تبدو، على غير عادتك، نحيلا، وشاحبا، ومريضا. يا إلهي، ماذا حدث لك؟ أكاد أجزم بأنني أعرف ما تخفيه، أو على الأصح، ما تفصح عنه، مثل هذه الأعراض.
اجلس بجانبي، أو قبالتي. في الحالتين معا يمكنني سماعك بوضوح، فاطمئن. المقهى على مشارف المدينة هادئ ومريح، والجو في الخارج خريفي جميل، والأرض تئن نشوة وهي تردّد ملئ فيها: مطر.. مطر.. مطر. فلنجلس، كالعادة، قبالة تلك اللوحة التشكيلية الجميلة التي تحوي قولا للكاتب الأسكتلندي توماس كارليل، وقد كُتب بخط استوحاه صاحبه من النوتات الموسيقية: is well said to be the speech of angels Music
لستَ بحاجة إلى كلام كثير، لأنني أعرف الكثير من التفاصيل. ومع ذلك، لا مناص من إعادة نسج القصة من البداية حتى تكتمل الصورة وتتّضح. أعرف أن الوجود بما رحُب قد ضاق بك، وضاقت بك نفسك ضيقا، وما عدت قادرا على الصبر أو الصمت. صرتَ أنت نفسك متأكدا أنك ستنفجر لا محالة. بُومْ، هكذا.
أحاول أن أكتب عنك احتفاء بك، ومن خلالك بكل الأشخاص، رجالا ونساء، الذين يشبهونك. من الممكن أن تخيب النتيجة أفق انتظارك. بيد أنك غير مبال تماما بهذا الأمر، ولا تهمك النتيجة، أيّا كانت، في أي شيء، لأنها ببساطة تبقى غير مهمة في نهاية المطاف ما دامت لن تغير، في الواقع، أي شيء. وليكن في علمك أنني وأنا أكتب عنك، لا يمكنني إلا أن أكتب بك. كما أن المكتوب لن يكون موجها إليك وحدك، بل سيكون موجها للجميع. لذلك استعد، يا صديقي، للفضيحة.
سأُطعم لحمك لقلمي الجائع، وأجعل من دمك مدادا لكلماتي. ضحكتك الوليدة، هنا والآن، تشي بأنك لا ترى الأمور من منظور درامي فجائعي. وهذا شيء مشجع.
تقول إنك صرتَ تائها، غريبا عن نفسك، وعن الآخرين، ولا تجد عزاء ولا سلوانا، ولا تعرف راحة ولا اطمئنانا، وتعيش فراغا كأنك معلّق بين الحياة والموت. ومع ذلك، ويا للعجب، فأنت ما زلت تتحدث عن “ها” بلغة جميلة. وتصر على فعل ذلك. تقول إنه لا يمكن أبدا لامرأة مثلها أن تكون قبيحة.
هكذا تقول وتردّد بلا كلل ولا ملل. وأي شيء قبيح يمكن أن تقوله عنها اليوم، أو ستقوله عنها لاحقا، إنما هو وليد انطباعات شخصية خاصة بك، ولا تخصك إلا وحدك، ولا تعنيها هي في أي شيء. كم أنت جميل يا صديقي!
رِجْلان كأنهما من مرمر. كنتَ متأكدا أن كل واحدة منهما، في كل مرة، كانت تسابق أختها من أجل الوصول إليك سريعا. تبحث باذلا كل الجهد عن سبب يفسر لك كيف صارتا قادرتين على أن تدوسا عليك بكل هذه القسوة، وأن تُمعنا في رفسك كأنك حشرة خبيثة، وطفيلية، ومسمومة بإمكانها إلحاق أذى جسيم بالآخرين. تقول إنك ما عدت إنسانا، بل صرت تشعر، بشكل ما، وإن لسبب مغاير، قاب قوسين أو أدنى من “صرصور كافكا”. يا لروعة روح الدعابة! حافظ على هذه الروح. إياك أن تفقدها يوما. افقد كل شيء عدا هذه الروح، فهي الباب المؤدي إلى الحياة، ومفتاحها السحري.
فمٌ بشفاه عذبة كانت كل قُبلة منه تجعل الربيع يُقبل في موعده أو في غير موعده، والبساتين تُزهر باستمرار. فمٌ أضحت له، بين عشية وضحاها، أنياب شرسة. صارت الابتسامات تكشيرات مخيفة، وصارت القُبل عضا مدميا. الحيرة تولد داخلك أسئلة كثيرة لا تملك لها أنت أي جواب: متى نبتت تلك الأنياب؟ هل كانت موجودة على الدوام بينما ظللت أنت كل هذا الوقت غافلا عنها و/أو متغافلا؟ لماذا لم تنتبه إلى وجودها من قبل؟ كل ما تعرفه، وتعيشه أيضا، هو أن تلك الأنياب تزداد طولا ووحشية، وتنهش لحمك دون رحمة مثل ذئب جائع.
صوتٌ كان صوت البلابل يتشبّه به، ويحاول أن يشبهه. لم يكن كلامها مجرد كلام فحسب، وإنما كان غناء مستمرا، حتى عندما يكون موضوعه عادي ومعتاد. كان لكل كلمة إيقاع ولحن وتأثير خاص. صوت اصطادته الغربان وابتلعته فتماهى مع صوتها، وصار نعيقا حادا، ومخيفا، وكريها، ويحمل في أحشاء حروفه رائحة الموت.
يدان رطبتان، ناعمتان، مسالمتان كنت تعتقد جازما أنهما لن يقدرا أبدا على أن يؤذيا ذبابة. كانتا تداعبانك، فتغمض عينيك وتسرح في عوالم عذراء، بعيدة، مجهولة، لم يطأها من قبل إنس ولا جان. وعندما دُفِعت إلى فتح عينيك على مصراعيهما هَالَكَ ما رأيت. رأيت مخالب طويلة قد حلت محل أظافر كانت دائما مقلّمة ومصبوغة بألوان زاهية. مخالب وحش هائل، من عصور ما قبل التاريخ، أثارت الرعب في نفسك، لكن فات الأوان. ظل الوحش الأسود يسدّ كل أبواب النجاة أمامك، وأخذ، منذ وقت طويل، يتربص بك، وينتظر الوقت المناسب للانقضاض عليك، وقد حان وقت افتراسك.
ذراعان اتخذتَّهما موطنا وملجأ. افترشت أديمهما وتلحّفت به، وأنت مطمئن أنهما يسهران على حمايتك من قسوة الشتاء وحرّ الصيف. كنت تتمرّغ في “جنتك” على هوى قلبك، كيفما شئت، وكان كل شيء عظيما. مثل بركان انفجر فجأة، وتدفقت اللافا منه، وأتت على الجزيرة الجميلة، وأحرقت في طريقها كل شيء، هكذا أمست ذراعاها أرضا جرداء قاحلة. وبات بديهيا أنه حتى إذا جاء يوم، وحدثت معجزة، وعادت إليها الحياة، فإن ورودها ستظل ذابلة في مكان ما في رحمها، ولن يكن ثمة شيء آخر غير ربيع أخرس وحقل شاسع من الأشواك، التي تؤلم الجسد بقدر ما تؤلم الروح. غريب أمرك صديقي، من أين لك مثل هذه الصور؟
عينان برّاقتان وعلى امتداد نظراتهما المُشعّة يمتد الأمل، وتتغنى، على طول المسار، الحياة بالحياة. جذبك لونهما الساحر إلى الأعماق فغرقت على الرغم من أنك تحسن السباحة. كنت تظن أن مياههما صافية ومتلألئة مثل مياه الخلجان، لكنك وجدتها ضحلة وملعونة، وتحتاج النجاة منها إلى تعويذة لا تملكها، فلم يكن أمامك إلا الاستسلام لمصيرك المحتوم.
مصيرك المحتوم هو أن تحبها دائما وأبدا. ألست أنت من عاش حياته يحترف عشق النساء، وعاش يتباهى بذلك؟ تجيب عن سؤالي المستفز بسؤال مباغت: عن أي نساء تتحدث يا هذا؟ هي بالنسبة إلي مثل حواء بالنسبة إلى آدم. لا وجود لامرأة قبلها أو غيرها. بدأ التاريخ معها ومعها سيستمر. عوض أن تجعلكَ تغضب، وتثور، وتسب، وتلعن، وتذهب إلى حد وضع استراتيجيات للانتقام، كما مِن الممكن أن يفعل مَنْ هو في مثل وضعك، تُقْسم على أنك ستظل، على الدوام، تصلي من أجلها، ومن أجل سعادتها. أليست هذه سذاجة مكتملة الأركان والصفات؟ تتساءل، وتجيب: فلتكن إذن. لا يهم. لا بأس في ذلك.
لا أعرف حقيقة ماذا بوسعي أن أقول لك. لعل الصمت هو الشيء الوحيد الذي يليق بالألم الأصيل مثل ألمك. من المؤكد أنك لا تبحث عندي على حل لمشكلة أنت تعرف، أكثر من غيرك، أنها غير موجودة. فلم يكن الحب أبدا، في يوم من الأيام، مشكلة. كما أنك لست بطلا من ورق، أو شهيد حب، يريد أن يُخلّد بتمثال يوضع في ساحة عمومية. ما ترغب فيه ببساطة هو أن يُخلَد الحب ذاته، بأي شكل من الأشكال، لأنه ببساطة الأحق بالخلود. تقول مؤكدا: يمضي المحبون ويبقى الحب.
عينا النادل المتعبتان أضحتا سياطا من نار تجلدنا، حتى وإن لم تكن أنت تشعر بها، لأن سياطا أشد منها تلهب كل شيء فيك. لا شك في أنه يريدنا أن نغادر على الفور، فقد انتصف الليل، وما عاد أحد غيرنا يشغل المقهى.
أتذكر أننا عندما دخلنا إلى هنا كان المغني سوفت سيل يلطّخ الحب بأغنيته Tainted love. ردّدتَ وراءه مقطعا من الأغنية دون لحن، وأنت تهز رأسك يمينا ويسارا حزنا، وتأسفا، واستنكارا، ولسان حالك يقول: حب يتبعه مَنّ، وغير قائم على نكران الذات، هو بالضرورة حب مبتذل، وتافه، وسطحي، وعابر. بئس المشاعر التي تدفع صاحبها إلى قول مثل هذا الكلام:
Once I ran to you
Now I’ll run from you
مرّ الوقت سريعا، وترك سيل، منذ ساعات، مكانه لمغنين آخرين كثيرين، قبل أن يأتي الدور أخيرا على ميشيل ساردو. أسمعك تغني رفقته أغنيته Je vais t’aimer. يبدو أن ساردو كان يغني بمناسبة ولادة حب، حيث تكون المشاعر جياشة، والحماس على أشده، والمستحيل ممكنا، والمعجزة واقعا، والبعيد قريبا، ويكون كل شيء جميلا، لكنك تغني بعد “نهاية حب”، حيث تصرّ على أن يبقى كل شيء جميلا إلى ما بعد النهاية. وبينما نحن نغادر أخذ صوتك فجأة يعلو، وكان فضاء المقهى الفارغ يردّد صداه، وكان الليل يزيده قوة وروعة، وكان النادل يتابع المشهد مشدوها:
Je vais t’aimer comme personne n’a osé t’aimer
Je vais t’aimer comme j’aurai tellement aimé être aimé
Je vais t’aimer.. je vais t’aimer
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.