ارتباطا بالتنمية، فإن سوق الأربعاء تُواجه مشاكل وتَحدّيات كبيرة تتعلق بالإنسان والمَجال معا، وهي إشكاليةٌ مُزدوجة مُتداخِلة يُمكن إجمالُها في الصيغة التالية: كيف يُمكن تحسين الحياة المحلية؟ ولا يَخفى أن الوطن يبدأ من المجال الصغير / المِيكرو إلى الفضاء الوطني العام / الماكْرُو، لأن التنمية المحلية هي النواةُ الصّلبة للتنمية الإجمالية. من هذا المُنطلَق تكون خدمةُ الشأن المحلي خدمةً للوطن، وتكون عَيِّنَةُ الذهنية التُّرابية المحليةُ انعكاسا لعَيِّنَةٍ من الذهنية التُّرابية الوطنية. الجدير بالذكر أن الجهاز الإداري التُّرابي، مثل أي جماعة مهنية، يَظُمُّ مُستويات مختلفة من الإرادات وأنماطِ الوعي والرُّؤى برغم القَواسم المُشتَرَكة الجامِعة لكل بِنيةٍ مهنية. بمعنى مُبسَّط، فإن الجهاز الإداري فيه درجات مُختلفة من الجِدّية والاستقامة وروح المُواطَنة والمسافة الاستقلالية، لذلك نُلاحظ أن مناطق محلية أو إقليمية أو جهوية على مستوى التقسيم الإداري الترابي، تبقى رهينةً بعَيِّنَةِ رجال الإدارة الترابية المُتعاقِبِين عليها، إذ يبدو الاختلافُ واضحا بين الآثار وحجم المجهودات التي يَبْذُلُهَا كل فرد من هؤلاء ضمن الصلاحيات المُخَوَّلة له ضمن الجهاز نفسه.
على مُستوى سوق الأربعاء، يبدو أن الذاكرة المحلية لا تَحمل الكثيرَ من الذكريات الاستثنائية الخَلاّقة حول رجال الإدارة الترابية الذين تَعاقَبوا على كَراسي سُلطة الوصاية / المُواكَبَة محليا من حيث الأُثرُ الفَعّال وجودة الأداء التنظيمي والتنموي على المُستوى الرمزي أو المادي، بِالكاد يُمكن اسْتِذْكَارُ بِضْعة أسماء مِمَّنْ تَركُوا أثرا أو سُنَّةً أو مَوقفا أو قرارا تحتفي به الذاكرةُ المحلية على مستوى اجتراح المُبادرة أو دعمِها. وحسب الملاحظة العيانية والذاكرة المحلية، فإن أسوأ عَيِّنَةٍ من رجال الإدارة الترابية محليا أولئك الذين لم يُضِيفوا حركةً أو سكنةً تُذكَر في المَنحى الإيجابي، بل كانوا وَبَالا على المجال العام من حيث التشوُّه المُورْفُولُوجي الذي تَسَبّبوا فيه وتَركوا مُخلَّفات مجالية مُستعصِية تجرُّ الفضاءَ العام لمزيدٍ من العشوائية ومظاهر البَداوة ومَشاهد سوريالية لم يَسلم منها حتى وسط / مركز المدينة، وعاثُوا تَشْتِيتًا بين الفعاليات عوض التجميع على أساس المُواطنة واضحة المَعالم. أما العَيِّنةُ الثانية، فهم رجال السلطة الذين لم يَرْقَ حضورُهم إلى مستوى لَفْتِ الانتباه لا في الجانب الحَسن ولا في الجانب السيء، مَرُّوا خِفَافا دون أن يُسْمَعَ لَهُم رِكْزٌ. بينما يَندرج في العَيِّنة الثالثة أولئك الذين زاوَجوا بين المَضار والمَحاسِن، أصابُوا هنا وأخطؤوا هناك، وهذا في حَدِّ ذاتِه أداءٌ مَأمول. في حين يَندرج في العَيِّنة الرابعة النادرة رجالُ السلطة الذين أفادوا الحياةَ المحلية ولَفَتُوا الانتباه إلى الآثار البَنّاءة التي اجْتَرَحُوها بما يَفُوق هَفَواتِهم بكثير. ولعلَّ الهيكَلةَ الجديدة للفاعلِين التُّرابِيين في سوق الأربعاء تَرقى إلى مَصاف هذه العَيِّنة الأخيرة، وهو ما يَسْتَبْشِرُهُ الرأي العام المحلي بأمل كبير، لتَبقى نِيشانَ اعتزازٍ في الذاكرة المحلية ونموذجا ما أَحْوَجَ الوطن إليه كما فعل ثُلَّةٌ من الفاعِلين التُّرابِيين قبل ذلك.
مُلاحظات لا بد منها. في كُلِّ العَيِّنات، كما في كُلِّ البشر وكُلِّ الانتماءات المهنية، لا أتحدث عن الصلاح التام أو الصَّواب النهائي، بل إن لكل فرد هامشٌ للأخطاء والهَنّات والذاتية، ولكن لا أن تكون هي السِّمة العامة في أدائه مثلما حدثَ في حالات مُتَعدِّدة محليا مع الأسف. ثم إن الحديثَ عن فَعاليةِ رجُل السلطة المحلية، لا يعني تحميله مسؤوليات أو رِهانات تَفُوق حجمَ ما هو مُخَوَّل ومَسمُوح به أخذا بعين الاعتبار مُحدِّدات التراتُبية الإدارية، واحتسابا أيضا لإكراهات المُؤثِّر/ الفاعل السياسي. إذن يبقى الأمل مَعقُودا على نوع الوعي الذي يَنطلق منه الفاعلُ التُّرابي داخل الجهاز، إذْ من داخل الإطار المهني نفسه، تختلف التجارب والإرادات والمُنطلَقات، ويُمكن صناعةُ الفارق وفق المُمكن وتجاوُز رُهاب الرقابة الذاتية والإسهام في تحسين البيئة المحلية ولو بشرف المُحاوَلة. وبقدر الحالة المحلية يُنتَظَر أن تكون درجةُ ونوعيةُ الفعل والأثر من طرف الفاعل الترابي، لأن المجال العُمومي والمصلحة العامة مأمولٌ أن تكون الخُلاصةَ الأهم والأَبْقَى ثم بعدها التفاصيل الخاصة، لا العكس. ومن مُنطَلَق هذه المَقالة المُواطِنة، فإن سوق الأربعاء في مَسِيسِ الحاجة إلى عَيِّنَةٍ من الفاعل التُّرابي المُبادِر وفق الفهم الجديد لسُلطةِ المُواكَبة في العلاقة مع الفاعل السياسي والفاعل المدني على حد سواء والالتزام بالمصلحة العامة أولا وأساسا وِفق التوجيهات والمَشيئة الملكية السامية، من هنا يَبقى الأمل معقودا على عَيِّنةٍ قادرة على بعث الدينامية المدنية بمُكوِّناتِها الثقافية، الفنية، الرياضية والبيئية، والإسهام في إبراز التراث اللامادي والمادي للمدينة للارتقاء بها وتجويد مُقَدَّراتِها.
من هذا المُنطَلق، فإن الحرص على تشبيك العلاقات مع الأعيان والوُجَهاء مَكفُولٌ ومحمود بقوة الأعراف، ثم إن التقارُب مع الفاعل السياسي من أجل تدبير الشأن المحلي وفق الصلاحيات المُحَدَّدة لكل طرف يَقع في صميم الأُطُر القانونية، غير أن مسافة الأمان ضرورةٌ وطنية وأخلاقية لتَفادي الابتلاع والتَّماهي، والحرصُ على ترسيخ الاحترام والتقدير في وجدان الناس/ المُواطنين والوفاءُ للقَسَم لَهُوَ أَفْيَدُ للوطن وأَرْقَى سَبِيلا. وفي الأخير، فإن المدينة، كما الوطن، في حاجة إلى تكامُل الإرادات والانْعِتاق من سوء الفهم المُتَبادَل وتَجاوُز الحساسية النفسية بين المُتَدَخِّلِين، لأن الواقع لا يَرتفع، والواقع يَضُمُّ المُكَوِّنات جميعا.
سلمت اناملك الأستاذ الدكتور أسامة، نتمنى أن تجد قراءتك الإستشرافية للواقع الأربعائي أذانا صاغية
تحية لك اخي أسامة على مقالك الذي نأمل أن يجد اذانا صاغية تجعل اصحابها يحركون أيديهم للنهوض بالمدينة المنكوبة المنسية حضاريا ،
فهلا انتهى السياسيون عن قمع الفاعلين الجمعويين الحقيقيين، أم أن حال الساكنة لم يرق بعد ليكون التغيير لما هو أفضل ؟
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم