خطوط التماس ومناطق النفوذ ومستقبل الأمن الجماعي

خطوط التماس ومناطق النفوذ ومستقبل الأمن الجماعي
الأربعاء 5 أكتوبر 2022 - 17:45

قام النظام الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية على نظرية الأمن الجماعي كأساس للمحافظة على السلام والأمن الدوليين ومنع نشوب الحرب، وتعني تلك النظرية ببساطة ضمان الأمن لجميع الدول، ولهذا الغرض أنشئت منظمة الأمم المتحدة، ونص ميثاقها على مبادئ من بينها المساواة في السيادة بين الدول والاحترام المتبادل، وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقد أوكل الميثاق لمجلس الأمن مسؤولية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، لكن هذا الجهاز يصبح عاجزا عن القيام بوظيفته كلما كان هناك انقسام بين أعضائه الدائمين المتمتعين بحق النقض “الفيتو”. والوقع أن مجلس الأمن فشل في منع أي حرب يكون أحد أطرافها دولة من الدول دائمة العضوية سواء بشكل مباشر أو عبر الوكالة.

اليوم ومع عودة التنافس بين القوى الكبرى، يطرح التساؤل مجددا حول مصير النظام الدولي الحالي، وإلى أي حد يمكن لهذا النظام ضمان الأمن الجماعي؟ لا سيما في ظل وجود خطوط تماس بين تلك القوى في عدة أماكن حول العالم، بما في ذلك في أوروبا وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، الأمر الذي ينذر بإشعال فتيل الحرب الكبرى أكثر من أي وقت مضى، ما لم تفلح الجهود الدبلوماسية في تفاديها، أو يقف الردع النووي حائلا دون اندلاعها.

ففي أوروبا، يمكن الحديث عن منطقة تماس أوروبية، تتجلى خطورتها في الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا، والتي أسفرت عن تداعيات عالمية مباشرة من بينها ارتفاع كبير لأسعار الطاقة والمواد الغذائية. حرب يتوقع أن تكون ممتدة، بعد رد الفعل الغربي بفرض عقوبات واسعة النطاق على روسيا، وتقديم دعم سياسي وعسكري لأوكرانيا، وقيام حلف الناتو بتعزيز نفوذه في أوروبا الشرقية، كما طلبت كل من السويد وفنلندا وأوكرانيا الانضمام للحلف، الأمر الذي تراه روسيا مصدر تهديد لأمنها القومي، وبذلك يتشكل خط تماس بين روسيا والغرب ممتد من بحر البلطيق شمالا إلى البحر الأسود جنوبا.

وفي آسيا، ينذر الوضع في منطقة بحر الصين الجنوبي وجزيرة تايوان بمواجهة محتملة مباشرة أو غير مباشرة بين القوى الكبرى. الصين ترى في بحر الصيني الجنوبي مجالها الحيوي وتؤكد على مبدأ التشارك مع دول جنوب شرق آسيا المطلة عليه، من خلال مدونة سلوك متفق عليها في هذا الشأن Code of Contact. وفي المقابل تؤكد الولايات المتحدة وحلفاؤها على حرية الملاحة والطيران فوق بحر الصين الجنوبي، وأن تحل أي نزاعات بشأنه من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار “UNCLOS”. وتنظر بكين بعين الريبة إلى مرور حاملات الطائرات والسفن العسكرية الغربية من تلك المنطقة بشكل دوري، وتعتبر ذلك استفزازا لها واستعراضا مرفوضا للقوة يزيد من حدة التوتر في المنطقة. أما في ما يتعلق بقضية تايوان فتعتبر الصين هذه الجزيرة جزءا لا يتجزأ منها، ولن تسمح أبدا بفصلها عنها، وأنه لا توجد إلا صين واحدة في العالم. وفي المقابل تحظى تايوان بدعم من أمريكا، وهو ما ترفضه الصين باعتباره يضر بسيادتها ومصالحها الأمنية، ويعرض السلام والاستقرار في مضيق تايوان للخطر. ومن هنا فإن من شأن أي حادث أو خطأ في التقدير أن يؤدي إلى إشعال فتيل نزاع مسلح، لذلك يظل الحوار بين القوتين الكبيرتين أمرا مطلوبا لتخفيض حدة التصعيد ومنع الانزلاق إلى الحرب في تلك المنطقة.

والملاحظ أن خط التماس الآسيوي قد يمتد ليشمل نطاقا أوسع عبر منطقة المحيطين الهندي والهادي، خاصة بعد تشكيل التحالف الأمني الرباعي “QUAD” والذي يضم كلا من أمريكا واليابان وأستراليا والهند، وكذلك بعد التوقيع على اتفاق أوكوس بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، مما أثار قلق الصين التي تعمل على تعزيز علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا، ومع دول جزر المحيط الهادي، وفي هذا الإطار قامت الصين بتوقيع اتفاق (وصف بالأمني) في أبريل 2022 مع دولة جزر سليمان الواقعة في جنوب المحيط الهادي، كما عقدت في مايو 2022 اجتماعا وزاريا مع مجموعة دول جزر الباسيفيك مجتمعة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أستراليا والغرب.

أما في إفريقيا التي يشتد التنافس حولها بين القوى الكبرى، فيمكن الحديث عن كل من منطقة القرن الإفريقي، ومنطقة الساحل والصحراء. القرن الإفريقي يحظى بأهمية استراتيجية، إنه البوابة الشرقية للقارة، ويطل على أهم شريان للملاحة العالمية ألا وهو البحر الأحمر، وبالتالي فإن القوى الكبرى تحتاج، لتعزيز نفوذها في إفريقيا إلى تواجد فعال في تلك المنطقة، من هنا سعت كل من أمريكا والصين إلى بناء قاعدة عسكرية / لوجستية في جيبوتي، وعينت مبعوثا خاصا لها إلى القرن الإفريقي. من جهة أخرى يطل القرن الإفريقي على المحيط الهندي وبطبيعة الحال فهو جزء من مبادرة الأندو-باسيفيك (الأمريكية)، وبالتالي سيكون محطة تجاذب بين هذه المبادرة ومبادرة الحزام والطريق (الصينية) في جزئها الإفريقي، ومن هذا المنطلق ربما عمدت الصين إلى طرح المبادرة الصينية الجديدة للقرن الإفريقي في بداية العام الجاري والتي تركز على ثلاثة محاور هي: الأمن والتنمية والحوكمة.. وأتبعت ذلك بعقد أول مؤتمر للسلام والأمن مع دول المنطقة في يوليوز 2022.

منطقة الساحل والصحراء يمكن اعتبارها نقطة تماس محتملة في ظل هشاشة الوضع الأمني بها، وبحكم تواجد القوات العسكرية الغربية في دول الساحل، وأيضا وجود قوات فاغنر الخاصة الروسية في بعض دول المنطقة مثل إفريقيا الوسطى ومالي. وكما هو معلوم فقد طلبت حكومة مالي من القوات الفرنسية الانسحاب من البلاد، في الوقت الذي أبرمت فيه اتفاقا مع شركة فاغنر الروسية لتدريب الجيش المالي على مواجهة الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يعد مؤشرا على تراجع النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، ويتساءل محللون: هل يعد ذلك مقدمة لانضواء جمهورية مالي تحت المظلة الروسية، في ظل تمدد النفوذ الروسي إلى غرب إفريقيا، ويجعل المنطقة مرشحة للتنافس الغربي الروسي، وماذا قد ينجم عن ذلك من تداعيات على دول الجوار ومن بينها الدول المغاربية؟

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط والخليج، فيمكن اعتباره محط أطماع وتنافس دائم بين القوى الخارجية، بحكم موقعه الاستراتيجي الحيوي الذي يطل على أهم المضائق والممرات البحرية الدولية، وبما يزخر به من ثروات هائلة جعت منه أحد أهم مصادر النفط والغاز على مستوى العالم، وعطفا كذلك على التعقيدات الأمنية في هذه المنطقة، ومسألة الانتشار النووي والقضية النووية الإيرانية. من هنا تظل منطقة الشرق الأوسط مرشحة دائما لأن تكون في خضم التنافس بين القوى الكبرى، وأن تتأثر سلبا أو إيجابا بتداعيات الأزمات الساخنة في مناطق أخرى حول العالم.

السؤال المطروح هو حول مدى الترابط المحتمل بين الأزمات القائمة أو بؤر التوتر في أحد خطوط التماس المشار إليها أعلاه وباقي مناطق النفوذ الأخرى المتنافس عليها، فما مدى تأثير الحرب في أوكرانيا على خط التماس الشرق الأوسطي، خاصة في ظل وجود تدخلات قوات من جنسيات مختلفة على الأرض السورية، وإلى أي حد ستؤثر تلك الحرب على مسار الاتفاق النووي الإيراني؟ وهل سوف يثير الموقف الغربي تجاه الأزمة الأوكرانية ردة فعل من طرف روسيا ضد الوجود الغربي في وسط وغرب إفريقيا؟ وهل سيشجع ما يجري في أوكرانيا الصين على التحرك لاستعادة تايوان بالقوة؟

يرى بعض المحللين أن الصين تشعر بثقة أكبر في تحدي النفود الغربي في شرق آسيا ومنطقة الباسيفيك، وربما يمتد ذلك إلى مناطق أبعد كالشرق الأوسط وإفريقيا. والمتوقع أن الصين لن تبقى بعيدة عن مجريات الأزمات في حال تأثرت سلبا مصالحها الاقتصادية الكبيرة في المناطق المذكورة، في ظل التشابك الكبير في العلاقات بينها وبين دول العالم اقتصاديا وتجاريا.

في ظل هذه التوترات الجيوسياسية وغيرها من التهديدات التقليدية وغير التقليدية للأمن، تزداد حالة عدم اليقين التي يمر منها العالم، ويبدي الخبراء نظرة متشائمة حول مستقبل الأمن الجماعي الدولي، وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى ما وصفه تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن خلال العام الجاري بـ “العجز الجماعي” بسبب عدم التمكن من مواجهة التحديات الكبيرة في العالم رغم توفر كل المصادر والاستراتيجيات والوسائل للتغلب عليها. وفي هذا الصدد قال رئيس المؤتمر: “لا أستطيع أن أتذكر أننا شهدنا مثل هذه التطورات الحرجة متعددة الأبعاد”، في إشارة إلى الأزمة الأوكرانية؛ وقضية إيران؛ وطريقة التعامل الغربي مع الصين؛ وبنية النظام الأمني الأطلسي؛ والعلاقات بين الدول الكبرى.

من هنا يمكن القول إن النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية قد أوشك على نهايته، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم حاليا، وحالة الانقسام العميق بين القوى الكبرى، وتنامي ظاهرة الاستقطاب الدولي، وأن نظرية الأمن الجماعي لم تعد على الأرجح كافية كأساس لضمان الأمن والسلم الدوليين، لا سيما بعد عودة الحرب إلى القارة الأوروبية التي كانت منطلقا للحربين العالميتين الأولى والثانية. ويرى مراقبون أن عالم ما بعد جائحة كورونا وحرب أوكرانيا لن يكون كما قبلهما، وأن الأحداث الجارية تعد مؤشرا على إرهاصات نظام دولي جديد، فما هي ملامح هذا النظام، وما مصير منظمة الأمم المتحدة؟ وكيف ستتحدد العلاقة بين الدول الكبرى؟ ثم كيف سيؤثر كل ذلك على وضع ومستقبل الدول النامية والفقيرة؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 2

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات