في كل مرة تطل علينا مراكز أبحاث دولية بتصنيفات تهم المؤسسات الجامعية، ويندلع إثرها النقاش القديم الجديد حول مكانة الجامعات المغربية داخل هذه التصنيفات. هذا ما حدث مؤخرا مع صدور التصنيف المعروف بتصنيف شنغهاي. والحقيقة أن هذه التصنيفات تحمل نسبيتها معها، بالنظر إلى تنوع مصادرها (تصنيف تايمز، تصنيف كيو إس، تصنيف شنغهاي) واختلاف المعايير والمعطيات التي يعتمدها كل تصنيف ويأخذ بها. وهو ما ينعكس على نتائجها، فتارة نجد إحدى الجامعات المغربية تعثر لنفسها على موطئ قدم، ولو جد متأخر، داخل أحد التصنيفات، بينما لا تظفر به أي منها داخل تصنيف آخر. وتارة تتبوأ جامعة ما صدارة الترتيب الوطني في تصنيف، بينما تنتزعه جامعة وطنية أخرى في تصنيف آخر.
إلا أن ما يهمنا هنا ليس التشكيك في صدقية هذه التصنيفات، أو النبش في مصداقيتها، ولكن ما يهمنا في هذه السطور المحدودة هو التنبيه إلى حالة اللغط التي تواكب ظهور هذه التصنيفات وربطها عندنا أساسا بالمعطى اللغوي، أي إلصاق تهمة التخلف الجامعي بلغة التدريس والبحث. إن طرح الموضوع من هذه الزاوية لا يأتي بنية الدفاع عن أية شوفينية لغوية كيفما كانت، ولا عن الجهات التي تقف وراءها أو المصالح التي قد ترتبط بها، في الداخل أو في الخارج. ولكن يبدو أن ربط تصنيف جامعات بلد ما فقط بلغة أو لغات التدريس فيها قد يكون طرحا مجانبا للصواب أو حتى نقاشا مغلوطا، يحيد بنا، عن قصد أو بدونه، عن النقاش الحقيقي وعن المؤثرات الحقيقية في الفعل الأكاديمي وفي إمكانات إشعاعه.
صحيح أنه مما لا يمكن نكرانه أو تجاهله هو أن كل التصنيفات تهيمن عليها وعلى صدارتها منذ عقود جامعات الأمم الأنجلوساكسونية، وعلى رأسها جامعات ومعاهد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. إلا أنه صحيح أيضا أن نفس هذه الأمم، وبغض النظر عن الخاصية اللغوية، هي نفسها الأمم التي تحمل خاصيتين أساسيتين لا ينبغي تجاهلهما في المقابل. الخاصية الأولى هي أنها أمم يسود فيها نظام ديمقراطي ممأسس ومستدام. والخاصية الثانية هي كونها أيضا أمما تقف على قواعد اقتصادية صلبة. وهما الخاصيتان اللتان نجد لهما كل الأثر في المعيش اليومي للمواطن، من خلال سياسات عمومية وقواعد قانونية تبغي كرامة هذا الأخير أولا وأخيرا.
إن ما يعزز هذا الطرح هو أن كل التصنيفات، على اختلافها، لا تكاد تخلو مراتبها الخمسون الأولى من جامعات ومعاهد دول أخرى لا تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة للتدريس أو البحث أو التواصل الاجتماعي، بل تعتمد لغتها الوطنية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة قليلة الانتشار عالميا. وعلى هذا الأساس، تعلن عن نفسها جامعات ومعاهد من ألمانيا وفرنسا والصين وفنلندا واليابان وغيرها. وهي نفسها، (يا لها من صدفة! ) الأمم المتفوقة في الرياضات الفردية والجماعية وفي السينما والموسيقى والترفيه، وأيضا في السلوك المدني وفي مساواة الجميع أمام القانون وفي الولوج إلى المرافق العمومية. هي نفسها الأمم حيث يشغل فعل القراءة والممارسات الثقافية حيزا هاما في الزمن الإنساني.
سؤال تصنيفات مؤسسات التعليم العالي هو ليس مسألة تصنيف جامعات بل هو سؤال أكثر عمقا من ذلك بكثير لأنه يحيلنا في النهاية على تصنيف المجتمعات نفسها التي تنشط فيها تلك الجامعات. سؤال سيكون من المجحف اختزاله في “مجرد” اختيار لغوي قد تتحكم فيه، كما في تيار المطالبة بتغييره، اعتبارات وخلفيات قد لا تمت للبحث الجامعي بصلة ولا يد للجامعة فيها. عندما نفتح ملف التصنيف الجامعي قد لا نجد.. غير أنفسنا.
تصنيف الجامعات دوليا ، صحيح تتدخل فيه اعتبارات وعناصر كثيرة ، ولا يمكن حصرها في عنصر دون آخر ، كما لا يمكن الربط بين الجامعة والمجتمع عند إجراء التصنيف بالرغم من أن مكانة الجامعة والمعاهد عموماً تتضمن ولو نسبيا انتماءاتها الجغرافية والسياسية وحتى الاقتصادية ، بيد أن دقة التصنيف ، سواء ورد عند هذه المؤسسة المكلفة أو تلك وسواء كانت أنجلوساكسونية أو فرنكفونية ، يأخذ في حسبانه عناصر أساسية مثل عدد البحوث التي اضطلعت بها هذه الجامعة ، ومدى تواصلها مع المعاهد والجامعات الدولية ، وحضورها في المنتديات، وكذا المناهج والأساليب التي تتبناها في التدريس والبحوث العلمية ، وأخيرا لا آخرا إشعاعها على محيطها الاجتماعي ودورها في صناعة مجتمع المعرفة knowledge people ، ومدى استقطابها للهيئات العلمية والطلابية ، فمثلا جامعة الأخوين ذات المنحى الخصوصي لا يمكن بحال إدراجها ضمن الترتيب العام للجامعات والمعاهد ، سلمات
يمكن قبول هذا الطرح من زاوية مدى تاثير و مساهمة تلك الجامعات وبحوثها العلمية على تطوير مجتمعاتها و اقتصادها من جميع النواحي
اي ان البحوث العلمية لا تبقى في الرفوف, كما عندنا نحن, كما نقول الشفوي او النظري فقط, و ليست بحوث عملية تطبيقية ميدانية على ارض الواقع, و حتى في سوق الشغل, لا يجد حملة الشهادات العليا عملا لهذا السبب.
بالاضافة الى انها تطور نفسها بنفسها ايضا و تطور طرق و شعب التدريس, حسب متطلبات المجتمع و سوق الشغل…
كلام في الصميم، لأن العلاقة بين مستويات البحث العلمي بالجامعات لا تنفصل عن تطور المجتمعات ورفاهها، فالعلاقة بكل تأكيد علاقة جدلية,