انتخابات من نوع خاص

انتخابات من نوع خاص
الأربعاء 5 أكتوبر 2016 - 21:00

من بين الاستحقاقات التشريعية التي عرفها المغرب خلال الفترة التي تحسب على “العهد الجديد” يبدو لي أن استحقاقين اثنين كانا الأكثر إثارة للانتباه: انتخابات 2007، التي عرفت نسبة مقاطعة غير مسبوقة، وكانت، علاوة على ذلك، الأقل سوءا من حيث درجة مصداقيتها وحياد الإدارة خلالها، ثم انتخابات 2011، التي جرت في ظل مناخ سياسي استثنائي، وسمحت بفوز مثير لحزب مثير، كان حتى ذلك الوقت يواجه مخلفات أحداث 16 ماي 2003، التي كانت تهدده بالحل.

وظني أن الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 7 أكتوبر 2016 لن تخرج عن هذا السياق؛ فالمتابع لمجرياتها، على الأقل منذ لحظة التحضير القانوني لها إلى حدود انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بها، من دون شك سيخرج بانطباع أساسي، وهو أننا إزاء استحقاق انتخابي من نوع خاص، وهذه بعض المعطيات التي تؤكد ذلك:

أولا ـ كونها أول انتخابات نيابية تجري في أعقاب ولاية حكومية تبدو غير مسبوقة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظرفية الاستثنائية التي جاءت فيها، و”خصوصية” الحزب الذي تولى قيادتها، وعلى وجه الخصوص طبيعة الإطار الدستوري الناظم لعملها.. فهذا الأخير وإن لم يحسم بكيفية واضحة في إشكالية السلطة في المغرب، ولم يضع، بالتالي، حدا لتلك الازدواجية المريبة بين الدستور المكتوب والدستور غير المكتوب، التي ظلت تحكم الممارسة السياسية، فقد أعطى للحكومة ولرئيسها صلاحيات واختصاصات مهمة عندما تقارن بتلك التي كانت ممنوحة للوزير الأول في ظل الدساتير السابقة.

ثانيا ـ أنها تجري في ظل سياق سياسي يبدو مختلفا عن آخر استحقاق من هذا النوع. فإذا كانت انتخابات 25 نونبر 2011 جرت تحت شعار “البحث عن الاستقرار”، وتجنيب المغرب “الخطر القادم من الشرق”، وفرضت، بالتالي، الحاجة إلى حزب جديد يعطي الانطباع بالتغيير، فإن المسافة الزمنية التي تفصلنا عما حدث في بداية العشرية الثانية من القرن الواحد العشرين، وتحول “الربيع العربي” إلى ما يشبه الخريف، يبدو أنه غير نسبيا من الرهانات السياسية المطروحة على هذا الاستحقاق، ولم يعد ما كان ضروريا في ترتيب أجندة الأمس حاسما في كتابة جدول أعمال اليوم.

ثالثا ـ أنها تأتي بعد انتخابات 4 شتنبر 2015 الخاصة بالجماعات الترابية، وما أسفرت عنه من نتائج، خاصة وأنها أعادت حزب الأصالة والمعاصرة إلى الواجهة بعد أن كانت أحداث “الربيع العربي” وتداعياته مغربيا قد دفعته نحو تحجيم ذاته، وكبت الطموحات التي كان قد عبر عنها لحظة تأسيسه، كما جعلت حزب العدالة والتنمية يحقق نتائج غير مسبوقة في انتخابات من هذا النوع؛ فقد رفع عدد مقاعده ثلاث مرات، وتصدر النتائج الخاصة بانتخابات الجهات، وحل الأول في خمسة من بينها، كما حقق فوزا كاسحا وغير مسبوق في مدن كبيرة وإستراتيجية كان أعضاؤه وأنصاره قبل غيرهم لا يصدقون أن يتمكن حزبهم من ضمان تسييرها لوحده ودونما حاجة إلى تحالفات.

رابعا ـ ما عرفته الفترة السابقة على الموعد المحدد لإجرائها من حدة في الاستقطاب بين بعض القوى السياسية، بكل ما يؤشر عليه ذلك من اتجاه الحياة السياسية نحو نوع من التقاطب حول حزبين سياسيين: حزب العدالة والتنمية، الذي يدخل غمار هذا الاستحقاق برهان أن يكون الأول الذي يقود الأغلبية الحكومية لولايتين متتاليتين، ويؤكد، بالتالي، أن خمس سنوات من التدبير الحكومي لم تنل من شعبيته، ولم تؤد، كما يحاول أن يسوق ذلك خصومه، إلى انقطاع التيار بينه بين الناخبين الذين صوتوا لصالحه من قبل؛ وحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أضحى يقدر أنه تجاوز العاصفة، وأن بإمكانه الآن أن يعلن نفسه من جديد، وأن يرد الاعتبار لنفسه في مواجهة حزب لا يتردد في اتهامه بازدواجية الخطاب، وبالسعي إلى “أخونة الدولة والمجتمع”، والهيمنة على مفاصل الدولة.

خامسا ـ ما تطرحه تجربة خمس سنوات من عمر الحكومة، التي تتولى الإشراف على تنظيم الانتخابات، من تساؤلات حول حصيلتها، ومدى وفائها بالتزاماتها. ففي ظل عجز الحزب الذي يقودها عن ترجمة أقوى الوعود التي تضمنها برنامجها (نسبة النمو، محاربة الفساد، قضية التشغيل…)، وإقدامه على اتخاذ إجراءات اجتماعية قاسية تمس فئات اجتماعية يفترض أنها هي التي أدلت بأصواتها لفائدته، ومكنته بالتالي من أن يفرض نفسه، ولأول مرة، باعتباره القوة الانتخابية الأولى في المغرب، يبدو أن الحصيلة الحكومية ستحضر بقوة في خطاب التعبئة المصاحب لهذا الاقتراع، ومن غير المستبعد أن تكون حاسمة في تحديد سلوك شريحة مهمة من الناخبين، وخاصة من يصوتون منهم بناء على اختيارات.

سابعا ـ الظروف التي أحاطت بالتحضير القانوني لها، حيث أدخلت على الإطار القانوني المنظم لها، تعديلات ـ تخفيض العتبة الانتخابية، مراجعة إجراءات التسجيل الإلكتروني في اللوائح الانتخابية، وتمكين اتحاد الأحزاب السياسية من الاستفادة من تمويل الدولة ـ تضاربت الآراء حول أسباب نزولها، والخلفيات المتحكمة فيها. فبينما اعتبرها البعض تندرج في إطار المزيد من تعزيز المشاركة السياسية، وضمان تكافؤ الفرص بين القوى المتنافسة في المشهد السياسي، رأى فيها البعض الآخر محاولة للتحكم في العملية الانتخابية، عبر المزيد من تشتيت الخريطة الانتخابية، وبالتالي السعي نحو محاصرة النجاح الانتخابي المفترض لحزب العدالة والتنمية.

ثامنا ـ ما عرفته من دخول لاعبين جدد إلى ساحة التنافس السياسي، بكل ما قد يكون لذلك من تأثير على مجريات العملية الانتخابية، وعلى نتائجها، والمقصود هنا بالضبط اليسار المعارض والاتجاه السلفي. الأول عاد إلى دائرة المشاركة الانتخابية، بعد أن كان قد قاطعها خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو وإن كان لا يتوفر على “شطارة” انتخابية كبيرة، وغير متمرس بالشكل الكافي على نزالات من هذا النوع، كما لا يتوفر على أجهزة تنظيمية قوية تسمح له بترجمة انسجام وجاذبية خطابه السياسي إلى معطى انتخابي، مع ذلك هناك اعتقاد أن تكتله في إطار اتحاد حزبي (فيدرالية اليسار الديمقراطي)، وما يتمتع به من مصداقية ونزاهة وثبات على المواقف، والمجهود الكبير الذي بذله على مستوى تغطية الدوائر الانتخابية، فضلا عن إصراره على تقديم نفسه باعتباره “خيارا ثالثا” يمثل بديلا للخيارين الآخرين المطروحين في “سوق التدافع السياسي”، يؤهله لأن يستقطب جزءا مهما من ناخبي الفكرة، ويضمن لنفسه تمثيلية محترمة داخل المؤسسة البرلمانية؛ أما الثاني، وإن كان يشارك في هذا الاستحقاق بكيفية محدودة، كما لا يدخله بكيفية موحدة وتحت “راية” واحدة، وإنما مشتتا بين حزبين أو ثلاثة، فيبدو أن مشاركته في حد ذاتها ستغير بعض المعطيات الانتخابية، وخاصة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، الذي كانت أغلب التحليلات ترجع سبب نجاحاته الانتخابية، وفي مناطق محددة بالذات (طنجة، مراكش، وفاس..)، إلى المساندة القوية التي كان يحظى بها من لذن التيار السلفي.

*أستاذ القانون العام – كلية الحقوق السويسي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • المهدي
    الأربعاء 5 أكتوبر 2016 - 23:04

    الحاجة الى حزب جديد في أعقاب الربيع العربي السام لإعطاء انطباع بالتغيير كما ذكر الأخ الكاتب لا تعني إعطاء الحزب شيكا على بياض بحجة انه عماد استقرار المملكة كما توهم وكما ردد زعيمه في اكثر من مناسبة ، مشكلة بنكيران انه لم يغادر جبة الحزب وهو رئيس لحكومة يفترض ان ترعى شؤون المغاربة بمختلف اطيافهم ، بل انه تموقع منذ الوهلة الاولى مدافعا عن الحزب على حساب اختصاصات أوسع من دائرة الحزب الضيقة فساقته سجالاته الى حضيض الممارسة السياسية بذات القدر الذي قدم فيه خدمات جليلة لخصومه الذين كانوا ينتعشون من استفزازه وانجراره وراء استراتيجيتهم ، يضاف الى هذا ألكم الهائل من الأخطاء والفضائح التي جاءته من وزراء حزبه لتزيده طعنا وترنحا ، وزراء اعتقدوا انهم فوق المغاربة وان العناية الإلهية أرسلتهم لقيادتنا ولا يحق لنا بالتالي سوى الطاعة والصمت ، فعنجهية الشوباني وحدها وفضيحة الكوبل الدعوي افقدت بنكيران وحزبه نصف ما كان يحظى به من وقار وان لم يحظى بالتقدير لقراراته الجائرة في حق الطبقات المنهكة ، سيخرج الحزب بتجربة تسلم فيها قيادة القارب دون مؤهلات حقيقية ، وعليه ان يدخل مرحلة تأمل ومراجعة للذات وتشذيب لل

  • المهدي
    الأربعاء 5 أكتوبر 2016 - 23:33

    تتمة ، العدالة والتنمية اليوم في حاجة الى حكماء والى مراجعة شاملة للذات ، بنكيران خلال الخمس سنوات التي قضاها على رأس الجهاز التنفيدي لم يستطع التخلص من ازدواجية الخطاب : خطاب موجه لكتلته الناخبة من اتباع الحزب وآخر بنبرة المنتصر لباقي عموم الشعب ، فالحزب دخل الحكم بعقلية الغازي المنتصر وليس من هيّئت له الظروف لتولي شؤون الامة بما يتطلبه ذلك من انسلاخ مرحلي عن عقلية الطائفة او الجماعة ، ان المتمعن في ردود افعال هذا الوزير او ذاك او جيش الكتاب وحملة الاقلام ليلحظ التموقع المتوثب للعدالة والتنمية في مواجهة خصوم ظاهرين ومتخيلين ، فالعنف اللفظي والجسدي لمن طالب بحق وليس من اعضاء الحزب والمحاباة حد الدفاع عن الشيطان لمن أتى منكرا او فسقا او تلاعبا واستغلالا للمنصب ان كان من المريدين ، وها نحن نحضر اليوم الدفع بالتهور والانفعال الى مستويات اعلى حين يصرح بنكيران لوسائل إعلام اجنبية ان الملك هو المتحكم والحاكم الأوحد بما يخرب كل الجهود المبذولة لإظهار التوجه الديمقراطي الذي تبناه المغرب بمؤسسته الملكية كخيار أولى غاياته ضمان الانسياب الاستثماراتي وترسيخ صورة البلد الأمن ، المغرب في حاجة الى

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 3

مباشر | نتائج انتخابات المغرب

صوت وصورة
بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:22 5

بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في الرباط
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:14

النتائج المؤقتة في الرباط

صوت وصورة
عامل تنغير ونسبة المشاركة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 22:41 1

عامل تنغير ونسبة المشاركة