صدرت للكاتب والروائي حسن أوريد رواية جديدة موسومة بعنوان “اللاروب”، في طبعتها الأولى عن مؤسسة الفاضل للنشر. وتقع الرواية في 315 صفحة من القطع المتوسط، وتشتمل على ثلاثة أجزاء و47 مشهداً. يتكون الجزء الأول من أربعين مشهداً، والجزء الثاني من خمسة مشاهد، والجزء الثالث من مشهدين فقط. اختار أوريد لروايته الجديدة عنواناً بالتعبير المغربي الدارج “اللاروب”، الذي يعني “إلا ربع”. ويوضح معنى هذه اللفظة في الصفحة 64 قائلاً: “هي أكثر من تقويم زمني، أو هي لا تقويم، أو إشارة لشيء غير مكتمل، لشيء معيب. واللفظة من قاموس التعبير الشفهي المغربي الدارج، نقصد بها التحقير: سلعة اللاروب / جلسة اللاروب / صحبة اللاروب…”
اختار الراوي أن يضع في صفحة التقديم اقتباسين للكاتب المسرحي البريطاني وليم شكسبير باللغة الإنجليزية مع ترجمتها إلى اللغة العربية، يقول في أحدهما: “انفلت عقرب الزمن”، ويقول في الاقتباس الثاني: “ولو أنه الجنون، ولكنه لا يخلو من اتساق”. وكان اختياراً معبّراً وذكياً من أوريد، لأن أحداث رواية “اللاروب” تدور في أزمنة متداخلة، انفلت عقرب ساعتها ولم يستقر على حال، فكان زمن “إلا ربع” أو “اللاروب”، أي زمناً غير مكتمل ومعيباً، زمن الانتكاسات المتتالية. ونقرأ في الغلاف الخارجي للرواية: “يجري الكاتب تشريحاً لوضع محتقن، موظفاً السوريالية لينفذ إلى قضايا معقدة ومسكوت عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكان/حالة، يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، وهم يستعيدون الحكي، ويترنمون الشعر، ويستدعون الغناء”.
تدور أحداث الرواية في فترة زمنية حاسمة من التاريخ الحديث للمغرب والعالم العربي عموماً (1946-2018)، ويتحرك في مشاهد الرواية شخصيات من بسطاء الناس، ومن زعماء ومناضلين، أبرزهم: جمال عبد الناصر، عبد الكريم الخطابي، سلام أمزيان، المهدي بن بركة، عمر بن جلون. لكن الشخصية المركزية في الرواية هو “بنيس”، الذي يفتتح المشهد الأول من “اللاروب” بولوج “كابريه سنترا” بمدينة الدار البيضاء في صيف 1946. رجل هدته الشيخوخة والعنة، وفقد ذاكرته إثر حادث سير، فاختلطت عليه الأزمنة. رجل انتقل من مخبر يرقب “كابريه سنترا” ويستبرئ مرتاديه، إلى شيوعي اشتراكي تقدمي، إلى مسلم حج بيت الله وواظب على الصلاة في المسجد.
يبدو أن رواية “اللاروب” هي تتمة لرواية “الموتشو” التي أصدرها حسن أوريد في يناير من عام 2023. ولن يدرك ذلك سوى من قرأ هذه الرواية، التي يقول فيها الحاج بنيس لصديقه الأثير أمين الكوهين الملقب “بالموتشو” في الصفحة 77: “لو يستطيع كابريه سنترا أن يتكلم، سأحكي لك كل شيء ألموتشو يوماً ما”.
رواية “اللاروب” إبداع روائي مغربي كثيف الإيحاءات، وكثير الاستعارات، وعميق الإشارات، بلغة أدبية متينة ورشيقة، تزاوج بين العامية المغربية واليهودية والفصيح العربي، مع إتحاف القارئ بقصائد شعرية راقية، ومقاطع من أغاني كبار المطربين في مصر والمغرب. إنها تحفة أدبية من الطراز الرفيع تجمع بين الماضي والحاضر وبين أزمنة متعددة. رواية قد يجد فيها القارئ مثلي ما يشبه أسلوب الحكي عند نجيب محفوظ، وإدريس الخوري، ومحمد زفزاف، ومحمد شكري، وعبد الكريم الجويطي، ومحمد الأشعري، لكنه بطابع خاص ومتفرد اسمه “الطابع الأوريدي”.
رواية “اللاروب” مولود جديد لحسن أوريد ينضاف إلى إخوته: “رباط المتنبي”، و”الباشادور”، و”ربيع قرطبة”، و”سيرة حمار”، و”الفقيه”، و”زينة الدنيا”، و”رحلة من الجنوب”، و”الحديث والشجن”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.