“لا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين” الملك محمد السادس – خطاب العرش- الثلاثاء 30 يوليوز 2025
مقدمة:
بين مغربٍ يشق طريقه بخطى متسارعة نحو المستقبل، مدفوعًا بزخم المبادرات الملكية، ومغربٍ آخر يرزح تحت وطأة البيروقراطية والمحسوبية ويتلكأ في دروب الإصلاح، تتسع تلك الهوة الخطيرة التي حذّر منها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، حين قال بوضوح لا لبس فيه: “لا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين.”
لم تكن هذه العبارة مجرّد توصيف عابر لحالة راهنة، بل مثّلت إعلانًا حاسمًا عن اختلال بنيوي يزداد ترسخًا مع مرور الوقت: مفارقة صارخة بين إرادة ملكية تقود التحوّل التنموي بإصرار رصين واستشراف حكيم، وبين واقع ميداني يتواطأ فيه التقاعس الإداري والفساد المحلي على تفريغ تلك الإرادة من مضمونها، وتحويل المشاريع الاجتماعية الكبرى إلى شعارات استهلاكية تُستغل لأغراض سياسوية، ومنافع ريعية تتستر خلف لافتة التنمية.
في هذا المقال، نقترب من بعض ملامح هذا التصدع، انطلاقًا من وقائع محلية دامغة، كما هو حال ما شهده إقليم سيدي قاسم من خروقات صادمة، بدءًا من فضيحة تحويل مركز اجتماعي ممول من أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى فندق فاخر، وصولًا إلى اختلالات وخروقات سجلتها تقارير المجلس الجهوي للحسابات لجهة الرباط – سلا – القنيطرة بالعديد من الجماعات التابعة لهذا الإقليم الذي بدا في السنوات الخمس الأخيرة خارج الزمن المغربي وبعيدا عن سياق التقدم التطور الذي تشهده بقية أقاليم المملكة، وبعيدا عن مسلسل المساءلة والمحاسبة الذي تجري أطواره بمختلف جهات المملكة.
هنا في سيدي قاسم، لا نتحدث فقط عن خلل إداري أو فساد معزول، بل عن أزمة في فلسفة تدبير الشأن العام، وعن فجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب والممارسة، بين الرؤية الملكية والمردودية الميدانية، بين مغرب يسابق الزمن، وآخر يفرغه من روحه.
مغرب يسابق الزمن وآخر يفرّغه من مضمونه
في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، وجّه الملك محمد السادس رسائل دقيقة ومباشرة إلى مختلف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية. ورغم تنوع القضايا التي تناولها الخطاب، إلا أن عبارة واحدة جاءت بمثابة العنوان العريض والرسالة الحاسمة: “لا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين.”
هذه العبارة، بصياغتها المكثفة، تنطوي في طياتها على قلق، بل غضب ملكي صريح من واقع تنموي غير متوازن، لا يزال يكرّس الفوارق بين مغربين، مغرب “فائق السرعة” يقوده الملك بنفسه، من خلال المبادرات الكبرى والمشاريع الاستراتيجية التي تسابق الزمن وتطمح إلى التموقع ضمن الاقتصادات الصاعدة؛ ومقابله مغرب آخر “بطيء أو منعدم السرعة”، يرزح تحت ثقل التراخي الإداري، وتُديره البيروقراطية في تحالف قبيح مع جيوب مقاومة التغيير والتقدم التي تتقن إفراغ البرامج من مضامينها، وتحويل المبادرات الوطنية إلى شعارات بلا أثر على الأرض.
لم يكتف الملك، في خطابه، بالتنبيه إلى الفجوة المجالية والاجتماعية، بل وجّه دعوة صريحة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للتنمية، على أساس الإنصاف الترابي والعدالة المجالية. حيث لم يعد مقبولًا أن تستمر بعض المناطق في العيش خارج الزمن التنموي، بينما قطارات التقدم تمر بمحاذاتها دون أن تتوقف.
لذلك فرسالة الملك تتجاوز التنبيه إلى الاختلالات، لتُحمّل مختلف الفاعلين مسؤولية واضحة، إما الانخراط في مغرب واحد موحد الإيقاع والطموح، أو الاستمرار في إنتاج مغربين بسرعتين، مما يعني مزيدًا من التفاوت، ومزيدًا من فقدان الثقة في المؤسسات.
وهنا يضع الملك النخبة السياسية والإدارية أمام مسؤولياتها الأخلاقية والتاريخية. فزمن التبرير انتهى، وزمن “التنمية الانتقائية” و”السرعة التفاضلية” لم يعد مقبولًا في مغرب يتطلع إلى الإنصاف، لا الامتيازات؛ وإلى الاندماج، لا التفاوت.
بهذا المعنى، يصبح الخطاب الملكي ليس مجرد تقييم لمرحلة، بل دعوة حازمة لقطع الطريق أمام مقاولي البطء، ومهندسي الإعاقة التنموية، الذين يعيشون بمنطق الإدارة بالأعذار لا بالنتائج. فإما أن يلتحق الجميع بركب المغرب السريع، أو يعترفوا بفشلهم في مجاراة الإيقاع الذي يقوده رأس الدولة.
من مشاريع محاربة الهشاشة إلى صفقات الريع السياسي
عندما تتفجر الفضيحة، ولا تتحرك السلطات إلا بعد مرور عام كامل، وتحت ضغط الإعلام الوطني والرأي العام المحلي، وحين تتحرك لا تتعدى حركتها البهلوانية إغلاق فندق الإقصاء والهشاشة والتهميش، فإننا أمام تجسيد حي لما أسماه الملك محمد السادس بـ”مغرب يسير بسرعتين”؛ مغرب بطيء أو شبه متوقف تقوده عقليات بيروقراطية متقاعسة وجيوب مقاومة للتغيير، ومقابله مغرب آخر يسابق الزمن بسرعة صاروخية، يقوده الملك بنفسه، بتصور تنموي طموح وإصلاحات كبرى تتطلع إلى تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
ما وقع في قضية تفويت مركز الاستقبال والإيواء بسيدي قاسم، الذي تم إنشاؤه في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، قبل أن يُحوّل إلى فندق فاخر أسماه من جاء لتعميق الإقصاء والهشاشة “باناصا”، ليس مجرد خلل إداري عابر، بل نموذج صارخ لتفريغ المبادرات الملكية من مضامينها، وتحويل المشاريع ذات البعد الاجتماعي إلى أدوات لخدمة مصالح شخصية واستثمارات ريعية لا علاقة لها بروح التنمية ولا بحاجيات الفئات الغارقة في مظاهر الإقصاء والتهميش.
هي واقعة، إلى جانب وقائع أخرى لا تقل فداحة عنها، تضع علامات استفهام حقيقية حول نجاعة آليات المراقبة والمساءلة، وتكشف عن غياب صارخ لهيبة القانون، وعن منسوب مقلق من التراخي والتواطؤ داخل الإدارة الترابية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المشاريع الملكية، وسدًا منيعًا أمام محاولات الالتفاف عليها أو تحويل وجهتها نحو اغتناء لوبي الفساد وتفقير المغاربة الغارقين الإقصاء والتهميش.
إنّ خيبة الثقة في المؤسسات لا تأتي من الفراغ. فعندما يُفوّت مركز اجتماعي إلى شخصية سياسية كانت ذات يوم على رأس الجهة (جهة الغرب – الشراردة – بني احسن، سابقاً) ويتحول إلى مشروع فندقي فاخر دون سند قانوني، ثم لا يُكشف، حتى الآن، عن نتائج التحقيق المفتوح منذ عام، رغم فداحة ما تم التحقق منه ميدانيًا من غياب التراخيص القانونية وشهادات المطابقة، فإن المواطن يحق له أن يتساءل: أين الدولة؟ وأين المسؤولية؟ وأين سلطة القانون؟
ما حدث في “باناصا” ليس فقط دليلاً على انفصام واضح بين منطق المبادرات الملكية ومنطق تدبير بعض المؤسسات المنتخبة، بل هو أيضًا صورة مصغّرة لمغربين متوازيين، مغرب محو التفاوتات المجالية والقضاء على مظاهر الإقصاء والهشاشة، الذي يعبّر عنه رأس الدولة، ومغرب المصالح الضيقة الذي تقتات منه شبكات الفساد المحلية المتنفذة، التي تستقوي بالفراغ، وتتغذى على التواطؤ، وتستثمر في التباطؤ الإداري كاستراتيجية لحماية الفساد.
ما يُضاعف من خطورة واقعة تحويل مركز للاستقبال والإيواء، الممول من أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى فندق يحمل اسم “باناصا”، ليس فقط طبيعة وحجم الفضيحة في حد ذاتها، بل الكيفية التي كُشف بها عنها، والجهات التي عجزت، أو تغاضت، عن رصدها.
فالمثير للقلق أن هذه الخروقات الجسيمة لم تُفضح عبر القنوات الرقابية الدستورية، سواء من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية، أو من خلال تقارير المجلس الجهوي للحسابات لجهة الرباط – سلا – القنيطرة، بل جاءت الفضيحة من حيث لا يُنتظر: على يد نائب برلماني عن دائرة سيدي قاسم، في سياق صراع انتخابي محتدم ومعركة كسر عظام بين أقطاب السياسة المتنفذين بالإقليم.
ذلك أن ما كان يُفترض أن يُرصد عبر آليات المراقبة المؤسساتية والوقائية، انكشف صدفةً ضمن لعبة تصفيات الحسابات بين شبكات النفوذ التي تتقاسم كعكة التمثيلية البرلمانية والجماعية بالإقليم، في مشهد يعكس اختلالًا مقلقًا في ترتيب أولويات الدولة بين منطق حماية المال العام، ومنطق تحصين المواقع السياسية، ولو على حساب مشاريع وُضعت أصلًا لمحاربة الفقر والهشاشة.
وما يزيد المشهد التباسًا أن البرلماني الذي كشف عن الفضيحة، قد صدر في حقه حكم عن غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط، في العاشر من مارس الماضي، قضى بسجنه سنتين، منها سنة نافذة، بتهمة “تبديد أموال عمومية”.
هذه المعطيات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل كنا سنعلم بشيء لولا هذا الصراع؟
والجواب المؤسف أن الفضيحة ما كانت لتُكشف لولا أن الصراع بلغ ذروته، وتحوّل إلى معركة تصفية حسابات سياسية شخصية، أراد خلالها البرلماني المحكوم بالسجن الانتقام من خصومه، الذين يعتقد كثيرون أنهم كانوا وراء تحريك متابعته أمام القضاء.
في هذا السياق، تبدو المراقبة المؤسساتية غائبة أو مشلولة، ويبدو أن الفساد لا يُفضح بفضل المؤسسات، بل بفعل الانتقام. وهو أمر شديد الخطورة، لأنه يُشير إلى اختلال مزدوج، اختلال في منظومة المراقبة، واختلال في منظومة القيم السياسية، حيث يُستخدم المال العام، والمشاريع الاجتماعية، كسلاح في معارك النفوذ بدل أن تكون أدوات لخدمة المواطن.
إنها صورة مصغرة عن “مغرب السرعتين” الذي تحدّث عنه الملك، مغرب تُدار فيه التنمية بحزم من أعلى، ومغرب تُدار فيه ملفات الفساد بالانتقائية من أسفل.
حملنا حٌلم المبادرة… فحمّلونا شبهة الكوكوط
مع انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، التي أطلقها الملك محمد السادس كرافعة استراتيجية لمحاربة الفقر والهشاشة، انخرطت في العمل ضمن اللجنة المحلية للمبادرة، وتولّيت مهمة عضو بلجنة التنشيط، وهي اللجنة المكلّفة بإجراء التشخيص الميداني، استنادًا إلى مقاربة تشاركية تقوم على إشراك الساكنة المحلية في رصد أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحديد الإشكالات التي تواجههم، ثم تصنيفها حسب الأولويات، قبل بلورة حلول ومخرجات عملية تُقترح وتُرتّب من طرف السكان أنفسهم، في شكل مشاريع تنموية قابلة للتنفيذ وتنسجم مع أهداف المبادرة.
وخلال هذه الرحلة الجليلة، التي قادتني إلى بوادي جماعة مولاي عبد القادر، التابعة لإقليم سيدي قاسم، عايشت عن قرب واقع منطقة بالكاد خرجت من عزلتها المزمنة التي امتدت لعقود، بفضل مشروع ضم الأراضي الذي استفادت منه الجماعة أواخر تسعينيات القرن الماضي. كانت تلك المهمة، التي جمعتني بسكان مولاي عبد القادر الطيبين، لحظة تماس إنساني حقيقي مع جوهر التنمية كما يجب أن تكون، من الناس وإليهم.
لكن، كما هي العادة في هذا البلد، لا تكتمل لحظات الأمل دون أن تتسلل إليها خيبات الواقع. فبعد سنوات من الاشتغال داخل أجهزة المبادرة، وفي خضم عملنا اليومي ضمن لجنة التنشيط، فوجئنا بزيارة لجنة غريبة الطابع إلى مقر الجماعة.
كانت أشبه بفرقة تفتيش خفية، تنفرد بكل عضو من أعضاء اللجنة، وتطرح عليه سلسلة من الأسئلة التي بدت ساذجة في ظاهرها، لكنها تنضح بالريبة والاتهام في عمقها:
“هل كنت تملك قارورة غاز قبل 2005؟”
وإن كان الجواب بالنفي، يأتي سؤال آخر: “هل اقتنيتها بعد 2005؟”.
ثم توالت الأسئلة بنفس المنطق: “هل لديك سيارة؟ تلفاز؟ دراجة نارية؟ دراجة هوائية؟ طنجرة ضغط (كوكوط)؟”… وكأن الهدف ليس تقييم الأثر التنموي للمبادرة، بل إجراء جرد لممتلكاتنا الشخصية، أو بالأحرى، محاولة معرفة: “هل نالكم من فتات التنمية شيء؟”
وبعد مغادرة اللجنة، التفتت إليّ إحدى المنشطات ممن خضعن لذلك الاستجواب، وقد بدت عليها الدهشة الممزوجة بالسخرية، وسألتني: “ما الغاية من كل هذه الأسئلة التافهة؟”
أجبتها بنبرة لا تخلو من مرارة: “ربما أرادوا أن يعرفوا إن كنا قد خرجنا نحن من دائرة الفقر، قبل أن نساعد الآخرين على الخروج منها.”
وهكذا انكشفت، في تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو تافهة للبعض، المأساة الأكبر، حيث أُفرغت التنمية من بعدها الإنساني، واختزلت المحاسبة في أسئلة عن ‘الكوكوط’ و’البوطة’، بدل أن تُطرح حول الأثر الحقيقي للمبادرة، وعدالة الاستفادة، وكرامة المستفيد.
ولعلّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح، في ضوء هذه المفارقة المؤلمة، هو: هل تجرأت تلك اللجنة، أو غيرها من اللجان التي أوفدتها وزارة الداخلية لافتحاص عمل اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسيدي قاسم، على طرح أسئلة “من أين لك هذا”، على المسؤولين الإقليميين الذين تعاقبوا على تدبير أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتحمّلوا مسؤولية إدارة المشاريع والبرامج الهادفة إلى محاربة الفقر والإقصاء والهشاشة؟
لماذا يتم استنطاقنا نحن، الذين عملنا بإخلاص داخل لجان التنشيط المحلية، ولم نكن نطمح سوى للمساهمة في تغيير واقع الناس نحو الأفضل، ولم نجرؤ يومًا، حتى في خيالنا، على الاقتراب من أموال المشاريع أو التفكير في تحويلها لمصالح شخصية. ومع ذلك، أخضعونا للتحقيق حول ممتلكاتنا المتواضعة الكادحة.
هل تم التحقيق مع أولئك الذين جلسوا طويلًا على كراسي القرار، وأمسكوا مفاتيح التدبير والاعتمادات والصفقات؟
من البيدهي ألا تُطرح عليهم تلك الأسئلة المذقعة التي طُرحت عليهم. قد يبدو من السذاجة أن يُسألوا، مثلنا، عن “الكوكوط” ولا عن “البوطة”، ولا عن “البكشليط” أو “البارابول”. لكن من حق اللجنة، بل من واجبها، أن تسألهم عن الشقق والفيلات، عن الضيعات والسيارات الفارهة، عن تحوّل نمط عيشهم فجأة، وعن مصاريف دراسة أبنائهم في الخارج… كل ذلك قبل وبعد تقلّدهم مسؤولية الإشراف على المشاريع الإقليمية للمبادرة.
فالمحاسبة لا يجب أن تُمارس فقط على من لا يملكون شيئًا لتُحاسبهم عليه، بل يجب أن تطال من يُشتبه أنهم حوّلوا مشاريع موجهة للفقراء إلى رأسمال سياسي ومصدر للثراء غير المشروع.
وإلا فإننا سنكون بصدد عدالة مشوّهة، تقلب أدوار الضحية والجاني، وتمنح الحصانة لمن يجب أن يُسأل، وتُشهر أصابع الاتهام في وجوه من لم يجنِ سوى تعب الميدان ومشقّة العمل.
خاتمة:
إن ما تكشفه هذه الوقائع، من اختلالات صارخة في تنفيذ المشاريع الاجتماعية، ومن استغلال فجّ للمبادرات الملكية في صراعات النفوذ والريع، لا يُعدّ فقط مؤشراً على أعطاب في التدبير المحلي، بل يمثل تحدياً وجودياً أمام مشروع الدولة في بناء مغرب الإنصاف والعدالة المجالية. فحين يُستهدف الفقراء في كرامتهم، بدل أن تُستهدف منظومات الفساد في مراكزها، وحين تُصادر المعاني من المبادرات قبل أن تُصرف الميزانيات، يصبح السؤال عن الثقة في المؤسسات ليس ترفاً، بل أولوية وطنية.
وفي مواجهة هذا الواقع المتشظي بين “مغربين”، لا بد من التذكير بمقولة الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ:
“الأمل لا يسكن المستقبل فحسب، بل يسكن كل فعل يعيد ترتيب الحاضر على مقياس العدالة.”
فلا معنى لأي نموذج تنموي، ما لم يُترجم إلى عدالة ملموسة، ولا جدوى من الخطابات الكبرى، إن لم تجرّد شبكات العبث من سطوتها، وتُستعاد هيبة القانون ليكون سقف الجميع، لا سيفاً على رقاب الضعفاء وحدهم.
ما حدث في سيدي قاسم كما أشار إليه صاحب المقال مشكورا .. يُجسد، حقا، إشكالية “مغرب بسرعتين”:
من جهة، إرادة ملكية تدفع نحو التنمية الشاملة، ومن جهة أخرى، واقع محلي يُعطّل هذه الدينامية بسبب الفساد والزبونية.
تحويل مركز اجتماعي لفندق خاص، وسط صمت المؤسسات، يُبرز خللًا في الحكامة وغيابًا حقيقيًا للمحاسبة.
الأدهى أن الفساد لا يُفضح إلا حين يتصارع الفاسدون، لا حين تتحرك آليات الرقابة.
في ظل هذا الوضع، العدالة مقلوبة بالفعل: يُسأل الفقير عن “كسرة خبز”، ولا يُحاسب المسؤول عن شقة فخمة في باريس .. إنها حقا مفارقة عجيبة .. !
في هذه الحالة، المبادرات التنموية تُفرغ من مضمونها، وتُستغل انتخابيًا، مما يُفقد المواطن الثقة.
الإشكالية العويصة .. إذا لم تُفعل المحاسبة الجادة وربط المسؤولية فعليًا بالعقاب، فستبقى التنمية حبرًا على ورق.
مغرب واحد لا يُبنى بالخطابات فقط، بل بإرادة تنفيذية نزيهة، وعدالة تشمل الجميع.
المشكل اخي الهبري .. ماشي ف الكوكوط .. المشكل فاللي كيطبخو الفساد بلا ما يتحلسبو .. ! .. فتأمل .. !
إلى سعيد مغربي قح…
أحييكم على هذا التعليق الواعي، الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يُشخص مكامن الاختلال بعين فاحصة ومسؤولة…
نعم، ما جرى في سيدي قاسم ليس مجرد حادث عرضي، بل هو مرآة صادقة لما يُسمّى زورًا بـ”الاستثناء”، بينما هو، في الحقيقة، جزء من بنية مزمنة تتعايش فيها الإدارة مع واقع ممعن في التعطيل والمقاومة الصامتة لأي تغيير…
تحويل مركز اجتماعي إلى مشروع خاص تحت غطاء الاستثمار، وبصمت مريب من الجهات الوصية، لا يكشف فقط عن خلل في الحكامة، بل يفضح هشاشة منظومة الرقابة، حين تُصبح المؤسسات إمّا متواطئة أو عاجزة، أو كليهما معًا…
ومعكم كل الحق حين قلتم إن الفساد لا يُفضح إلا عندما يتناطح الفاسدون، وهذه من أعقد مظاهر العبث: حين تُترك الحقيقة رهينة الصراعات الداخلية بدل أن تكون نتاجًا طبيعيا لعمل مؤسساتي رصين…
المشكل، كما تفضلتم، ليس في “الكوكوط” التي تفور وتعمل بتفانٍ في رفع منسوب الضغط لدى الفئات الهشة والفقيرة الغارقة في الإقصاء والتهميش، بل في أولئك الذين “يطبخون الفساد” في الخفاء، محصنين بحصانة غير مكتوبة، وفوق المحاسبة بمفعول رجعي دائم…
إن إرادة التنمية، إذا لم تقترن بشجاعة في