كل الشّعوب تنطلق مما هو مسطّر لها دينا –سماويا كان أم أرضيا- لتطبقه تنزيلا له في واقعهم وسلوكهم فيصير تديّنا، والتديّن يصيب ويخطئ. ولا يصير الدين منزَّلا في واقع معتنقيه مُؤجرَأً عمليا إلا بالتّديّن فهما واستنباطا وسلوكا تطبيقيا.
وعليه فالخُطب والمواعظ من خلال انتقاء العقل لها من نصوص الدين المتعددة تعدّ تديّنا، ذلكم بأنه لا يوجد نص ديني ينص على أّن الخُطبة الفلانية ينبغي تخصيصها لليوم الفلاني أو للمناسبة الفلانية. فالتّحيين العقلي لنصوص الدين رهين بذكاء القائمين عليه؛ تحقيقا للمقاصد النبيلة في حياة الأفراد والمجتمعات، بحسب ما تقتضيه ظروف العيش الخاصة محليا والعامة عالميا. وإعمال العقل في الاستنباط التّديّني من النصوص الدينية هو المحرك لعجلة الاجتهاد والتجديد والإبداع والابتكار، فكما أوحى الله بالنص خلق لفهمه وتنزيله واقعيا العقل، كل منهما يكمّل الآخر نور العقل على نور الوحي كما في قول الله جل في علاه: (نورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النور:35].
إن ما اجْتَهَدَت بشأنه أوقافُنا الإسلامية مِن جعل خُطبة الجمعة مُوحَّدة لتُلقى نفس الخُطبة على مسامع المصلين في جميع ربوع مملكتنا المغربية، ساعيةً إلى توحيد أنظار المغاربة بما تراه يستحق الاهتمام من مُختلِف القضايا التي تندرج في أمنهم الروحي، تَفاعَل معه المغاربة في مُختلِف تجمعاتهم عن قُرب وفي تواصلهم عن بُعد، لدرجة خروج بعض الدعاة وبعض الخطباء أنفسهم مستنكرين هذا الاجتهاد، مستدلين بأدلة منها أن توحيد الخُطبة تكميم للأفواه وتوجيه لها حتى لا يصدع الخطيب بالحق، ولا يركز على الهموم والقضايا الآنية لمدينته أو قريته أو جهته التي يخطب فيها، هذا إن استثنينا انتقاد أن من المواطنين من استمع في جمعة لخطبة، استمع إليها مكررة في الجمعة التي تليها بعدما قصد مسجدا جامعا آخر صلى فيه، بحسب ما حكاه من حضر هذه النازلة.
من هنا تَجاذَبَ قضيةَ خُطبة الجمعة منهجان/تعليلان:
الأول يرى توحيد الخطبة لجميع المغاربة، وأرى لهذا المنهج ما يعضده من تطور مناهج مملكتنا المؤسسية، من قبيل توحيد ضوابط وقوانين مصالح الناس في مختلف الوزارات والمؤسسات والمصالح، في تجاوز واضح لكثير من العادات والخصوصيات التي تميز قبيلة عن أخرى وجِهَةً عن غيرها، مثال هذا علاقات الزواج والطلاق؛ فعلاقات الناس في تطور مستمر ينبغي مواكبتها بالحفظ والتطوير والتسديد. وقضية الخُطبة جزء من ضمن أجزاء التدين المتكاملة وليست هي الدين كله، والله تَعَبَّدَنا بالتقريبات في الأمور، كما نص عليه الإمام الشاطبي المالكي في كتابه “الموافقات في أصول الشريعة” حيث الموافقات المتكاملة لا المخالفات المتضاربة. ومن هنا يظهر شيئا جميلا أن تتكامل جهود جميع مكونات مجتمعنا المغربي حتى في توحيد خطبة جُمُعتنا، سعيا وراء إنضاج هذه التجربة واقتراح موضوعات روحية وحضارية تناسب اندماجنا في عالم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ لنشر قيمنا الإنسانية بدل قيم استئساد القوي اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا على باقي المستضعفين والمسحوقين.
الثاني يرى ترك اختيار موضوع الخُطبة للخطيب القريب من خصوصية جهته وعلاقات الناس من حوله فيها، فالمشاكل تتنوع منها المشترك بين جميع الجهات، ومنها الخاص بجهة دون غيرها. وأرى لهذا المنهج ما يعضده من اعتماد مملكتنا المغربية للتكامل الحاصل بين متعدِّد المجالات والروافد، في مستوى لغات المغاربة ولهجاتهم ومقاولات استثمارهم وحتى دياناتهم، وفي مستوى تعدد الكتاب المدرسي في نفس المستوى الدراسي ربطا للمدرسة بمحيطها الاقتصادي؛ إذ يُخصَّص كتابٌ ما لجهة معينة دون أخرى، ولا يناقض تَعدُّد الكتاب المدرسي وحدةَ المتعلّمين المغاربة، وقس على هذا من التكامل الحاصل في قطاعات متعددة تعود على وحدة المغاربة بالقوة لا بالهدم، ما دام الاختلاف اختلاف تنوع وتخصص لا اختلاف تناقض وتضاد.
وعليه وبما أن تجربة توحيد الخُطبة في بدايتها، أليس من الحكمة فسح المجال للخطيب بتأليف ما يراه مناسبا لجهته في خطبة الجمعة الثانية مثلا، بعدما يكون قد قرأ في الخطبة الأولى ما اقترحته أوقافنا المغربية ؟ لنجمع بين الخيرين وتدرّجاً لتوحيد الخطبة بعد تبيّن اكتمال شروطها على الأقل في ضمائر جميع الناس وقناعاتهم؟
وللتذكير فقط كنت كتبت مقالا إلكترونيا بعنوان: “استنبات العنف الديني في خطبة الجمعة” في يناير 2017، حذّرتُ فيه من مستوى خطيب جمعة كان وبالا على الخطبة بجهله لأحكام الإسلام العادية، بل كان يقلب بعض الأحكام رأسا على عقب.
صراحة أنا مع توحيد خطبة الجمعة للقضاء على كثير من المتطفلين الذين يستغلون الصلاة من اجل نشر افكارهم التخريبية وزرع الافكار التي تخلق البلبلة والفتنة في المجتمع وهذا يقع لان أغلب خطباء الجمعة ليس لهم تكوين اكاديمي تحت خطة وزارة الشؤون الاسلامية وانما أغلبهم امام مدرسين او اساتذة في مجالات متعددة وهدف كثير منهم هو خلق البوز .اولا يجب على الخطيب ان يبتعد عن الصراخ وكأن نارا شبت في المسجد وثانيا يجب على الوزارة أن تكون جميع الخطباء على مواضيع الخطبة واهدافها الاجتماعية النبيلة التي تعمل من اجل السلم الاجتماعي وليس زرع الفتنة بين الشباب وثالثا صلاة الجمعة بخطبتها وصلاتها ليست فرضا وفي العهد القريب كانت جل مساجد المملكة لا تقام فيها صلاة الجمعة وخاصة في المساجد القروية لان الفرض هو صلاة الظهر وليس صلاة الجمعة.في اعتقادي لا يعارض سياسة الدولة المغربية التي يقودها الوزير المحترم توفيق الا من له غرض في نفس يعقوب لان كثير من الخطب اصبحت سياسية اما في مساجد اوربا عامة فان الخطبة ان لم تكن سياسية يتجنبها الشباب ويجعلونها اضحوكة فيما بينهم.
أظن أن توحيد خطبة الجمعة يدخل في إطار الإصلاح الديني الذي قام به السيد الوزير أحمد التوفيق و من أهذاف ذلك تنقية و تصفية الحقل الديني من استغلال المنبر لأغراض سياسية أو تنظيمية خاصة لا تخدم المصلحة العامة, مما يخرج بالخطبة عن رسالتها الدينية و الإجتماعية
انا مع توحيد خطبة الجمعة لان أهمية خطبة الجمعة و مكانة المنبر الديني تجعلها عرضة للاستغلال السياسي او الطائفي و خلق الفتنة و نشر الكراهية و التعصب هذا يهدد الوحدة الوحدة الوطنية و السلم الاجتماعي خاصة في المجتمعات التي تتعدد فيها المكونات الثقافية او المذهبية او الفكرية و يمكن ان يتحول المنبر الى اداة لنشر الافكار المتطرفة مما يحول المسجد من مكان عبادة و التوجيه الروحي الى ساحة صراع
توحيد خطبة الجمعة أو ترسيم محتواها؟ ربما النموذج هو طقوس الكنائس يوم الأحد: قس أي كنيسة مهما كانت صغيرة سيتحدث عن المشاكل المحلية أي سيتحدث عن الأوضاع اليومية للسكان أما الحديث عن شأن الدولة فهو من إختصاص البابا وكنيسته: خطبة الجمعة محلية وقد فقدت معناها بعد أن أشرفت وزارة التوفيق عليها وأصبحت مجرد جهاز ديني في خدمة الأعتاب الشريفة، والكثير من المغاربة لم يعودا قادرين على إستحملال خطيب الجمعة وخظبته
من خاصية صلاة الجماعة هو تالف الناس والجمع بينهم لتوحيد الرؤية والقصد وبالتالي الحد من الاختلاف وخاصة الخلاف لانه هو سبب النزاعات وبالتالي اضطراب العيش المشترك.
فنجد صلاة الجماعة اليومية تؤلف بين جيران مسجد الحي فتتسع داءرة صلاة الجمعة الى الاحياء المجاورة وتاتي صلاة العيد لتخص المدينة ويكون التتويج بالحج الذي يعتبر صلاة بشعور الانتماء الى امة واحدة داخل الداءرة الاوسع الا وهي الانسانية جمعاء.
ومع ظهور وساءل التواصل الحالية اصبحت النتوءات الخبرية بين الجهات والاقاليم جد منحصرة ولتوحيد كلمة المغاربة على كلمة سواء فمن الانجع توحيد الخطبة لسد الباب على كل متربص وجاهل والحالة انها تخط بأيدي علماء لهم من الاطلاع على الشان الديني ومصلحة الوطن ما فيه خير للبلاد والعباد