رهانات طلابية في ظل تداعيات جائحة كوفيد-19

رهانات طلابية في ظل تداعيات جائحة كوفيد-19
الأربعاء 29 يوليوز 2020 - 20:58

تتصرف كثير من الذوات الثقافية المغربية إزاء معضلة التعليم ما بعد جائحة كوفيد-19، سواء بالمدرسة أو بالجامعة، كما لو أننا في وضعية خيار؛ أقصد وضعية خيار بين أن ننخرط في الأفق التعليمي الرقمي العالمي بإيجابياته وسلبياته، أو أن ننكفئ على أنفسنا، ونحلم بإمكانية صناعة نموذج تعليمي خاص مستقل عن ماجريات التطور التقني المتسارع، قادر على تقديم الحلول لمعضلاتنا التنموية والمجتمعية المختلفة.

والحال أن وضعية الاختيار غير موجودة إلا في أذهان هؤلاء؛ ذلك أننا أَضْحَيْنا، رغم ما نَجْهَرُ به من أحاديث الرفض والممانعة، مجبرين على التفاعل مع ما يعتمل في هذا العالم الصغير من أشكال الفعل والتعبير والتعاون والصراع… إلخ، ملزمين باستهلاك منتَجات مادية وثقافية قادمة من جهات العالم الأربع، حتى وإن قضينا عمرا نلعن هذا الدَّفَقَ التقني الذي يكتسح العالم من أقصاه إلى أقصاه.

مناسبةُ هذا الكلام رغبتي في إثارة وجه من أوجه الاختلال بمؤسساتنا الجامعية، وهو وجه الحياة الطلابية في ظل تداعيات جائحة كوفيد-19، على نحْوٍ أريد من خلاله إثارة الانتباه إلى عدمِ ملاءمة الأنشطة الجامعية الموازية للحاجيات الطلابية الفعلية، مع الانفتاح على جديد علوم الإعلام والتدبير والتواصل، والتفكير في آليات اقتصادية بديلة لخلق صناعة بحثية عابرة للمجال القُطري والإقليمي؛ وعدمِ انسجام بنية التخطيط التدبيري لهذه الأنشطة مع الواقع التقني الرقمي، وهو ما يجعلها عاجزة عن إشباع الاحتياجات السيكولوجية الدنيا للطلبة المتمدرسين، غير قادرة على ملامسة مجمل دوائر الهوايات والرغبات، فبالأحرى أن تشكل السند المساعد لمادة العرض التكويني، أو أن تتسرب، بوصفها غايات، إلى مضمون المخرجات الجامعية.

مشكلة الحياة الطلابية الأساسية، في شكلها الراهن، أنها مجال الهامش أولا، والترفيه ثانيا، وغياب التخطيط ثالثا، وتكريس التقليد رابعا. أعني بالهامش وقوعها في آخر دوائر اهتمامات هيئات التدبير الجامعي، وأقصد بالترفيه قيامها على قاعدة تزجية الوقت بما يتاح من أشكال التنفيس، وأريد بغياب التخطيط عدم وجود خُطط عمل متوسطة الأمد تعرض مشاريع مندمجة تمَسّ مجالات الحياة الطلابية بالنظر إلى الكفاءات العلمية التي تزخر بها الجامعة المغربية في شتى مناحي المعرفة الإنسانية. أما التقليد، فأعني به إصرار الجامعة المغربية على اجترار النشاط الطلابي الموازي نفسه، سنة تلو أخرى، دون أي محاولة لتجديد مجالات التدخل وصيغه، أو ابتداع أشكال مستجدة لهذه الحياة، تلامس مجالات الاهتمام الجديدة (فنون، إبداعات افتراضية، رياضات، أشكال تَبارٍ وتنافس…). ولذلك، يجب علي الجامعة المغربية أن تتحول إلى مختبر حقيقي تنهض على إعمال التقنيات الرقمية، التي يُوفرها جهاز الحاسوب، في سبيل تطوير منظومة المعارف ووسائل الاتِّصال، والدفع بالاجتهاد العلمي إلى ربح مساحات من الإبداع والاكتشاف في تسارعٍ مع الزمن واختزالٍ للوسائل، والمراهنة على تثوير المخرجات، والانتقال بها من مُخْرَجات معرفية محضٍ إلى مخرجات مهاريةٍ، قوامُها المبادرة والإبداعية، وغرس قيم العمل والمثابرة والسلوك المدني.

هكذا، وفي ظل ما تقدم ذكره، يتم تكريس تصور تبخيسي (غير معلن) تجاه مجال الحياة الطلابية؛ بحيث يعتقد الفاعل (المدبّر والمستفيد) أنه بصدد فائض الفعل، وزائد النشاط، الذي يمكن الاستغناء عنه دون أن يرتبك أي واحد من مجالات العملية التعليمية الجامعية، وأن محور الفاعلية فيه قائم على الترفيه فقط؛ ترفيه مطلوب في ذاته ولذاته. فما الذي يمكن فعله، في هذا الباب، للخروج من وضعية الكمون المديدة التي تعيشها الحياة الطلابية بالجامعة المغربية؟ وقبل ذلك، هل ثمة فائدة، حقا، في المراهنة على الحياة الطلابية في ظل الواقع الاجتماعي الراهن؟

يجدر بي، بدايةً، أن أثير أمرا ذا صلة، وهو بروز عدد هائل من أبطال الرياضة الغربيين في خضم الأنشطة الرياضية الجامعية، وقيام حركة مسرحية وسينمائية رفيعة بين أسوار الجامعات الأوروبية، بل إن بعض أشكال التعبير الفنية لا تجد لنفسها من محضن دافع سوى الجامعة. وفضلاً عن ذلك كله، يتم اعتماد وجوه “التنشيط” الثقافي والرياضي بوصفها وحدات رئيسةً ضمن مادة العرض التكويني الذي يتلقاه الطلبة، بصرف النظر عن تخصصاتهم ودرجاتهم في سلم التحصيل الجامعي…

ثمة رهان مجتمعي على الحياة الطلابية بهذه البلدان؛ رهان يحيل هذه الحياة مشتلا تجريبيا لممارسة الحياة، وتنزيل مضامين القيم الإنسانية التي يتم تَشَرُّبها (كمادة معنوية ورمزية) ضمن بقية مواد التكوين ذات الطبيعة النظرية.

يتعلق الأمر، إذاً، بما يشبه أعمالا تطبيقية يتم فيها نحت القيم والمهارات التواصلية والأخلاقية التي تستوجبها الحياة، أو لنقل: إن هذه الأنشطة الطلابية تغدو سلسلة من الاختبارات التي تحاكي ما سيعترض الطلبة بعد خروجهم من أسوار الجامعة من مآزق إنسانية ووجودية. ولذلك، كانت أفيدَ من الاختبارات التي تُعنى بتقييم المكتسبات النظرية والتطبيقية في ظل وضعيات نموذجية لا وجود لها في الواقع. ناهيك عمّا فرضته جائحة كورونا من تحديات أمام التعليم الجامعي في ظل عجزه عن تقديم أي إسهام فعلي في سياق المجهود الدولي لتطويقها ومكافحتها.

نحن في حاجةٍ، بدورنا، إلى حياة طلابية على هذا النحو والمثال.. حياة طلابية تزرع في طلبتنا قيمة المبادرة، وتدفع بهم إلى اختراق الآفاق، وتمدّهم بما يكفي من الزاد النفسي الذي يمكّنهم من مجابهة إخفاقات الحياة؛ بمعنى أن العبرة ليست (دائما) بجودة المخرجات المعرفية والمهنية التي يمكن أن يراكمها الطالب، ولكن العبرة بهذه المخرجات متى تم تحصيلها مشفوعة بشخصية متزنة متوازنة؛ شخصية تنخرط في مسيرة الحياة المدنية بما يكفي من الإحساس بالمسؤولية والالتزام تُجاه الأسرة والمجتمع والوطن.

تستطيع الحياة الطلابية، كما أدعو إليها عبر هذه الورقة، أن تغرس في نفوس الطلبة قيمة مهمة أيضا، هي قيمة الإبداعية، وهي قيمة، لَعَمْري، مفقودة في مجمل مؤسساتنا التربوية؛ وذلك بتثمينها، وجعْلها في بؤرة النشاط العلمي-الثقافي الموازي؛ عن طريق إجراء أشكال التنافس والتحفيز في هذا الباب، وتوسيع وعاء الاستفادة من هذه الأشكال على أوسع نطاق ممكن، مع إمكانية إفراد حيّز خاص بمصُوغات “الإبداعية” ضمن وحدات التكوين الجامعي (الأساسي والممهنن).

حياة طلابية غنية تعني، أيضا، ألاّ يتردد الطالب في الانخراط في مجموع الأنشطة الثقافية والرياضية المعروضة أمامه؛ أي أن تمتلك هذه الأنشطة ما يكفي من الجاذبية المطلوبة.. حياة طلابية تخصص لها اعتمادات مادية وبشرية ولوجستيكية تؤهّلها لكسْب رهاناتها القِيمية الكبيرة، وتوفر للطلبة فرصا للتعبير والإبداع على قاعدة الاستحقاق الجماعي؛ بحيث يستفيد كل الطلبة من أنشطة موازية لائقة تلائم استعداداتهم وميولاتهم النفسية والجسدية المختلفة.

إن جامعة تكتفي بالتلقين، وتتعامل بمنطق المقرر والمحتويات الدراسية الجامدة، لا يمكن أن تخلق طالبا مُبادِرا مبدعا، مؤمنا بقدراته، واثقا من ذاته. بل ينبغي للجامعة أن تعطي المثال والقدوة؛ ولذلك، وَجَبَ عليها أن تتحول إلى مختبر حقيقي يحتضن تجارب طلابية، وأنشطة مهنية ناجعة. ولا مناص من أن نقْطَع مع التصور التقليدي الذي يجعل العروض الجامعية أنشطة نظرية مفصولة عن الواقع العملي والمهني. ولا بدّ، كذلك، من التفكير في تجديد طرُق تقديم العروض التكوينية والمحتويات التجريبية في رحاب الجامعة. ويلزمُ، في السياق نفسه، تحويل هذه الأخيرة إلى ورش مفتوح، قادر على احتضان المشاريع الطلابية، في مختلف تجلياتها. ومثلُ هذا الأمر يحتاج إلى خبرات وفرق بحث وطنية تهيّئ الأرضية العلمية والتقنية والتشريعية اللازمة.

سنكون أمام سنة جامعية ما بعد الكوفيد-19، والأمر المطلوب هو أنْ يتم تقييم اختلالات الحَيَاةِ الطُّلابِية في ظل تداعيات جائحة كوفيد-19، واقتراح الحلول، لكن الذي لا أشكّ فيه بتاتاً هو حاجة الإصلاح البيداغوجي الجامعي إلى أهل الاختصاص من الممارسين في المختَبَرات والمدرّجات الجامعية؛ لأن تفاصيل مسطرية وعلائقية وتواصلية وتدبيرية خارج-بيداغوجية، إن شئتم، ذات خصوصية مغربية (بفعل مناخنا السياسي الخاص)، لا يمكن الوقوف على أثرها في عرقلة المشاريع الإصلاحية إلا بمواجهتها في ظل وضعيات وأحداث وقضايا جامعية ملموسة…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • reader
    الأربعاء 29 يوليوز 2020 - 22:10

    لست متفائلا كثيرا بمستقبل الجامعة المغربية المثيرة للشفقة . تلك المؤسسة المفروض فيها أن تكون هي مصدر العقلانية و تنظيم المجتمع هي من تحتاج إلى من ينظمها من الفوضى والتخلف ، فقط انظر إلى نوع الغالبية من موظفيها وانظر إلى عمداءها واساتذتها الذي جعل بعضهم من التدريس "بيزنس" نهارا جهارا بكل قلة حياء و لا أدري ماذا ننتظر من "جامعة" عميدها محجبة و يدرس بها الأساتذة الملتحون و بها قاعات للصلاة و الوضوء؟!! الآن أستطيع أن أقدم طلب التسجيل بأي جامعة أمريكية أريد من منزلي عبر الإنترنت وعلى بعد سنتين من الموسم الجامعي قارنها بالفوضى التي تحدث كل بداية موسم في الجامعة المغربية . في الحقيقة ، من يقارن هنا وهناك سيشعر بالسخط و لا يمكنه إلا أن يرثي لحالنا وحال جامعاتنا

  • ALMOMANI
    الأربعاء 29 يوليوز 2020 - 23:21

    أتفق معك استاذي الفاضل، يجب أن تتاح الفرص لدى الطلبه لممارسه نشاطات منهجيه ولا منهجيه واستغلال ماهو مفيد للجامعه والمجتمع المحلي، فالكثير من الطلبه لديهم مهارات متعدده ومتنوعه، لماذا نركز على السلبيات دعنا نبحث عن الايجابيات فهناك لاعبي الرياضه، وهناك الرسامون، وهناك التقنيون، وهناك الذين يهتمون بالخط العربي وغيرها من الابداعات، حين تتوفر الفرص قد نبني وننمو ونغرس في الطلبه حب العمل وعدم اضاعه الوقت في التسليه فقط، وهنا بالتأكيد ستظهر الطاقات وتنضج من خلال الجامعه وخصوصا في الوقت الراهن حيث طرأت الكثير من التغيرات تدعو للجميع التفكير العميق لما هو مفيد ومجدي لخدمه الوطن وخدمه أنفسنا كذلك الأمر، مما ينعكس على الجامعات بالتنافس فيما بينها لاظهار القيمه والمنتج لها ، ألا وهو الطالب الخريج والمؤهل لسوق العمل، وفقكم الله أستاذي الفاضل،،حقيقة تستحق كل الشكر والتقدير…

  • عمر محموسة
    الجمعة 31 يوليوز 2020 - 10:16

    اليوم بتنا في حاجة ماسة إلى الحياة الجامعية لما لها من انعكاسات إيجابية على الحياة الاجتماعية للطلاب وعلى آفاقهم المستقبلية. في حاجة إلى تدبير يعتمد على السياسة التواصلية وعلى تكنولوجيا المعلومات لمواكبة التطور العالمي في هذا المجال، ودكتورنا الفاضل السي جطاري أفاد وأجاد في تقديمه لهاته المادة العلمية العملية الهامة، بغية اعتمادها في تطوير وتحسين المنهج التدبير الجامعي المغربي، ولا شك أن ما أدلى به ترياق لكل ما يمكن أن يواجه الجامعة المغربية وطلبتها من أفكار تهدم القيم الدينية والوطنية والثقافية التي نفتخر بها كمغاربة.

  • عمر لهداد
    السبت 1 غشت 2020 - 06:16

    السلام عليكم و رحمة الله.
    تطرح ورقة الأستاذ الفاضل اشكال حقيقي يتعلق بمسايرة التعليم المغربي لحياة المغاربة.
    إلا أن المنتوج دائما يبقى بعيدا عن الطلب.
    و كوفيد 19 جعل تعليم أغلب الدول على حين غرة على المحك. يعني أن المخططات السابقة تحتاج إلى إعادة النظر أمام هذا الطارئ الجديد الذي يلح على إدماج تكنولوجيا المعلوميات في جميع مناحي الحياة،و المدرسة بالخصوص. و يبقى ما تعتزم الدولة القيام به في هذا الخصوص غامضا بغموض المشهد السياسي الراهن.

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب

صوت وصورة
بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:22 5

بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في الرباط
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:14

النتائج المؤقتة في الرباط