حمل كاذب..و" بيد الله "..

حمل كاذب..و" بيد الله "..
السبت 23 ماي 2009 - 17:52

طلية حياتي صوتت مرتين:


المرة الأولى في استفتاء على تعديل الدستور، وبـ”نعم” طبعاً، لأنني يومها كنت مسجلاً ضمن اللوائح الانتخابية للقرية التي ولدت بها، وكان مكتب التصويت يقع في مواجهة منزلنا، علما أن القرية كلها كانت قد صوتت في الساعة الأولى لبدء “الاستشارة الشعبية”..


يومها لم ير القائمون على المكتب ضرورة لوضع مخبإ، ولا حتى وضع بطاقات “لا” رهن إشارة المقترعين، لأن استفتاءات ذاك الزمان كانت تعتبر وجود بطاقة واحدة من هذا النوع في صندوق انتخابي علامة على “عصيان” المخزن..


وتفاديا للنظرات المعبرة لسكان القرية المرابطين بباب المكتب متحلقين حول براريد الشاي في انتظار وصول موعد إعلان النتيجة: نسبة المشاركة 100في المائة..والموافقون..100 في المائة أيضاً..وحتى لا أكون “الشيطان” الذي فارق الجماعة فقد “صوتت”..


ومما زاد الأمر تعقيداً يومها أن رجل السلطة بالمنطقة زار القرية يوماً قبل ذلك وحذر السكان من أن يسجل عليهم أنهم لم يحققوا النتيجة الكاملة لأن كل قرى الناحية تعاهدت على ألا تسقط “لا” واحدة في الصناديق على مستوى الجماعة القروية..وألا يتخلف لا الأحياء ولا الأموات عن التصويت خاصة وأن المعارضة يومها كانت قد دعت إلى المقاطعة..


شباب آخرون غيري كانوا قد قرروا عدم التصويت، لكن أولياء أمورهم صوتوا نيابة عنهم، لأنه في تلك الأيام كان يسمح بالتصويت بالجملة اعتماداً على الحالة المدنية وليس بطاقة الناخب..


أما المرة الثانية فكانت في المدينة التي نشأت بها، حيث طرق بابي أحد الجيران كان قد ترشح لاستحقاقات جماعية، وإلى حق الجوار، فقد كان أيضاً زميلاً لوالدي الراحل في مجال التعليم..وحتى تكتمل “الورطة” فقد كلف ابنه بتمثيله في مكتب التصويت ولم يكن ابنه ذاك سوى جار وزميل في الجامعة..فصوتت للمرة الثانية..ولازلت أستغفر الله العظيم من ذلك الذنب العظيم..


لندع إذن شعارات المواطنة والمشاركة والحقوق المدنية، ولنبحر قليلا في الواقع.


من منطلق شخصي عاهدت نفسي ألا أصوت لأحد، حتى لو كان في قوة وأمانة النبي يوسف عليه السلام، لأن مجرد التصويت هو تزكية لوضع عام فاسد.


فأنا على يقين أنه حتى لو تحركت جحافل الناخبين وتجاوز الإقبال 70 أو 80 في المائة، فإن ذلك لن يؤدي سوى إلى فوز نفس الوجوه المشبوهة، وإن بكلفة أكبر، وفق مبدإ “العرض والطلب” الذي يحكم أسواق الانتخابات أيضاً.


ومما قوى لدي قناعة الامتناع عن التصويت، ما توجت به عشر سنوات من “الانتقال الديموقراطي”.


فعوض أن يستيقظ مغاربة “العهد الجديد” ليجدوا أنفسهم وقد وضعوا قدما واحدة على الأقل في نادي الدول الديموقراطية، اكتشفوا أنهم كانوا مثل الذي ظل يسير في الضباب في حلقات دائرية، وعندما اتضحت الرؤية اكتشف أنه عاد إلى ما قبل البداية.


لا أظن أن مواطنا مهما كان حريصاً على “أداء الواجب الوطني”، يمكن أن تتبقى له شهية للتصويت وهو يرى كل هذا العبث، بل وهذا التهريج الذي يكشف مرة أخرى أننا نسير في الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ.


وهنا أتوقف في عجالة عند السجال الذي دار حول ما أصبح يعرف بـ”تفعيل الفصل الخامس من قانون الأحزاب”.


في الواقع قرأت هذه المادة مرات ومرات، ومن كل الزوايا، وباستعمال كل أساليب البلاغة والفصاحة والبيان والكناية والتورية والمجاز، بل قرأتها من اليسار إلى اليمين، فلم أجدد نهائياً أي مخرج لغوي يمكن أن يبرر دعوى “التأويل المغرض” كما جاء في البيان المعلوم.


لكن حين تكون في المغرب عليك أن تتوقع كل شيء وأي شيء، بما في ذلك الشطحات التي لا يمكن أن يسلم بها حتى عقل طفولي لم يبلغ مرحلة النضج.


فنحن البلد الوحيد الذي تقرر فيه السلطة التنفيذية “تفعيل” -وليس تطبيق نص قانوني- وتقوم بذلك على طريقة أعراس الأحياء الشعبية، أي بإحداث أكبر قدر من الضجيج، مع أن القانون هو المظهر الأساسي- إن لم يكن الوحيد- الذي يثبت وجود الدولة.


واستعمال لفظ “التفعيل” في حد ذاته هو إهانة لهذا القانون، لأنها تحيل على معنى في غاية الخطورة مؤداه أن النص موجود، ومر من كل المراحل المنصوص عليها، ونشر بالجريدة الرسمية، لكنه مركون لا “يفعل” إلا بشكل مناسباتي وانتقائي.


هذه واحد، أما الثانية فتتمثل في المبرر الذي ساقه الرافضون لتفعيل المادة الخامسة المشار إليها عبر اعتبارها غير “دستورية”؟


لو طرح هذا الموضوع في شكل سؤال على طلبة السنة الأولى بكليات الحقوق لسخروا من صاحب هذا “الاجتهاد”، ولاتهموه بالجهل المركب.


فصدور القوانين وفق المسطرة المحددة، يكسبها صفة الإلزام بغض النظر عن الانتقادات التي قد توجه لها. أما الطعن بعدم دستوريتها، فلا يمكن أن يتم إلا وفق إجراءات معينة ومحددة، والجهة الوحيدة المخولة بالفصل في الموضوع هي المجلس الدستوري.


لكن في المغرب كل شيء ممكن، ولهذا نحن أمام مدرسة قانونية جديدة قائمة على رفض الانصياع للقوانين الجاري بها العمل إذا كانت لا تخدم مصلحة هذا الطرف أو ذاك، في لحظة معينة، بدعوى أنها “غير دستورية”..و”تحيا” دولة المؤسسات..


هذا التسلسل يقودنا إلى ما هو أخطر.


فمطالبة الداخلية بعدم إعمال نص قانوني صريح، يعني مباشرة أن قرارات القضاء المختص “سياسية” وليست “قانونية”.


ولتوضيح الصورة لنفترض أن برلمانيا من الرحل غير انتماءه السياسي خلال فترة انتدابه، وترشح بألوان حزب آخر ونجح فعلا.


من المؤكد أن هذه الحيثياث تشكل أرضية قانونية مناسبة للطعن في النتيجة.


ومنطقياً فإن أية هيئة قضائية لا يمكنها أنة تقفز على المادة الخامسة المشار إليها، لأن الأمور في غاية الوضوح، اللهم إلا إذا كانت بعض الأحزاب المغربية غير مشمولة بنصوص قانون الأحزاب المغربي.


ومن هنا فإن الذين يرفضون تطبيق هذه المادة كإجراء وقائي قبلي متأكدون من القضاء لن يعيد الأمور إلى نصابها.


إذا لم يكن الأمر كذلك فلم كل هذا العناء إذا كان الإلغاء سيطال كل النتائج التي ينطبق عليها هذا المعيار؟


هذا هو الجز الخطير في المسألة الذي غاب عن كثير ممن انشغلوا بحرب البلاغات والبيانات، أي اليقين التام من عجز القضاء عن فرض سلطة القانون في النهاية، ولذلك تضاعفت المخاوف لدى “الرحل” من قيام الإدارة الترابية بما يمليه عليها القانون، لأن “القضاء حالو ساهل”في نظرهم.


من جانب آخر أشعر بنوع من الشفقة اتجاه بعض الزملاء الذين يبذلون جهوداً مضاعفة لمحاولة إعطاء ما يحدث صبغة “صراع الجبابرة” أي تقديم هذه المناوشات كما لو كانت معارك تكتيكية تدور بين من لهم قدم راسخ في فنون الاستراتيجية السياسية، بينما نحن في الواقع أمام مشاهد لألعاب طفولية حيث يفرض الأقوى أو”صاحب الكرة” قوانينه حتى لو كانت تعارض تشريعات “الفيفا”.


لقد أعجبتني كثيراً فكرة التهديد بالاستقالة الجماعية، وليت الأمور وصلت إلى “باب الدار”.


فإذا صدقت العزيمة إلى النهاية، فإن المؤسسة التشريعية كانت ستحقق إنجازا تاريخيا لأنها كانت ستتخلص بجرة قلم من كل “الرحل” وبضربة واحدة، وهو ما عجزت عن تحقيقه كل “الضمانات” التي رافقت الاستحقاقات الانتخابية في الماضي والحاضر.


وإذا اتضح أن الأمر مجرد “حمل كاذب” وتسلل “الرحل” من شقوق البيت الجديد من أجل العودة إلى “بيت الطاعة” القديم، فالأكيد أننا سنكون قد انتهينا من كذبة بدأت كبيرة جداً..وصدقها حتى من كانوا وراء اختراعها.


* سكريتير تحرير أسبوعية أصداء

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • فاتنة
    السبت 23 ماي 2009 - 17:56

    هذا هو الحمق السياسي, واستغباء الشعب المغربي…يا ليت فقهاء القانون الدستوري يجدو لنا تسميات لهذه النظريات السياسية التي تخرج من جعبة التجربة المغربية, واتمنى ان يصدر تقرير للامم المتحدة او الدول الصديقة او حتى العدوة او اي مرصد من المراصد…او اي مختبر يحلل ويشخص الحالة المغربية…و ان يجدو لنا مصلا او لقاحا يشفينا من تبعات هذه الحالة…ويوقظنا من سباتنا العميق…ويخلصنا من هذه الكائنات السياسية العفنة والمقززة…اتساءل عن من ينجدنا واطلب من المؤسسة الملكية ان تاتي بمبادرة وطنية للتنمية السياسية و الفكرية الضميرية و الاخلاقية السياسية …يجب ان تكون هناك حركة -كفاية- بالمفهوم المغربي باركة……………

  • baydawi
    السبت 23 ماي 2009 - 17:54

    فعلا إدا كنت في المغرب لا تتغرب وأقول لا حول ولا قوة إلا بالله ولعن الله الإنتخابات .

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي

صوت وصورة
متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 00:40 1

متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس

صوت وصورة
ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:52

ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر

صوت وصورة
"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:45

"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 7

حنان والإصرار على النجاح