حرية المعتقد والحقل الديني المغربي

حرية المعتقد والحقل الديني المغربي
السبت 9 دجنبر 2017 - 03:33

في كتابه حديث الصدور “الحقل الديني المغربي” يرى الأستاذ محمد ضريف أن المغرب عرف تحولا للحقل الديني من حقل مغلق إلى حقل مفتوح؛ أي إننا انتقلنا من الأحادية الدينية (1956 – 1979) إلى التنوع المفضي إلى تأسيس أرضية الاختلاف، وأن تكون إمارة المؤمنين من مشمولات التعدد الديني المغربي، معتبرا في السياق نفسه أن المسيحيين المغاربة يعتبرون أنفسهم من مشمولات إمارة المؤمنين التي تحمي أتباع الديانات السماوية، مضيفا أن تحديد ثوابت الهوية الدينية هو اجتهاد من خارج النص الدستوري؛ فالسلطات اليوم باتت تتعامل بنوع من المرونة مع الأقليات الدينية. كما أن فلسفة الدولة الحديثة تقتضي وجود حرية المعتقد، إذ عرف الحقل الديني في الفترة 1956 – 1979 بأنه حقل مغلق بالمغرب، و1979 – 2011 بأنه شبه مغلق حسب محمد ضريف.

ففي حوار أجرته جريدة هسبريس مع الإمام محمد ماجد علي، المدير التنفيذي لمركز أدم الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية 1، يقول فيه إن “الإسلام يكفل حرية المعتقد..”؛ لكن عندما سئل عن المسلمين الذين اختاروا دينا آخر غير دينهم مثل المسيحيين، قال: “أنا لا أتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد، أنا أتحدث عن الإسلام ولا أخوض في السياسة..”، معتبراً السؤال الذي طرحه الصحافي (محمد الراجي) سؤالا سياسياً وليس في صلب حرية المعتقد. لكن عندما ألح الصحفي بنباهته بسؤال آخر عن حرية المعتقد بشكل عام قائلاً – هل يخوًل الإسلام حرية الاختيار للمُرتدين عنه؟ قال محمد ماجد علي متهربا من الجواب إنه “سيتحدث عن الوضع في الغرب”، مع العلم أن الصحافي سأله عن الحرية في الإسلام بشكل عام.

إن تكريم الإنسان اقتضى منحه حرًية الاختيار انطلاقا من استهلال الإعلان الصادر عن مؤتمر الأقليات بالبلدان الإسلامية الذي أقيم بمراكش (يناير 2016)؛ وهذا يعني كذلك أن إعلان مراكش لا يجب أن يكون تنظيرا غير قابل للتطبيق، إذ نص على أن تكريم الإنسان اقتضى منَحه حرية اختيار مُعتقده.

لقد سبق أن قررت محكمة الاستئناف في فاس بتاريخ 13 فبراير 2014 الحكم ببراءة الشاب المغربي المسمى أحمد البلدي الذي اعتنق المسيحية، وذلك بعد أن سبق وأدانته ابتدائية تاونات بسنتين ونصف حبسا نافذا وغرامة مالية محددة في 500 درهم. وينحدر هذا الشاب من منطقة عين عائشة نواحي تاونات، وهو الذي اختار بمحض إرادته العقيدة التبشيرية المسيحية كمصدر لخلاصه كالعديد من المغاربة والمغربيات اليوم.

تروي فصول هذه المحاكمة بدورها عجز القضاء المغربي عن توضيح الحد الفاصل بين التهمة التقليدية الجاهزة وهي “زعزعة عقيدة مسلم”، وبين شخص اختار تغيير دينه دون أن يمس في ذلك مفهوم الأمن الروحي للمغاربة. هذا ما يفسر الحكم لصالح الشاب المغربي الذي انبرى ثلة من الحقوقيين للدفاع عنه على أساس أن قضيته متعلقة بانتهاك واضح لـ”حرية المعتقد” التي تكفلها المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

وفي الصدد نفسه فقد سبق أن علق أحمد الريسوني، الفقيه المقاصدي كما ينادونه، بخصوص حرية العقيدة في المغرب، قائلاً: “لا ينبغي أن نمنع التبشير المسيحي ما دامت الدول المسيحية تسمح للمسلمين بممارسة التبشير الإسلامي، والبقاء للأصلح عند تعادل الفرص”. بل إن الريسوني عبر عن معارضته لتطبيق حد الردة، لما قال إن “الردة إن كانت مجردة فصاحبها أمره إلى الله واليوم الآخر..”.

فكتاب الباحث محمد ضريف يسائل ما نشرته يومية أخبار اليوم في أبريل 2013، ومفاده أن المجلس الأعلى للعلماء – وهو هيئة تمثل الإسلام الرسمي في المغرب – أصدر “فتوى” فقهية تجيز “قتل المرتد عن الإسلام”. وحسب ما نشرته “أخبار اليوم” فإن مضمون الفتوى يقول: “ويعتبر كونه مسلما بالأصالة من حيث انتسابه إلى والدين مسلمين أو أب مسلم التزاما تعاقديا واجتماعياً مع الأمة، فلا يسمح له شرع الإسلام بعد ذلك بالخروج عن دينه وتعاقده الاجتماعي، ولا يقبله منه بحال”. وتضيف الفتوى: “ويعتبر خروجه منه ارتدادا عن الإسلام وكفرا به، تترتب عليه أحكام شرعية خاصة، ويقتضي دعوته للرجوع إلى دينه والثبات عليه، وإلا حبط عمله الصالح، وخسر الدنيا والآخرة، ووجبت إقامة الحد عليه”. وتختم الفتوى بالقول: “ولا يجوز الخروج عن هذه الأحكام الشرعية أبداً بشيء من التفسير والتأويل البعيد تحت أي ذريعة، ولا الخروج عنها ولو قيد أنملة بشيء من الرأي والنظر المخالف لأحكامها المقررة فصيلة أو المعلومة من الدين بالضرورة عند المسلمين”.

وأثار نشر هذه الفتوى في أبريل 2013، رغم أن تاريخ صدورها يعود إلى أبريل 2012، في إطار استشارة من أجل إعداد تقرير رسمي، جدلاً واسعاً في المغرب. وقالت وسائل إعلام مغربية إن هذه الفتوى جاءت استجابة لطلب من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بعد توصلها بطلب من المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان حول موقف الإسلام من حرية العقيدة؛ وذلك في إطار تحضير التقرير الدوري السادس لأعمال العهد الدولي الخاص بحقوق المدنية والسياسية.

وفي تصريح لوكالة الأنباء الرسمية نفى المحجوب الهيبة، المندوب الوزاري لحقوق الإنسان، نفياً قاطعاً، ما نشرته يومية أخبار اليوم وباقي الصحف الوطنية، إذ قال إن المؤسسة التي يرأسها “لم تطلب يوماً مثل هذه الاستشارة أو الفتوى”. وأكد الهيبة في اتصال مع “فرانس برس” أن “ما نشر في وثيقة المجلس العلمي الأعلى لا علاقة له بإدارتنا، ولا يلزمنا في شيء”، مضيفاً: “ليس من حقنا التوجه إلى المجلس لطلب فتوى منه، وليس من حقي التعليق على ما يصدر من مؤسسة دستورية كهذه”.

من جهتها لم ترغب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي قالت الصحف إن طلب “الفتوى” أو “الرأي الفقهي” مر عن طريقها، في التعليق على الموضوع. ويعتبر المجلس العلمي الأعلى في المغرب المؤسسة الرسمية الدينية الوحيدة التي تملك الحق في إصدار الفتاوى. ولكن رغم ذلك تصدر فتاوى من فقهاء خارج هذه المؤسسة تثير بدورها الكثير من الجدل.

لقد عرف مجلس النواب يوم 6 ماي 2013 تقدم كل من الفريق الاشتراكي وفريق الأصالة والمعاصرة بسؤالين شفويين إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد توفيق حول ملابسات فتوى المجلس العلمي الأعلى في حكم المرتد، وكان جواب السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية كما يلي: “حيث إن الفتوى موضوع السؤالين قد صدرت عن المؤسسة العلمية، أي المجلس العلمي الأعلى، فإن خير سبيل للإجابة عن التساؤلات المطروحة هو الكلام عن منطلقات عمل هذه المؤسسة ومنهجية اشتغالها، وبهذا الصدد أذكر العناصر الآتية:

1 – إن المؤسسة العلمية أولى من يعلم بأن مسألة حرية التدين مسألة قطعية في الإسلام بالاستناد إلى القرآن الكريم في مثل قوله تعالى “لا إكراه في الدين” (البقرة 255)، ومثل قوله تعالى لرسوله الكريم “لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين” (الشعراء 2)، ومثل قوله تعالى “إن تكفروا فإن الله غني عنكم” (الزمر 8).

2 – إن المؤسسة العلمية أولى من يعلم بأن الحديث الشريف الذي قد يُستند إليه في إقامة حد القتل على المرتد فيه خلاف بين العلماء، ولا يمكن بأي حال أن يتناقض مع مبدأ الحرية المقطوع به في مثل الآيات المذكورة.

3 – إن الرأي الذي طلبته وزارة العدل سنة 2009 وأعطي فحوى الجواب عنه للمؤسسة الحقوقية الرسمية سنة 2012 قد أعطي على أساس أنه رأي ولم يعنون بفتوى، وقد نشر في الكتاب الصادر عن المجلس في نفس السنة..” (2). هذا هو الجواب عن سؤال الفريق الاشتراكي حول فتوى المرتد، وسؤال فريق الأصالة والمعاصرة عن “ملابسات فتوى المجلس العلمي الأعلى في حكم المرتد”. لكن يعتو هذا الجواب غموض في الفقرة الثالثة، إذ يصنف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية هذه الفتوى في نطاق “الرأي”، لكنه لم يوضح لنا ما هو مبرر أن يكون هناك رأي لهذه المؤسسة الدستورية في هذا الأمر؟ وهل ما تصدره هاته المؤسسة مجرد آراء غير ملزمة أم فتاوى على المقاس وعند الطلب من جهات معلومة؟؟ فالفتوى الرأي ليست سوى لبوس من الصناعة المخزنية في وقت الضيق.

لقد أحسن أحمد توفيق عند كلامه عن أن حرية التدين مسألة قطعية، لكنه أيضاً لم يعترف بأن مثل هذه الفتوى الرأي ليس لها مكان في دستور (2011)، فقد تبرأت منها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (3).

المراجع:

1 – https://www.hespress.com/interviews/370094.html

2 – جريدة الصباح / العدد 4755 ليوم الجمعة 31 / 07 / 2015

3 – www.habous.gov.ma الاثنين 6 مارس 2013

* ناشط حقوقي، وعضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • tomtom
    السبت 9 دجنبر 2017 - 12:23

    الصليبي هو الغبي في هذا العالم من يقول 1+1+1=1

  • ahmed
    السبت 9 دجنبر 2017 - 12:54

    الى tomtom 1
    الغبي هو من يؤمن بحمار يطير … كفاكم سطحية في النقاش كل دين له مسلماته الغيبية .. كان الاجدر ان تناقش ما اتى صاحب المقال من افكار و تحاول مناقشتها و مقارعة الحجة بالحجة …

  • جون بول سارتر
    السبت 9 دجنبر 2017 - 15:59

    وأنا تلميذ في البكالوريا
    قال لنا استاذ الفلسفة كلمة لا تزال في ذهني
    قال أن سارتر ذات محاضرة
    قال لطلبته: فكروا، ولو مرة واحدة في حياتكم.
    أنا الآن ملتزم بالدين
    ولا أزال أتذكر كلمته وأعمل بها وأنصح بها
    فهي حكمة
    والحكمة قد تاتي من أيها الناس
    وسارتر اصاب نقطة حساسة جدا
    فالكل يعتقد أنه يفكر بل وفعليا هو يفكر صحيح
    ولكن ليس ذلك التفكير
    الذي يعنيه سارتر
    وحين نتأمل نهاية سارتر نعلم جيدا أنه فكر
    ولكن مرة أخرى وصل إلى نصف الطريق فقط
    فهو قد فكر بالفعل وكان نتاج تفكيره
    أن همهم على فراش الموت: استدعوا لي راهب
    ما جعل رفيقة دربه تسعق وتستنكر وباقي رفاق
    "الضلال مودة بينهم".
    ولو كان أتم تفكيره لكان وصل الحق المبين
    ولكن وقع فيما يقع في الجميع إلا من رحم ربك:
    تفكير في شرنقة معتقدات واعتبارات ومصالح ومودة بين خلان
    وهلم شهوات وشبهات وتخيلات
    أما لو أن الإنسان استعمل عقله كما ينبغي
    وفكر موضوعيا ومنطقيا وبمعزل عن تلكم المؤثرات جمعاء
    فإنه سيبدأ يمحص الفرضيات يبقي الصحيح وينفض السقيم
    ويبدأ من أولها: هناك خالق- ليس هناك خالق
    الأديان كلها صحيحة-كلها باطلة- أحدها صحيح والباقي باطل
    وهكذا
    the proviso
    قلب سليم.

  • من شاء فليكفر
    السبت 9 دجنبر 2017 - 20:33

    أتحدى أيا كان أن يأتيني بنص صريح من القران على قتل المرتد ان هي الا مغالات تجار الدين حتى قال القرضاوي في احدى خرجاته لولا حد الردة ما بقي الاسلام في اشارة الى حروب الردة التي خاضها ابو بكر ضد مانعي الزكاة على اعتبارها انها كانت للرسول حيث قال والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطوه للرسول لحاربتهم عليه متناسيا او متجاهلا الاشارة الى أن عمر عارض هذه الحرب وان كان مجبرا على خوضها امثتالا لخليفة المسلمين .

  • درءا للأسوأ
    السبت 9 دجنبر 2017 - 20:39

    لا احد وصي على مشاعرك ومعتقداتك اعبد حجرا ولكن لاتجاهر ماذا ستستفيد لاشيء فالمغاربة يتعايشون مع اللصوص والزناة والمرتشين ولكنهم لايقبلون من يجحد محمد وعليه وحتى تنجوا من غضب الجموع فاحتفظ بمعتقدك لنفسك .

  • billet ,paradis
    الأحد 10 دجنبر 2017 - 11:15

    l'église française a organisé une cérémonie d'adieu à johnny décédé,une cérémonie grandiose,dans la maison de Dieu,c'est qui Dieu pour l'église,et comme je suis idiot je dis bien que johnny a été le dieu de l'église,
    des milliers de sdf ,personnes des rues,mourant de faim et de froid,sans abris,délaissés,
    le riche johnny est devenu le dieu de l'église,où est le christ devant johnny,rien de rien,
    au moyen âge l'église vendait des billets pour aller au paradis pour les idiots,aujourd'hui l'église a un Dieu JOHNNY

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط