ستذكريني...إلى الأبد

ستذكريني...إلى الأبد
الأحد 13 فبراير 2022 - 00:33

تم تناول موضوع الطفل ريان (رحمه الله) من طرف العديد من الكتاب وغيرهم وبشتى الوسائل، وقد كان ذلك بشكل كبير ومكثف وبشكل يومي لأن هذا الحدث كان له وبدون شك وقع وتأثير على نفوس الكبار والصغار داخل وخارج الوطن. وقد أحببت أن أتطرق إلى تلك الفاجعة المؤلمة التي حزت في نفوسنا جميعا، وقررت تدوينها بأسلوب مغاير: فهي على شكل قصيدة حرة بمعايير خاصة مستلهمة من كنف القرية وجبالها وسهولها وهضابها وتلالها، وتحمل بين طياتها حجم المعاناة، وربما قد لا تستوفي هذه السطور ذلك وما يجول بخاطري نظرا لحجم وهول تلك الفاجعة.

قريتي !

قريتي لا تحزني بعد رحيلي

فأنا صبي

لم يُكتب له العيش على سفوح جبالك طويلا

بالأمس…

بالأمس فقط

كنت أمرح وألهو مع رفاقي غير مبالي

حتى…

جرتني قدماي إلى قعر بئرك الفاني

عشت فيها أياما معدودة

عشت فيها خمساً بدت وكأنها خمسونا

وحققت فيها ما لم يحققه من عاش على ظهرك قرونا

إن ظننتم أنني كنت في عذاب فإنني

على العكس

كنت في كنف الرحمن وكأنني أعيش السنينا

كنت منزوياً

معكوف الظهر وكأنني في رحم أمي

لكنني

كنت عندما أنظر إلى عروق الأشجار حولي ومن فوقي

أحس وأتذكر بطن أمي

وأحس ثانية كأنني في أحشائها لا أبالي

وسرعان ما أتذكر أنني في رحم الأرض في الأعماق

لا في رحم أمي

صرخت في البداية: أمي … ! أمي …. ! أرجوك أنقذيني … أنقذيني

لكن يدك البيضاء لم تصلني… !

وكنت أعيد الصرخة ثانية دون جدوى

فكان صوتي ينكسر على فواهة البئر

ويعود إلي بقطرات دموعك

وبأنفاس صماء كالتربة من حولي

كنت أسمع بكاء وهتاف المحبين وكأنه

أزيز نحل مدوي يشق مسمعي
لقد كنت في ضياء الرحمن رغم ظلمة الجب

أمي…الغالية

أمي

لا تحزني على فراقي

فقد حققت حلم أبي وملئت الجبال والهضاب

والسهول بل والأرض ضياءا وحنينا

أعرف أمي أنك الليلة ستروين وسادتي الصغيرة جنبك دموعاً وأنينا

ستحسين بالفراغ أمي

عندما تلامس أناملك فراشي جنبك في جوف الليل

لكنك

ستحسين أمي بدفء جناحي على صدرك

فلا تحزني أمي

فهاهي قريتي قد أصبحت لؤلؤة

وصرت أنا نجما ساطعا مستكينا…

لقد أوصلتُ أوجاع بني جلدتي وأهل قريتي إلى ما وراء البحار

بل سمع بمطلبي العابد والزاهد والرهبان وحتى الجلاد وراء القضبان

وصل صيتي إلى من كان به صمم فأضحى صاغيا مرهف الحس والوجدان

أبشري قريتي

ويا فتيات قريتي ستصلكن أنابيب الماء الطهور قريبا

وستُعبّد الطرق وتُشق الأنفاق بعد المحن

ستُضمّد الجراح بمستوصف القرية قريبا

وتُجلب البضائع والحلوى بسرعة ومن بعيد

ويا رفاقي

أيها الرعاة

لن يغلب عليكم النعاس بعد اليوم قرب الفوانيس

سيعم ضوء الكهرباء ويحجُب عنكم نور القمر

وحينها

أذكروني

لا تقطعوا حينها صوت الناي أرجوكم

بل اسمِعوني

فلطالما حبست أنفاسي من أجلكم

واستمعت لأنيني

استمتعوا بجمال الطبيعة وأغصان الزيتون

وتشبثوا بدين وتقاليد وموروث أجدادي

ولا تفرطوا في الصلوات الخمس

فهي النجاة

واسألوني كم مكثت في قعر الجب بالعدد

استمتعوا بحلاوة الليل السرمدي الذي

لا يكسر سكينته سوى نباح الكلاب المتقطع

وصوت البوم الصارخ الذي تردده التلال وسفوح الجبال الصماء

يا رفاقي

اذكروني

عندما تعدون وتمرحون غدا

قرب الوادي وبين الأغصان

أذكروني عند الغروب

كالمعتاد

عندما تعودون بالشياه والعجول إلى مرا بضها

وعندما تلتفون حول حساء الشعير

والذرة وإيلاّن الساخن

عند سماع الرعد وزمهرير الرياح

وعندما تتساقط أوراق الشجر

وعند الحرث

والحصاد

وفي ليال الصيف المقمرة

وعند المواسم

وفرحة النجاح

رفقة الأهازيج والزاغاريد

وعندما تقلبكم الأحلام الوردية على فراش الدوم

وعندما تفركون عيونكم لكي

ترون نور يوم جديد بازغ

ويا رفاق دربي

وأبناء مدرستي

سأضل معكم

وغدا سيترك معلمنا مقعدي فارغا

تغمره روحي وتضل قابعة

أعلم أنكم ستبكون لفراقي

وسترسمون وجهي وملامحي

لكنني

رسمت قبلكم مصير أمتي

بدموعي

ودمي

غدا ستركضون بين البراري عودة إلى البيت

وتنتشون بخبز الأم

ويضل يرقبكم كلبي الوفي من بعيد فقط

أما أنا

فسترفرف روحي فوقكم

مرحة مثلكم

وسيلتفت صديقي إلى الخلف كعادته كي يرقبني

فلا يجد إلا السراب يعدو خلفه

وسيعدو خائفا كي لا تطأ رجلاه حفرة مثلي

قريتي

لا تحزني

فقد واساك كل بني الإنس

من بربرٍ وعُربٍ وعجمِ

وهبّ لنُصرتك الكل وتَوّج ذلك المُفدّى مَلك البلاد

أبشري قريتي

ستبقى قصتي بين دفوف المجلات والكتب

وستبقى منقوشة على صخور هذه الجبال دوماً

وذكرى تُنغّص كبد كل مُقصِّرٍ في حق الأجيال والأجداد

وستُحرم المتخاذلين والمتقاعسين من نعمة النوم حين ذكراها

وحين تُلامس أنامل النعاس أجفان الأشقياء….

فلا تحزني حينها قريتي

بل افرحي

فغدا تُنصب الموازين القِسط عند

عرش الرحمن

ويُقتص من كل ظالم ومعتد

وكل جبار ومتكبرِ

وكل من فرّط في حقك وحق أبنائك

وحق الأجداد والأحفاد

حينها

ستفرحي قريتي

وستسعدي

وستذكريني…إلى الأبدِ

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • عزيز
    الأحد 13 فبراير 2022 - 00:50

    قصيدة جميلة …..تنعي الراحل الطاهر البريء
    ريان…ولا ليتنا كنا كلنا مثله أوقريبين منه
    طاهرين وبراء….لكن هيهات هيهات عالمنا
    هذا المتناقض….الأخاذ…الشرس …إختلط
    فيه الحابل بالنابل…فنسيت الإنسانية وتناسى
    بنو البشر كل الأخلاقيات….وطغت الماديات
    وغلب عهد السرعة والصواريخ …عهد المرارة
    والدراسة واللاإنسانية….فهم قرير العين
    يا ريان فإنا بك للاحقون……

  • سالم ابن رميح
    الإثنين 14 فبراير 2022 - 08:36

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف الانبياء و المرسلين
    أحسنت يا اخي عبدالله فيما قلت، قصيده جميله
    فيها من الحزن والموساه والتعلق بالله الشيء الجميل…
    نعم لا تحزني يامي
    فأنا طفل برئ
    شأت الاقدار ان أسقط في بأر…
    وكأني مسبقا اساق الي قبري..
    ابشرك يا أمي طفولتي أدخلني الجنه..

    قال صلى الله عليه وسلم
    أطفالُ المؤمنينَ في جبلٍ في الجنةِ ، يكفلُهم إبراهيمُ و سارَّةُ ، حتى يردَّهم إلى آبائِهم يومَ القيامة.
    المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع
    الهم اجعله شفيعا لأهله يوم القيامه
    الهم اربط على قلب والديه كما ربطت على قلب ان موسى عليه السلام.

    تحياتي لك اخي عبدالله بن هنيه

  • فاتحة
    الأربعاء 16 فبراير 2022 - 09:46

    أفضل قصيدة جسدت واقعا ملموسا عايشناه مع طفل من قرية نائية مغمورة اصبحت محط اهتمام عالم باكمله.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام