أمين معلوف و”الهويات القاتلة” أو حين تتحول الهوية إلى فهد جريح
يعد كتاب “الهويات القاتلة” للكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف من أبرز الأعمال الفكرية التي تناولت إشكالية الهوية في العالم المعاصر. فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على صدوره، ما يزال هذا الكتاب محتفظا براهنيته الفكرية وقوته التفسيرية، حتى ليخيل للقارئ أنه كتب لقراءة تحولات عالمنا الراهن. ذلك أن كثيرا من الصراعات التي يشهدها العالم اليوم ما تزال تتغذى من الانتماءات الهوياتية الضيقة، وكأن الإنسانية لم تتجاوز بعد ما وصفه معلوف بـ”الهويات القاتلة”.
ولا تنبع أهمية هذا الكتاب من عمق أطروحاته فحسب، بل أيضا من خصوصية صاحبه الذي عاش عند تقاطع أكثر من فضاء ثقافي وحضاري، جامعا بين جذوره اللبنانية وانتمائه الفرنسي. وقد أتاح له هذا الموقع المزدوج مقاربة سؤال الهوية من منظور إنساني يتجاوز منطق الانغلاق والاختزال، وينفتح على التعدد والتفاعل بين الثقافات.
ينطلق معلوف من فكرة مركزية مفادها أن الهوية ليست معطى ثابتا أو جوهرا أحاديا، بل هي بناء مركب يتشكل من تداخل عناصر متعددة ومتنوعة. فلا يوجد فرد يمكن اختزاله في انتماء واحد، لأن هوية الإنسان هي حصيلة مجموع انتماءاته وتجارب حياته وخصوصياته الثقافية والاجتماعية. فاللغة والدين والتاريخ والذاكرة والانتماء الوطني والقناعات الفكرية كلها تتفاعل فيما بينها لتشكل هوية فريدة لا تتكرر.
ومن هذا المنطلق، ينتقد الكاتب النزعة التي تختزل الإنسان في بعد واحد من أبعاده الهوياتية. فحين يُطلب من الفرد أن يعرف نفسه من خلال انتماء واحد فقط، يصبح أكثر قابلية للدخول في منطق المواجهة مع الآخرين دفاعًا عن ذلك الانتماء. وهنا تتحول الهوية من فضاء للتعدد والانفتاح إلى أداة للإقصاء والصراع، بل وقد تصبح مبررًا للعنف والتطرف.
ومن بين الصور الرمزية البليغة التي يوظفها معلوف لتوضيح موقفه من الهوية تشبيهها بالفهد. وقد يبدو هذا التشبيه غريبا للوهلة الأولى، بيد أن دلالاته عميقة ومكثفة. فالفهد حيوان قوي ومفترس قد يهاجم إذا تمت مطاردته واستفزازه، وقد يشكل خطرا أيضا إذا ترك طليقا بلا ضوابط. أما الوضع الأخطر فهو أن يُجرح ثم يترك دون علاج أو احتواء.
وبالمثل، فإن الهوية حين تتعرض للإنكار أو الإقصاء أو الاضطهاد تصبح أكثر قابلية للانغلاق والتشدد. فعندما تشعر جماعة بشرية بأن لغتها أو ثقافتها أو ذاكرتها الجماعية مهددة، فإنها تميل إلى التشبث بها بصورة أكثر حدة، وقد تتخذ ردود أفعالها أشكالًا متطرفة. والتاريخ الإنساني حافل بأمثلة أدت فيها سياسات التذويب الثقافي واللغوي إلى إنتاج هويات جريحة تحولت لاحقًا إلى مصدر للتوتر والاحتجاج والصراع.
وفي المقابل، يحذر معلوف من الوجه الآخر للمشكلة، إذ إن ترك الهويات دون تأطير ديمقراطي أو دون ثقافة تعايش قد يقود بدوره إلى التعصب ورفض الآخر. فالهوية حين تتحول إلى مرجعية مطلقة، وتختزل في انتماء واحد مغلق، تصبح أرضية خصبة للإقصاء والعنف الرمزي والمادي.
ومن هنا يدعو الكاتب اللبناني معلوف إلى مقاربة عقلانية تقوم على فهم الهويات ودراسة مكوناتها وإدراك حساسياتها وتناقضاتها ومن ثم البحث عن سبل تدبيرها، بدل التعامل معها بمنطق القمع أو التجاهل. فالسياسات القائمة على إنكار الهويات لا تؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بالظلم، كما أن التسامح مع الخطابات الهوياتية المنغلقة يفضي إلى إنتاج المزيد من التوتر والانقسام. ولهذا فإن الحل يكمن في الاعتراف والإنصاف والحوار، وفي بناء فضاءات مشتركة تسمح لمختلف الانتماءات بالتعايش داخل إطار المواطنة.
إن الرسالة الجوهرية التي يسعى أمين معلوف إلى إيصالها هي أن الهوية ليست شرا في ذاتها لانها توجد في كل المجتمعات، وليست خطرا ينبغي القضاء عليه، وإنما هي قوة إنسانية يمكن أن تكون عامل بناء أو هدم بحسب طريقة واسلوب تدبيرها. فالهويات لا تصبح قاتلة لأنها موجودة، بل لأنها تجرح أو تستغل أو تختزل في انتماء واحد.
وفي زمن تتصاعد فيه النزعات القومية والشعبوية، وتتجدد فيه الصراعات المرتبطة بالدين واللغة والعرق والانتماء الثقافي، تبدو أفكار أمين معلوف أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالعالم لم يتخلص بعد من “الهويات القاتلة”، بل إن أشكالا جديدة من الاستقطاب الهوياتي أخذت تتشكل في ظل التحولات السياسية والتكنولوجية المتسارعة.
ومن هذا المنطلق، يظل هذا الكتاب أكثر من مجرد دراسة في مفهوم الهوية، بل إنه دعوة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، وإلى بناء فهم أكثر اتساعا للانتماء الإنساني. فبين القمع والتواطؤ يقترح أمين معلوف طريقا آخرا يقوم على الاعتراف والتعدد والحوار، حتى لا تتحول الهويات الجريحة إلى فهود طليقة تهدد مستقبل العيش المشترك.
يبقى الكتاب رغم ذلك محصورا في الهوية الفردية للانسان التى قد يلفها التعدد الثقافي ولم يذكر اي شيء عن هوية الارض التي تحددها الجغرافية والتاريخ ولا يمكن ان يعتريها التعدد .
الحديث المفرط عن الهوية يعكس وجود أزمة نفسية و ثقافية دفينة و عميفة و تتكرس يوما بعد يوم حتى تحولت هذه المسألة موضوع النقاش الوحبد و الأوحد. و طبعا السبب في ذلك هو الإصرار على السباحة ضد التيار مع الرغبة في قلب عقارب الساعة و القفز على الواقع الذي يعلو و لا يعلى عليه.