران وحديثه الفج عن كونه لم يأت ليتخاصم مع الملك لتبرير تقاعسه عن تنزيل بعض مضامين الدستور الجديد، مع أنه عمليا لا أحد منعه من التصرف في مسؤولياته الدستورية. إن رئيس الحكومة الجديد مدعو إلى تحصين المكتسبات الدستورية والسياسية التي أتى بها الدستور الجديد لصالح رئاسة الحكومة ومسؤولياتها التي تعاظمت بفعل تناوب اليوسفي وخطاب 9 مارس ذات ربيع عربي. أو ليست الديمقراطية، في أرقى تجلياتها في بريطانيا، هي سلسلة تراكمات وأعراف غير مكتوبة في تدافع صامت أحيانا ومعلن أخرى للملكية ومؤسسة رئاسة الحكومة والبرلمان نضج مع مرور الزمن ليصبح على شكله الحالي دون دستور مكتوب حتى؟ ما يعني أن التحول الديمقراطي، في جوهره، هو في النهاية مجموع تفاعلات معقدة بين كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمثقفين وحتى العدميين والناقمين.

صحيح أن الشؤون الأمنية والخارجية اختصاص خالص لرئيس الدولة في كل الديمقراطيات العريقة دون مناقشة ولا بد لرئيس الحكومة عدم معاكسة الاتجاه الذي خطه رئيس الدولة في اختيار الأصدقاء قبل الأعداء في لعبة المصالح السياسية والاقتصادية ولو بالإشارات غير المدروسة، فإن رئيس الحكومة مدعو بقوة من جهته إلى تحمل القضايا المهمة الأخرى عن رئيس الدولة لتخفيف العبء عنه، والانتباه إلى ثمن الطماطم والسمك ورغيف الخبز ومتطلبات المعيشة اليومي للمواطن العادي والاطلاع على أحوال العاملين وأوضاع الإدارة والمحاكم في مختلف بقاع المغرب وتوجيه وزرائه إلى العمل وإيجاد الحلول دون الحاجة إلى شهادة مرئية مصورة… أن يعمل هو ووزراؤه كل يوم كما هو حال حكومات العالم الثالث المتخلف، فالعبرة بالنتيجة وثقة المواطن على الأرض.

رابعا: أن يتخلص السيد العثماني سريعا من جلباب سلفه بنكيران الذي استفاد من شخصيته الكاريزمية وتأثيره الخطابي على الجمهور وتفكيكه قشور السلطة وتعريتها بالواضح بأسلوب شعبوي لقي استحسان الجمهور الذي لم يألف هذا النوع من التعامل من ثاني سلطة في البلاد، وألا يحاول تقليده في شكل وطريقة تدبيره للعمل الحكومي وتعامله مع خصومه السياسيين ووسائط الاتصال ورجال الإعلام أو فسح المجال للمقارنة معه. وهذا يعني أولا التخلي عن جميع مستشاري سلفه جملة وتفصيلا للتأسيس لبناء صفحة سياسية جديدة، وأن يتخذ لنفسه شخصية مستقلة ينحتها بنفسه أساسها العمل الجاد والمردودية المباشرة على المواطن دون السعي إلى المنافسة على الظهور في صور نشرات الأخبار أو السوشل ميديا؛ فتلك مسؤولية رئيس الدولة في إبراز صورة البلد، استقبالات وضيوفا كبار وبرتوكولات مرعية متوارثة تعكس رقي وعراقة هذا الوطن الذي نفخر بتاريخه جميعا.

خامسا: رئيس الحكومة الجديد عليه أن يعرف أن المغرب أكبر بكثير من مكتبه في مقر الوزارة الأولى، فالانفتاح على المعارضة وكل أطياف اللون السياسي والاقتصادي والنقابي مطلوب دون خطوط حمراء أو صفراء خدمة لمصالح الدولة الكبرى؛ فالمملكة اليوم تقودها دينامية اقتصادية كبرى والتوجه الملكي واضح في هذا المجال من خلال الأوراش الكبرى والاستثمار النفعي مع إفريقيا وباقي التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية في عالم شديد التنافسية يتكلم بلغة الحرب الاقتصادية في انتظار الخيارات العسكرية وشيكة النذر. لهذا، سيكون مرغوبا أن يؤمن السيد العثماني بالاقتصاد قبل السياسة في تدبير شؤون الدولة، وأن يعطي الأولوية لخدمة المصالح الاقتصادية المغربية وتحصين مكتسباتها عالميا وحمايتها من المنافسين الإقليميين كتونس وتركيا، وجعلها محطة آمنة شكلا ومضمونا للاستثمارات الدولية وممرا فريدا لأرض إفريقيا البكر طاقات وفرص شغل.

سادسا: أن يبدأ تحت شعار “كل شيء إلا بنكيران ” بمراجعة ما خلفه سابقه دون نية استكمال طريق القرارات الصعبة واللاشعبية التي طبقها سلفه، وأن يفحص بموضوعية ونزاهة مدى تأثير سياسات وقرارات الحكومة السابقة على الطبقات الوسطى التي تعدّ محور ارتكاز كل دول العالم الراقي؛ فالتطبيق الحرفي لتوصيات البنك الدولي والاستدانة الزائدة أضعفتا الطبقة الوسطى المغربية بدرجة كبيرة وجعلها تنكمش جديا في اتجاه القاعدة الفقيرة التي تكبر كل يوم، بما ينذر باحتقانات شعبية في ظل تزايد البطالة وقلة فرص الشغل وشح جيوب الموظفين ومعاناتهم مع القروض والديون، وضعف عدالة التقاضي وسوء توزيع الضرائب واتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء بشكل صارخ.

سابعا: ما لم يذهب العثماني إلى حل مشاكل التعليم والصحة فإنها ستأتي إليه هرولة؛ فثمن إهمال التعليم والصحة أعلى بكثير من العمل الدؤوب على هذين الملفين. ونتذكر هنا الندوب العميقة التي تركها ملف الأطباء والأساتذة المتدربين في الولاية السابقة للسيد بنكيران. ولعل الخطوة الناجحة الأولى في حلحلة ملف التعليم تتمثل في اختيار وزير مناسب يعي مشكلات القطاع بجناحيه العمومي والخصوصي، ويستطيع إرجاع الثقة إلى رجل التعليم، باعتباره محور كل تغيير جوهري في المنظومة التربوية، من خلال إجراءات عملية وواقعية تصل الفصول الدراسية؛ فالرؤية الإستراتيجية لإصلاح التعليم تحتاج دماء جديدة لم تتلطخ بفشل التجربة السابقة. أما قطاع الصحة واعتبارا لكون الدكتور العثماني ابن الميدان ويعرف جليا أعطاب هذا القطاع الحساس في حفظ التوازنات الاجتماعية والنفسية لكل مجتمع سليم وشاب، فالأمل كبير في إصلاح أكثر جدية للمواصلة بنفس حماس الوزير السابق للقطاع. وإذا تمكن السيد رئيس الحكومة من جعل أنين هذين القطاعين يخفت ولا يسمع فإنه سيكون قد حقق قفزة مهمة في أن يكون رئيس حكومة غير عابر في زمن سياسي حساس ودقيق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • le pjd est sourd
    الجمعة 31 مارس 2017 - 09:39

    un islamiste pjd est sourd à ces recommandations,il ne reconnaît que son parti qu'il veut imposer comme parti unique pour mener les marocains au paradis des obscurantistes islamistes,c'est à dire ,le paradis où vivent actuellement les millions de syriens et d'irakiens sous les déluges incessants des bombes de mort et de famine,
    le pjd croit être descendu du ciel avec le fouet et le sabre pour corriger les gens,
    le pjd est un parti fasciste ,son fascisme le conduira à sa disparition,
    il veut nier les diversités enrichissantes des marocains,il veut imposer l'intolérance contre les libertés individuelles et collectives,
    heureusement que les marocains qui détestent le parti unique du mal unique ne lui permettront jamais de dépasser des limites

  • أدينوا الرواقي
    الجمعة 31 مارس 2017 - 18:57

    بعد استئذان الكاتب :
    ثامنا : ان يحدق السي العثماني للأسفل ليبقى قريبا من نبض الطبقات المحرومة مع ترتيب أولويات الحرمان تلك التي تتطلب معالجة عاجلة ، بدءا بالمنسنين في القرى النائية والجبال والمناطق البدائية التي لا تسترعي انتباه حتى غوغل ، المناطق حيث يولد الانسان ويموت ويدفن دون يكون له أدنى اثر في هذه الحياة ودون ان يأخذ من الوطن ولو حبة قمح ، ان يفكر السيد العثماني وهو يتحرك في فضاءات مخملية ويتعامل مع قوم لا يراهم المواطن يتخيلهم من غير طينة البشر لا تجمعهم وإياهم سوى الجنسية ومصطلح مغربي ان البقاء للأصل وان عمر ترؤسه للحكومة قصير ومحدود وانه سيقابل غذا بعد ان يهدأ غبار السلطة والجاه أناسا في الشارع اما يتهافتون لمصافحته والدعاء له أو الأعراض عنه والدعاء عليه ، وان يحفر في مكنون سره ان علية القوم الذين سيتحلقون حوله يضمرون لهذا القادم من الأعماق غير ما يظهرون ، فتربته مهما تغير اتجاه شراع سفينته هي هذا الشعب الصابر البسيط الذي لا يرنو سوى الى ما يحفظ كرامته ويطمئنه على مستقبل ذريته ويشد عضده متى تقدمت به السنون وخانته الصحة وتكالبت عليه الأمراض ، ندعو للسي العثماني بالتوفيق .

  • hiba
    الجمعة 31 مارس 2017 - 19:27

    el ohmani est l'antipode de son predecesseur, je crois qu'il l'a deja montré par la maniere dont il a mené les consultations,il va effacer toutes les traces de benkiran dans peu de temps, il a son propre style et sa propre personnalité caracterisée par le flegme, le sens de l'ecoute ,le realisme et le patriotisme,benkiran n'a pas gouverné en verité, il a psasé cinq longues annees a gerer ses petites batailles insignifiantes, et a concevoir les tactiques et manoeuvres servant a ecarter ses adversaires politiques,certes la mission ne va pas etre facile, il va faire face a des politiciens venaux, comrrompus,que ce soit dans l'opposition ou la majorité, mais je crois ferme qu'il va surmonter tout ca, et ceux qui disent quil est faible melangent souplesse et faiblesse,et confondent la force avec l'obstination puerile,donc n'ayant aucune crainte pour sa reussite

صوت وصورة
''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:46

''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05 5

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر