بلاغ البيجيدي والهجمات الإرهابية

بلاغ البيجيدي والهجمات الإرهابية
الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 06:50

أصدرت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بلاغا عقب اجتماعها الأسبوعي ليوم 26 أكتوبر، عبرت فيه عن “الإدانة والاستنكار الشديدين للرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وللإمعان في تبني تلك الرسوم والإصرار على تعميمها”. إلا أن البلاغ يفرض إثارة الملاحظات التالية:

1 ــ إن البلاغ وهو يشدد الإدانة والاستنكار للرسوم المسيئة للرسول عليه السلام يكاد يسوّغ كل ردود الفعل التي ينتجها “استفزاز واضح لشعور أكثر من ملياري مسلم بدعوى الانتصار لحرية الرأي والتعبير والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبرر التهجم على الإسلام ورسوله الكريم”. بهذا التسويغ لردود الفعل مهما كانت عنيفة تكون قيادة الحزب مخالفة لتعاليم الإسلام السمح (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وأوامر الله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن) ونواهيه (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).

2 ــ البلاغ جاء خلوا من أية إدانة ولا حتى إشارة إلى العمل الإرهابي المتمثل في جز رقبة الأستاذ، وكأن الأمانة العامة للحزب تبارك العمل الإجرامي حين صمتت عنه، وانحازت إلى دعوات العنف والانتقام. فالرسومات المسيئة إلى الرسول الكريم ليست تعبيرا عن قناعة ومواقف كل الفرنسيين، حتى تتخذ قيادة الحزب موقفا مماثلا من قتل الأستاذ أو من العمليات الإرهابية المماثلة، التي سيروح ضحيتها أبرياء بسبب أسلوب التهييج والتحريض من طرف الإسلام السياسي على وجه الخصوص. فأيا كانت الغيرة على الدين ومحبة الرسول الكريم، فإن التحريض على العنف أو التواطؤ عليه هما أكبر إساءة إلى الدين وإلى المسلمين، خاصة المقيمين في المجتمعات الغربية والذين سيدفعون، عاجلا أم آجلا، الثمن غاليا من حقوقهم وحرياتهم خصوصا عندما يفوز اليمين المتطرف بالانتخابات ويصل إلى مصدر القرار السياسي والتشريع القانوني.

3 ــ البلاغ اتخذ موقفا مخالفا، من جهة، للموقف الرسمي للمجلس العلمي الأعلى الناطق باسم إمارة المؤمنين التي يشتغل الحزب في ظل إطارها السياسي والدستوري، ومن أخرى، للموقف الرسمي للحكومة المغربية التي يرأسها الحزب. بخصوص موقف المجلس العلمي الأعلى الذي تضمنه البلاغ الصادر عنه، فإنه أعلن “رفضه واستنكاره لكل أنواع المس بمقدسات الأدیان، وأعلى هذه المقدسات رسل الله الكرام”، دون انحياز لمقدسات دين دون آخر أو معتقدات أهل ديانة دون أخرى؛ وفي الوقت نفسه اتخذ الموقف نفسه الذي يتخذه السياسيون والعلماء ضد العنف والإرهاب “واستلهاما من المبادئ التي بلَّغها هؤلاء الرسل إلى الإنسانية جمعاء، دون تفريق بينهم، يقف الحكماء اليوم من السياسيين والعلماء في وجه همجية الإرهاب وجرائمه، ويقف إلى جانبهم الملايير من أتباع هؤلاء الرسل”. ويظهر الاختلاف شاسعا عند مقارنة بيان قيادة البيجيدي ببلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، الذي يعبر عن الموقف الرسمي للدولة المغربية والذي أدان العمل الإرهابي بمدينة نيس ثم شجب الإساءة إلى الرسول عليه السلام “وبقدر ما تدين المملكة المغربية كل أعمال العنف الظلامية والهمجية التي تُرتكب باسم الإسلام، فإنها تشجب هذه الاستفزازات المسيئة لقدسية الدين الإسلامي”.

لعل المقارنة بين بلاغ المجلس العلمي الأعلى وبلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج وبيان قيادة البيجيدي، تفيد بأن قيادة الحزب تثمل هيئة سياسية غير مندمجة في الإطار السياسي والدستوري العام الذي يؤطر عمل الأحزاب، وغير منسجمة مع الثوابت والتوجهات الأساسية للدبلوماسية المغربية. وليست المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا التباين، بل حدث في مناسبات عديدة (ثورة الشعب المصري ضد حكم مرسي وانتخاب الرئيس السيسي، القمة الإسلامية المصغرة في العاصمة الماليزية كوالالمبور والتي أرادتها تركيا وإيران أن تكون بديلا عن منظمة التعاون الإسلامي، وفي الوقت نفسه أداة لخدمة الأطماع التوسعية لتركيا وإيران…)

4 ــ البيان يفتقر إلى الحكمة والتؤدة والتوازن ما دام ينحاز لقوى التهييج ضد الفرنسيين خصوصا وكل الشعوب المسيحية عموما، دون أدنى إشارة أو إدانة للعنف والإرهاب الذي يرتكبه المتطرفون باسم الدين الإسلامي. ذلك أن الظرفية السياسية تقتضي العمل على تخفيف أسباب التوتر وتهييج مشاعر الغضب بالدعوة إلى الحكمة والتزام التعاليم الدينية السمحة عند المسلمين (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) النساء، كما عند المسيحيين 148 (لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ) (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 21).

إن عدم رفض أعمال العنف والإرهاب التي تتم باسم الإسلام والسكوت عنها هو قبول بها وتشجيع لها. وهذا ما علقت عليه صحيفة “زونتاجس تسايتونج” السويسرية في عددها الصادر يوم الأحد 1 نونبر 2020، بالقول: “يمكن للمرء إدانة الرسومات الكاريكاتورية للرسول علناً والدعوة لمقاطعة أية منتجات فرنسية. ولكن من يفعل ذلك دون التعبير في الوقت ذاته عن التعاطف مع المعلم الفرنسي الذي تم قطع رأسه أو روّاد الكنيسة الذين قُتلوا بوحشية في نيس، فإنه يقوم ضمنياً بحماية الإرهابيين”. إن الأمر يتجاوز خلق الانطباع إلى إقناع الشعوب الغربية بخطورة “الإسلام السياسي المتطرف” الذي غدا منتشرا في بلدانها على أمنها ووحدة مجتمعاتها. وما يكرس مشاعر “الإسلاموفوبيا”، استغلال التنظيمات الإرهابية لأي حدث لتحريض عناصرها على تنفيذ الهجمات الإرهابية ضد عموم المواطنين المسالمين في أي مكان حتى وإن كان كنيسة. كما قد يتسع مجال الأعمال الإرهابية، في مناخ التهييج هذا، ليشمل عموم الدول العربية والإسلامية باستهداف السياح الأجانب أو المصالح الأجنبية، الأمر الذي ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية خطيرة.

من هنا تقتضي الحكمة عدم الانجرار وراء حملات التهييج والكراهية ومعالجة الأمور بما لا يزيد من تعقيدها إنقاذا لشباب المسلمين من أن تجرفه تيارات التطرف وتنظيمات الإرهاب، التي لم تكن يوما تعظّم حرمات الدين أو تقدس عقائد المسلمين، بل إليها تعود جرائم تفجير المساجد على مرتاديها وذبح المصلين أثناء تأدية الصلوات. هؤلاء المجرمون هم أكبر إساءة إلى الإسلام وإلى رسوله الكريم، وهم الذين أوحوا لرسامي الكاريكاتور بأن يترجموا جرائمهم الإرهابية إلى رسومات مستفزة وساخرة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Sifao
    الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 07:32

    انساق البيجيدي وراء الموقف التركي الذي ادان واستنكر الرسوم المسيئة وموقف الحكومة الفرنسية من نشرها ، ولم يشر الى جريمة فصل رأس استاذ عن جسده ، ولم تستدرك الخارجية التركية ذلك الا عندما اشارت اليه الكثير من الصحف ، ولم يستطع البيجيدي ان يستدرك هو ايضا تجنبا لتهمة "نسخ الموقف التركي"، ولن يفوت الفرصة لتهييج المشاعر الدينية وتوظيفها في الانتخابات المقبلة تحت شعار"الاسلام مستهدف"من الداخل والخارج وانه سيفعل كل شيء من اجل حمايته والدفاع عنه ، اما الموقف الرسمي للدولة والمجلس العلمي الاعلى فلا يعلم به الا المتتبعين للشأن السياسي وهم على رؤوس الاصابيع ، هكذا يقدم نفسه على انه المتحدث الحقيقي باسم الاسلام دون ان يدخل في باقي التفاصيل…

  • عبدالرحمان
    الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 12:59

    للأسف حزب العدالة المغربى مجرد فرع صغير لحزب الامام الأكبر وخليفة المسلمين السيد طيب رجب أردوغان وهو يقوم بدور المراسل والمندوب عن الخليفة وما هو إلا صدى صوت أردوغان .

  • خديجة وسام
    الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 14:09

    معالجة الأحداث بموضوعية لا تروق كل الناس. سمويل پاتي أستاذ للتاريخ بما فيه الدموي والحديث العهد. المناسبة : محاكمة مساعدي قتلةَ الرسامين قبل خمس سنوات. تاريخ قريب وملموس. قررت فرنسا تصوير المحاكمة لتحتفظ بوثيقة تاريخية ستعود لها الأجيال القادمة لتعلم أن لحرية التعبير ثمن باهض. حرية لا تمنحها السماوات بل مكافحون وشجعان صامدون منذ الثورة ضد الكاثوليك وضد النظام العتيق ليحصل الإعلام على حرية التعبير ورسم كل من لهم سلطة بشكل لاذع بما في ذلك إزدراء المقدسات وسلطتها على العقول.
    لا موسى ولا عيسى لا الحاخامات ولا البابا لا الرئيس ولا الإمبراطور لا أحد نجى من الكاريكاتور. ولا محمد سلم من سهم الأقلام. لا السلط الدينية ولا الدنوية، المتعاضدتان في كثير من الأحيان.

    لم يسبق لأي بلد إسلامي أن منح إعلامه حرية السخرية وازدراء السلطة الدينية والدنيوية. حرام، إنطلاقا من محمد وصولا إلى آل سعود والإخوان. نحن إزاء ثقافتين وهوة ساحقة ولقاء للصدام. الغلبة ستكون للقوة وللأسلحة الرادعة وليس للتعقل أو للمجادلة بالتي هي أحسن. أعتقد أن الرسم الساخر أحسن من النحر ومن جز الرؤوس ولكن بعض المسلمين لا يتفقون مع رأيي.

  • مغربي متابع
    الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 19:34

    لم يصدر أي بيان عن أي حزب مغربي فبحسب الكاتب نستنتج أن الأحزاب المغربي:
    أولا: لا تستنكر الرسوم المسيئة لأنها لم تستنكر
    ثانيا: أنها تبارك الفعل الإجرامي لأنها لم تندد به.

  • العربي العربي
    الثلاثاء 3 نونبر 2020 - 20:18

    لا احد يتكلم عن انعكاسات هذه الأحداث السلبية على المسلم البسيط و المهاجر بصفة عامة في كل ارجاء العالم وأيضا على طبيعة الإسلام كدين سلام .
    هناك قانون فيزيائي معروف "la loi de tout ou rien "
    خُلاصته : أن كل ظاهرة طبيعية في هذا الوجود تحتاج إلى عتبة محدد كي تنطلق بشكل كلي وكامل و تصبح خارجة عن السيطرة
    فالزلزال مثلا ليس إلا نتيجة ضغط مستمر بين صفيحتين أرضيتين حينما يصل هذا الضغط الى العتبة المطلوبة يحصل الزلزال
    أيضا المرض لا يحصل إلا حينما تصل نسبة الجراثيم او الفيروسات في الجسم إلى عتبة معينة ..
    نحن جزء من هذا العالم وليس الكل و إذا استمرت هذه الأحداث المتهورة اتجاه الأخر فسنصل حتما إلى العتبة التي ستجعل رد فعل باقي العالم اتجاه كل مسلم يخرج عن السيطرة

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38

تفاصيل دعم النقل