كيف يمكن لمخرج ظل اسمه أسير الجدل أن يتحول إلى واحد من أكثر صناع الصورة قدرة على مساءلة السلطة والحرية والإنسان؟ وكيف استطاعت سينما طالما حوصرت بأحكام أخلاقية جاهزة أن تخفي في أعماقها هذا الكم الهائل من الأسئلة الفلسفية حول الجسد والخوف والرغبة والعزلة؟ ولماذا تبدو أفلام تينتو براس بعد كل هذه العقود أكثر قدرة على استفزاز وعينا مما كانت عليه لحظة ظهورها؟
إن الاقتراب من عالم براس ليس دخولاً إلى سينما تبحث عن المتعة العابرة، بقدر ما هو عبور إلى متاهة بصرية وفكرية، يلتقي فيها الجسد بالتاريخ، وتتصارع فيها السلطة مع الحرية، ويصبح الإنسان فيها آخر حصون المقاومة في مواجهة عالم لا يكف عن ابتكار أشكال جديدة من السيطرة.
ولم يصنع المخرج الإيطالي تينتو براس أبطالاً يعتلون المنصات، ولم يمنحهم صفات القديسين، ولم يكتب لهم انتصارات تليق بأساطير السينما التقليدية؛ فقد أدرك مبكراً أن أكثر المعارك شراسة لا تدور في ميادين الحروب، وإنما داخل الجسد نفسه، حيث تتصارع الرغبة مع القمع، والخوف مع الحرية، والذات مع كل ما يحاول تدجينها وتحويلها إلى نسخة مطيعة من الآخرين. ومن هنا ولد بطله المختلف، ذلك الكائن الذي لا يحمل سيفاً، لكنه يرفض الانحناء، ولا يملك مشروعاً لتغيير العالم، بقدر ما يمتلك إرادة الدفاع عن جوهره الإنساني.
وفي هذا العالم السينمائي، تتحول السلطة إلى شهوة، والشهوة إلى سلطة، ويتحول الجسد إلى أرشيف للهيمنة والمقاومة معاً؛ فلا تعود المرايا مجرد أدوات للزينة، وإنما عيوناً للمراقبة، ولا تصبح القصور علامات للعظمة، ولكنها مسارح للانهيار. ولا تغدو اللذة نقيضاً للفكر، وإنما طريقاً إلى مساءلة أكثر الأسئلة إيلاماً: هل يستطيع الإنسان أن يكون حراً حقاً؟ وهل يملك جسده؟ أم أن المجتمع والتاريخ والأنظمة السياسية تواصل استعمار أكثر مناطق وجوده خصوصية؟
ولهذا تبدو سينما تينتو براس عصية على الاختزال، لأنها لا تكتفي بأن تُرى، وإنما تُفكر وتُناقش وتُقاوم؛ إنها سينما تضع المتفرج أمام مرآته الخاصة، وتجبره على مواجهة ذاته قبل مواجهة الشخصيات. ومن هنا تأتي خطورتها الجمالية وقيمتها الفكرية، فكل صورة فيها تحمل سؤالاً، وكل بطل يترك جرحاً مفتوحاً، وكل فيلم ينتهي تاركاً خلفه ذلك السؤال الذي لا يكف عن المطاردة: هل الحرية حق نملكه، أم معركة نخسرها كل يوم من دون أن ننتبه؟
البطل بوصفه جسدًا يقاوم السلطة
لا يولد البطل في سينما تينتو براس (من مواليد 26 مارس 1933 بمدينة ميلانو الإيطالية) من ساحات المعارك، ولا يحمل ملامح المنقذ التقليدي الذي اعتادت السينما أن تصنع له الهالات. إنه كائن هش، يعيش داخل جسده قبل أن يعيش داخل التاريخ، ويخوض معركته ضد كل سلطة تحاول مصادرة حريته. لذلك يتحول الجسد إلى أول أرض للبطولة، وإلى آخر معاقل المقاومة. فالبطل عند المخرج براس لا ينتصر على الآخرين، وإنما يحاول ألا يُهزم أمام نفسه.
وفي فيلم «Salon Kitty» / “صالون كيتي” يصبح الجسد ميدانًا للصراع بين النظام النازي والفرد. السلطة تريد مراقبة الرغبات وتحويلها إلى وسيلة للتجسس والإخضاع، بينما يحاول الإنسان الاحتفاظ بما تبقى من خصوصيته. وهنا لا تكمن البطولة في حمل السلاح، وإنما في رفض أن يتحول الإنسان إلى آلة داخل منظومة شمولية.
أما في «Caligula» / “كاليغولا” (إنتاج 1979/ المدة 156 دقيقة)، فإن البطولة تتخذ شكلاً مضادًا. فالإمبراطور نفسه ليس بطلاً، فهو نموذج لانهيار البطولة عندما تستولي الرغبة المطلقة على السلطة المطلقة. ويتحول البطل إلى طاغية، ثم يتحول الطاغية إلى ضحية لشهواته. ويقدم المخرج الإيطالي براس درسًا قاسيًا مفاده أن السلطة التي لا تعترف بحدودها تنتهي إلى تدمير صاحبها قبل أن تدمر الآخرين.
وتتردد في أفلامه عبارات تلخص هذه الرؤية، منها قول كاليغولا: “أنا أستطيع أن أفعل كل شيء”، وهي جملة تكشف جنون السلطة أكثر مما تعلن قوتها. وفي المقابل، تبدو شخصيات «Salon Kitty» وكأنها تؤكد بصمتها أن الحرية تبدأ عندما يعجز الخوف عن السيطرة على الجسد.
وهكذا يصبح البطل في سينما براس إنسانًا يقف في المنطقة الرمادية بين الرغبة والقمع، بين الحرية والرقابة، بين الحياة التي يريدها والحياة التي تُفرض عليه. إنه بطل يرفض الامتثال أكثر مما يسعى إلى الانتصار، ولذلك تبقى بطولته مفتوحة على الأسئلة، لا على النهايات السعيدة.
بين اللذة والحرية…
يفكك تينتو براس صورة البطل الكلاسيكي، ويعيد بناءها وفق فلسفة مختلفة تمامًا. فالبطل في عالمه لا يبحث عن المجد، ولا يطارد البطولة بمعناها الأخلاقي أو العسكري، وإنما يبحث عن حقه في أن يعيش كما يريد. لذلك تصبح اللذة، في سينماه، سؤالًا وجوديًا قبل أن تكون فعلًا جسديًا، وتتحول الحرية إلى القيمة الوحيدة التي تستحق أن يخوض الإنسان معركته من أجلها.
في أفلام مثل «Miranda» و «Paprika» و «Monella» لا تبدو الشخصيات الرئيسية ضحايا لرغباتها، وإنما أفرادًا يرفضون أن تصوغ المؤسسات الاجتماعية مصائرهم. ولا تمثل المرأة عند براس مجرد موضوع للنظر، فهي شخصية تحاول استعادة ملكية جسدها وقرارها، حتى وإن قادها ذلك إلى مواجهة المجتمع بأكمله. إنها بطلة تتمرد على الأعراف أكثر مما تتمرد على الأشخاص، وتكسر الحدود التي رسمتها الأخلاق المحافظة بين المسموح والممنوع.
ولا تخلو هذه البطولة من التناقض، فشخصيات براس تدرك أن الحرية ليست مجانية، وأن كل اختيار يحمل ثمنه. ولهذا تتحرك بين الرغبة والندم، وبين الشغف والخسارة، وكأنها تؤكد أن الإنسان لا يصبح حرًا إلا عندما يتحمل مسؤولية اختياراته كاملة.
ويقول كاليغولا في أحد أشهر حوارات الفيلم: «الخوف هو السلاح الوحيد للحاكم»، وهي عبارة تختصر رؤية براس للعلاقة بين السلطة والفرد؛ فالسلطة لا تستمر بالقوة وحدها، وإنما باستمرار الخوف داخل النفوس. وفي المقابل، تبدو شخصيات «Paprika» / “بابريكا” (إنتاج 1991/ المدة 99 دقيقة) وكأنها تجيب عمليًا بأن الحرية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الخوف من أحكام الآخرين.
ولهذا لا يمكن النظر إلى بطل براس باعتباره نموذجًا أخلاقيًا مثاليًا، لأنه لا يسعى إلى الكمال أصلًا. إنه شخصية مليئة بالرغبات والأخطاء والتناقضات، لكنها ترفض النفاق. ومن هنا تأتي فرادته؛ فهو يفضل السقوط بحرية على النجاة بالخضوع، ويختار أن يعيش حياته وفق منطقه الخاص، حتى لو انتهى وحيدًا أو مهزومًا.
إن البطولة في سينما تينتو براس ليست انتصار الخير على الشر، وإنما انتصار الإنسان على القوالب التي تريد تحويله إلى نسخة مطابقة للآخرين. لذلك يظل بطله شاهدًا على أن الحرية ليست شعارًا سياسيًا فحسب، بل تجربة شخصية تبدأ من الجسد، وتمتد إلى الفكر، وتنتهي عند الحق في أن يكون الإنسان نفسه، مهما كان الثمن.
البطل بوصفه شاهدًا على انهيار العالم…
تنتهي رحلة البطل في سينما المخرج الإيطالي تينتو براس إلى حقيقة مؤلمة؛ فالعالم لا يكافئ الأحرار، والسلطة لا تتسامح مع المختلفين، والتاريخ لا يكتب دائمًا قصص المنتصرين، ولكنه يحتفظ أيضًا بحكايات أولئك الذين يرفضون الانحناء. ولذلك يبدو البطل في أفلامه شاهدًا على انهيار القيم أكثر من كونه صانعًا لانتصاراتها، ويغدو وجوده فعلًا من أفعال المقاومة الجمالية في وجه عالم يزداد قسوة.
ولا يؤمن المخرج براس بالبطل المعصوم، ولا بالشخصية التي تمتلك الحقيقة كاملة. فأبطاله يخطئون ويرغبون ويترددون ويقعون في التناقضات، لكنهم يحتفظون بشيء جوهري هو رفضهم أن تتحول حياتهم إلى نسخة تفرضها السلطة أو المجتمع. ومن هنا تكتسب البطولة بعدًا فلسفيًا؛ إنها القدرة على الدفاع عن الفردانية في زمن القطيع.
وفي فيلم «Caligula»، لا يروي براس فقط سقوط إمبراطور روماني، ولكنه يقدم تشريحًا لانهيار الإنسان عندما تتحول السلطة إلى شهوة لا تعرف الحدود، حين يقول كاليغولا: «أنا حي… ولذلك أنا إله»، وهي عبارة تكشف الوهم الذي يصيب المستبد حين يخلط بين السلطة والألوهية، وبين القوة والخلود. وما إن يبلغ هذا الوهم ذروته حتى يبدأ الانهيار، وكأن براس يؤكد أن كل سلطة تنفصل عن إنسانيتها تحمل بذور فنائها في داخلها.
وفي «Salon Kitty» / “صالون كيتي”، تصبح الشخصيات التي تبدو ضعيفة أكثر قدرة على البقاء من الذين يملكون السلطة. فالأنظمة الشمولية قد تسيطر على الأجساد، لكنها تعجز عن امتلاك الوعي بالكامل. وتتحول البطولة هنا إلى فعل صامت، وإلى مقاومة يومية صغيرة، وإلى إيمان بأن الحرية لا تُقاس بحجم الانتصارات، وإنما بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بكرامته.
وبهذا المعنى، يختلف بطل تينتو براس عن أبطال السينما الإيطالية الكلاسيكية. إنه لا يحمل مشروعًا لتغيير العالم، ولكنه يحمل رغبة في ألا يسمح للعالم بتغيير جوهره. إنه بطل يعيش على الهامش، لأن المخرج نفسه اختار الهامش فضاءً جماليًا وفكريًا، مؤمنًا بأن الأسئلة الكبرى لا تُطرح دائمًا من المركز، وإنما من المناطق التي تبدو منسية أو مزعجة.
وربما تختصر مقولة تينتو براس فلسفته كلها: «السينما بالنسبة إليّ هي الحرية». ومن هذه الحرية يولد بطله، وإليها يعود دائمًا. فهو بطل لا يبحث عن المجد، ولا ينتظر اعتراف التاريخ، ولكنه يترك خلفه سؤالًا مفتوحًا: هل يستطيع الإنسان أن يبقى حرًا في عالم لا يكف عن ابتكار أشكال جديدة من السيطرة؟ وهنا تكمن القيمة الحقيقية لسينما تينتو براس، حيث تتحول البطولة من حدث درامي إلى موقف وجودي، ومن انتصار خارجي إلى انتصار داخلي لا يراه إلا من يؤمن بأن الحرية هي آخر ما يملكه الإنسان.
تحول الصورة إلى بطل الفيلم
لا يصنع تينتو براس مشاهده الجمالية بالاعتماد على الحدث وحده، وإنما يبنيها انطلاقًا من الطريقة التي ترى بها الكاميرا العالم. ففي سينماه، لا يسبق الحدث الصورة، ولكن تولد الحكاية من داخل التكوين البصري نفسه. ولهذا تبدو بعض مشاهده، حتى بعد مرور عقود، راسخة في الذاكرة لأنها لا تُروى بالكلمات، وإنما تُستعاد بالعين.
وفي فيلم «Salon Kitty» يبتكر براس واحدة من أكثر صوره إزعاجًا في السينما الإيطالية؛ فالبيت الذي يبدو في ظاهره فضاءً للمتعة يتحول تدريجيًا إلى مختبر للمراقبة السياسية. وتتحرك الكاميرا بين الممرات والغرف والمرايا كما لو كانت عين السلطة نفسها. وهنا لا يعود المشهد مجرد ديكور، بقدر ما يصبح استعارة بصرية للدولة الشمولية التي تراقب حتى أكثر اللحظات خصوصية. وتتحول المرايا إلى شهود، والأبواب إلى أفخاخ، والصمت إلى لغة أكثر رعبًا من الحوار.
وفي فيلم «Caligula» يبلغ المشهد الجمالي ذروته عندما تتحول القصور الرومانية إلى مسرح للجنون الإمبراطوري. ولا يبحث براس عن الواقعية التاريخية بقدر ما يبحث عن صورة السلطة وهي تلتهم ذاتها. فالأعمدة الضخمة والفضاءات المفتوحة والجموع الصامتة، جميعها عناصر تجعل الإمبراطور يبدو وحيدًا رغم امتلاكه العالم. وكأن الصورة تقول إن الطغيان يبدأ حين يصبح الإنسان أكبر من القانون وأصغر من إنسانيته.
وفي «Miranda» (إنتاج 1985/ المدة 99 دقيقة) يخلق براس أيقونيته بطريقة مختلفة؛ إذ تتحول الحانة الريفية إلى فضاء تختلط فيه الحياة اليومية بالرغبة والحنين. ولا يعتمد على اللقطات الكبيرة وحدها، ولكنه يمنح الأشياء الصغيرة قيمة درامية: نافذة مفتوحة، ضوء شمس يتسلل إلى غرفة، ستارة تتحرك مع الريح، أو كأس نبيذ على طاولة خشبية. وتمنح هذه التفاصيل المشهد روحه، وتجعل الحياة نفسها بطلة للصورة.
ومن أشهر العبارات التي تلخص فلسفته البصرية قوله: «أنا لا أصنع أفلامًا عن الجسد، بل أصنع أفلامًا عن الحرية»، كما يقول كاليغولا في لحظة غروره الإمبراطوري: «إذا كان الجميع يخشونني، فأنا خالد»، غير أن الصورة نفسها تكذب هذه العبارة؛ فالكاميرا تكشف أن الخوف لا يصنع الخلود، بقدر ما يعجل بالسقوط.
ولهذا لا تُقاس المشاهد الجمالية عند المخرج تينتو براس بحجم الصدمة التي تحدثها، وإنما بقدرتها على تحويل المكان إلى فكرة، واللون إلى موقف، وحركة الكاميرا إلى لغة فلسفية. فالمشهد عنده لا ينتهي بانتهاء اللقطة، ولكنه يظل عالقًا في الذاكرة، لأنه لا يصف العالم كما هو، وإنما يكشف العالم كما تخفيه السلطة والرغبة والإنسان.
الكاميرا بدل الشخصيات
لا تُولد جمالية المشهد عند المخرج تينتو براس من الحوار، ولكن من الطريقة التي تتحرك بها الكاميرا داخل الفضاء. فالكلمات في سينماه تأتي متأخرة دائمًا، بينما تبدأ الحكاية منذ اللحظة التي تختار فيها العدسة زاويتها. ولذلك يمكن مشاهدة مقطع كامل من أفلامه من دون صوت، ومع ذلك يظل المعنى حاضرًا بقوة، لأن الصورة هي التي تتولى السرد.
وفي فيلم «Caligula»، تتجلى هذه الرؤية في مشاهد الاحتفالات الإمبراطورية. ولا يصورها المخرج براس بوصفها استعراضًا تاريخيًا، ولكن بوصفها كرنفالًا لانهيار الحضارة. وتتحرك الكاميرا وسط الحشود، ثم ترتفع فوقها، قبل أن تعود إلى وجه كاليغولا، وكأنها تقارن بين اتساع الإمبراطورية وضآلة الإنسان الذي يتوهم امتلاكها. وهنا تصبح الحركة البصرية نقدًا للسلطة أكثر من أي خطاب سياسي مباشر.
ويبلغ هذا الوعي الجمالي ذروته في المشهد الذي يقف فيه كاليغولا أمام مجلس الشيوخ، حيث تبدو العمارة الرومانية الهائلة أكبر من الإمبراطور نفسه. وتبدو الأعمدة وكأنها تراقبه، فيما تتحول المساحات الفارغة إلى استعارة لوحدة الحاكم، حينما يقول كاليغولا: «العالم ملك لمن يجرؤ على أخذه»، لكن المخرج براس يضع هذه العبارة داخل صورة تؤكد العكس؛ فكلما اتسعت السلطة، ازداد الفراغ الذي يحيط بصاحبها.
وفي فيلم «Salon Kitty» يصنع المخرج براس مشاهد جمالية اعتمادًا على المرايا والنوافذ والممرات الطويلة. وتبدو الشخصيات مراقبة باستمرار، حتى عندما تعتقد أنها وحدها. وتتحول العدسة إلى امتداد لعين النظام، بينما يصبح المشاهد شريكًا في عملية المراقبة، وهو ما يمنح الفيلم بعدًا نفسيًا بالغ التعقيد. إن الأيقونية هنا لا تكمن في الجسد، ولكن في الإحساس الدائم بأن الحرية محاصرة من كل الجهات.
أما في «Paprika» / “بابريكا” (الفلفل الأحمر الحلو المجفف) (إنتاج 1999/ المدة 99 دقيقة)، فيتخذ العنوان حالة مجازية (لقب مهني) تمنحه صاحبة بيت الدعارة للبطلة ميما عندما تدخل هذا العالم. وتتخذ المشاهد الجمالية منحًى أكثر إنسانية. ويستخدم براس الضوء الدافئ والألوان الزاهية ليخلق مفارقة مؤلمة؛ فكلما ازدادت الصورة جمالًا، ازداد شعور الشخصية بوحدتها. ويصبح اللون قناعًا يخفي الحزن، وتتحول الابتسامة إلى وسيلة للدفاع عن الذات، فتكتسب اللقطة عمقًا يتجاوز ظاهرها.
ويختصر المخرج تينتو براس فلسفته السينمائية بقوله: «العدسة لا ترى ما تراه العين، بل ما تشعر به». ولهذا لم تكن مشاهده الجمالية مجرد صور جميلة، ولكنها كانت بناءً بصريًا يضع المتفرج داخل التجربة بدل أن يجعله يراقبها من الخارج. ولا تمثل الكاميرا لديه أداة تسجيل، ولكنها عقل الفيلم وروحه، ومنها تولد المشاهد التي بقيت، رغم الجدل الذي أحاط بأفلامه، جزءًا من الذاكرة البصرية للسينما الإيطالية.
الذاكرة التي لا تموت
تظل المشاهد الجمالية في سينما تينتو براس عالقة في الذاكرة لأنها لا تنتمي إلى زمن عرض الفيلم وحده، ولكنها تستمر في إنتاج دلالات جديدة كلما أعيدت مشاهدتها. ولا يمكن اعتبار الصورة عنده وثيقة بصرية، وإنما هي كائن حي يتغير مع تغير عين المتفرج. ولهذا لا يمكن اختزال مشاهده في بعدها الإيروتيكي والحميميات، لأن طبقاتها الجمالية والرمزية أعمق بكثير من ظاهرها؛ فهي تتحدث عن السلطة والخوف والرغبة والعزلة وانهيار الإنسان حين يتوهم امتلاك العالم.
وفي فيلم «Caligula»، يبقى مشهد اغتيال الإمبراطور من أكثر اللحظات كثافة في الفيلم. ولا يقدمه المخرج براس بوصفه نهاية رجل، وإنما بوصفه النهاية الحتمية لكل سلطة فقدت علاقتها بالإنسان. وتتراجع الضوضاء تدريجيًا، ويحل الصمت محل صخب القصور، بينما يتحول الجسد الذي كان يفرض الرعب إلى جسد هش يخضع للمصير نفسه الذي يخضع له الجميع. وهنا تبلغ الصورة ذروة معناها الفلسفي؛ فالموت هو المخرج الوحيد من وهم العظمة.
وفي فيلم «Salon Kitty»، تبقى اللقطات التي تجمع بين الفخامة والرقابة من أكثر الصور رسوخًا. فالأثاث الفاخر والثريات والمرايا والستائر المخملية، كلها تتحول إلى أدوات تكشف الوجه الناعم للاستبداد. ولا يحتاج المخرج براس إلى مشاهد الحرب كي يفضح النازية؛ يكفيه أن يجعل الكاميرا تتجول داخل المكان، لتكتشف أن القمع يمكن أن يرتدي أفخم الملابس.
أما «Frivolous Lola» و«Cheeky» (الجرئية أو اللعوبة) (إنتاج 2000 / المدة 91 دقيقة)، فيكشفان وجهًا آخر من أيقونية براس، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى احتفال بالحياة. الضحكات، وحركة الشخصيات في الشوارع، والألوان المضيئة، والإيقاع الخفيف، كلها عناصر تجعل الصورة تبدو وكأنها تحتفي باللحظة العابرة، لكن خلف هذا الاحتفال يختبئ سؤال وجودي: هل يستطيع الإنسان أن يعيش حريته كاملة من دون أن يصطدم بالمجتمع؟
ويقول كاليغولا في واحدة من أكثر عباراته دلالة: «السلطة لا تعرف الشبع». وتأتي الصورة لتكمل هذه الفكرة، مؤكدة أن الجشع إلى السلطة يشبه الجشع إلى اللذة؛ كلاهما يبدأ بوعد السعادة وينتهي بالعزلة والانهيار. أما المخرج تينتو براس فيرى أن السينما لا تُقاس بما ترويه، ولكن بما تتركه في ذاكرة المتلقي، وهو ما تعبر عنه عبارته الشهيرة: «الفيلم الحقيقي هو الذي يستمر داخل المتفرج بعد إطفاء شاشة العرض».
ولهذا لا تكمن أيقونية المشهد عند تينتو براس في جرأته أو في قدرته على الاستفزاز، بل في نجاحه في تحويل الصورة إلى فكرة، واللون إلى خطاب، وحركة الكاميرا إلى تأمل فلسفي في الإنسان. لقد صنع مشاهد لا تُنسى لأنها لا تكتفي بأن تُرى، بل تُفكَّر وتُناقش، وتُعاد قراءتها مع كل مشاهدة جديدة، لتؤكد أن الصورة العظيمة هي التي تهزم الزمن، وتبقى حيّة بعد أن يصمت الفيلم وتُغلق الستارة.
ختاماً
تؤكد سينما تينتو براس، في نهاية المطاف، أن البطولة لا تُقاس بحجم الانتصارات، وإنما بقدرة الإنسان على الدفاع عن فردانيته وسط عالم يسعى إلى تدجينه. وتكشف أن الجسد ليس موضوعًا للمتعة العابرة، ولكنه نص بصري يحمل آثار السلطة والخوف والرغبة والتمرد. ومن خلال صورة مشحونة بالدلالات، وكاميرا تفكر بقدر ما ترى، استطاع براس أن يحول السينما إلى مختبر فلسفي يزعزع اليقين ويفتح أبواب التأويل. وهكذا تبقى أفلامه، مهما أثارت من جدل، دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الحرية وحدود السلطة والقيمة الوجودية للإنسان حين يصر على أن يكون نفسه، مهما كان الثمن.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.