لم يعد في هذا العالم اليوم عاقل يلتفت، أو بالأحرى يؤمن ويتماهى مع ما تمور به العديد من المنصات الإخبارية والمواقع الإلكترونية والصفحات الاجتماعية وقنوات “يوتيوب” و”تيك توك” وسواهما من محتوى ضحل من حيث القيمة، شكلا ومضمونا. لكننا في المقابل لا نعمم، إذ توجد منصات ومواقع هادفة تعمل على نشر ثقافة تنويرية متقدمة، هدفها خدمة الإنسان والقيم الكونية المشرقة، التي راكمتها الإنسانية بكل ما يلزم من كد واجتهاد ومثابرة، لم تخل في غالب الأحيان من عنصر المغامرة، ولم يكن السبيل إلى بلوغ المرام والأهداف سهلا، وبالتالي؛ تبقى حماية الحضارة والثقافة باعتبارهما تجليات كبرى ضمن السجل التاريخي للبشرية هدفا وغاية، يستوجب الذود عنهما بشجاعة وقوة.
لعل المحتوى الذي تعرضه المنصات والصفحات والقنوات المعلومة -وما أكثرها- يفسر -للأسف- شيئا واحدا ووحيدا؛ ألا وهو نشر قيم وثقافة معلبة، تجد صداها في الأوساط الاجتماعية ولا سيما الشعبية (الأوساط المهنية والتكتلات البشرية المتمركزة في ضواحي المدن الكبرى) منها التي لم تتح لها فرص التعليم والتكوين في الحواضر كما في الأرياف؛ بحيث يسهل نقل المحتويات إليها، عبر قنوات أفقية متعددة، بما في ذلك الأخبار والمعلومات العامة والخاصة؛ كلمة وصوتا وصورة، في محاولة للتأثير على الفئات العريضة من المتلقين، المحسوبين على القاعدة العريضة الهشة التي كما أشرنا سابقا تعاني من العوز والهشاشة الاجتماعية والضعف في التكوين والتأطير وهي تعد بالآلاف إن لم نقل بالملايين! هذه الفئات غالبا ما يتم استغلال جهلها وبالتالي يسهل تطويعها وفق برامج معلومة وموجهة بعناية فائقة لتحقيق أهداف وغايات، تندرج ضمن فلسفة المنصات العالمية الكبرى، التي لا ترحم، كما لا ترى مانعا لحمل هذا المحتوى أو ذاك على محمل الجد، بل تسارع إلى توضيبه وتصنيفه، في أفق نشره وتسويق محتواه على نطاق واسع حتى يستجيب لانتظاراتهم التجارية، المرتبطة بنظام السوق، المبنية على استطالاتي العرض والطلب.
ناهيك عن الأفق الثقافي الليبرالي الذي يحكم نظرة بل سياسة الجهات القيمة على المنصات العالمية العملاقة.
الأصل في استخدام المواقع والمنصات الإلكترونية للبيانات والمعلومات الشخصية يعود بالأساس إلى خلق نوع من المعرفة الأفقية السطحية التي تثير الجدل حول موضوعات مشتركة بين رواد ومنخرطين في حسابات شخصية؛ جامعها استهلاك وترويج عبر مجموعات الغريب والشاذ، اللذين تسعى المنصات والصفحات المذكورة ذاتها إلى “شرعنتهما” وإضفاء الصبغة التمييزية اللازمة على مضامينهما لاستساغته وجعله تمرينا، يسمح لمن هو في عداد المستهدفين التفاعل معه والتجاوب مع الشكل الذي يعرض فيه، الأمر الذي يسوغ رسائله ويؤشر على قبولها لدى الأوساط الاجتماعية العريضة.
ما من شك، أن الصورة المثلى التي تنهض على دعامتها صناعة التفاهة في مجتمعنا تسكنها ألوان شتى من “رجس الشيطان”، ونعني بذلك كيف نمضي بمجتمعنا الذي تحكمه عدة تناقضات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية إلى التغيير المنشود الذي يعتبر مطلبا ملحا من قبل الجميع، لتفادي أشكال التخلف والجهل والأمية والاستبداد بمختلف تمظهراته وتجلياته؟
في المحصلة، الوقوف بحزم في وجه التفاهة التي ما فتئت تنتشر بقوة في أوساط المجتمع المغربي أسوة ببقية المجتمعات العربية وتنخر أوصاله من خلال تطبيقات وصفحات ومواقع مغرضة، تحد كبير لما له من أوجه وتجليات موضوعية، متصلة بالتقدم التكنولوجي وصناعة الصورة، وقدرة هذه الأخيرة على توقيع الأثر لدى المتلقي/ المستهلك، وخاصة الذي لم تسعفه ظروفه الاجتماعية وظروف تدني وعوز أسرته -وما أكثرها في مجتمعاتنا- على التمدرس لتمنيع الذات بصقل موهبته وامتلاك مؤهلات وتعلم مهارات، تحول دون السقوط في كنف الرداءة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.