كانت فكرة هذا المقال وعنوانه كذلك سابقين على كتابة مقال “سكوت وكلام“. راودتني فكرة كتابته عن نفسي طويلا، فاستسلمت لها. كان المقال سابق الذكر، والذي تلته مقالات أخرى، بمثابة مقدمة للمقال الحالي؛ لكن تلك المقدمة، وفي غفلة مني، أو بتواطؤ معي، أو بسبب شيء آخر لا أعرفه، أخذتْ، من تلقاء ذاتها، لسبب ما، تطول وتطول إلى أن صارت مقالا قائما بذاته ومستقلا. وبهذه الصفة نُشر. فللكتابة إرادتها الخاصة، ومنطقها الخاص، وإستراتيجيتها الخاصة، وتوجهاتها الخاصة، وإيقاعها الخاص. يقول أحد الشعراء الإسبان، وهو خوسيه يرو، إن الشعر يُكتب حين يريد هو نفسه أن يُكتَب، وليس حين يريد الشاعر أن يكتبه.
تحضرني وأنت واقف قبالتي، أو بجانبي، أو جالس إلى جواري، وتستمع وتنصت إلي، والكلمة لي؛ لكنني لا أعرف حقيقة ماذا بوسعي أن أقول لك، أو عنك. يا إلهي، من أين أبدأ؟
أبدأ بالتأكيد على أنني لا أذكر أبدا أنكَ طالبتني، في يوم من الأيام، بالسكوت، وصادرتَ حقي في الكلام، فاحتقن في صدري، واختنق، وخنقني. أحيانا يكون الاختلاف بيننا، في وجهات النظر وفي المواقف، كبيرا جدا، وتبدو الهوة بيننا غير قابلة للتجسير. ومع ذلك لم تحاول، في يوم من الأيام، أن تفرض عليّ شيئا لا أستطيع أن أقبله أو أستسيغه.
عندما يتعذر أن يقنع أحدنا الآخر، وكثيرا ما يحدث ذلك بسبب اختلاف المنطلقات الفكرية والمناهج، تكتفي، وذاك هو واجبك، بإسداء نصائح عامة، وتبقى لي حرية الاختيار بين تركها أو الأخذ بها. وبهذه الطريقة تعلمتُ أن أكون مستقلا، وحرا تماما في اتخاذ القرارات التي تخصني، حتى المصيرية منها، وأتحمل كامل المسؤولية في ذلك، فلا ألقيها على الآخرين، ولا أهابها، ولا أتهرّب منها.
أجادلك عادة وأُكثر من جدالك. ولا أخفيك أنني أجد متعة في ذلك. بينما تأخذ أنت الأمر بجدية أكبر. فلا تتوانى أبدا في البحث عما يفحمني، ويجعلني أصمت عن قناعة، ولا تتوقف عن تقديم البراهين على صحة ما تدّعيه، وعن مقارعة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل. هذا، كان ولا يزال، هو مسلكك.
منك تعلمتُ أن أي نقاش حقيقي لن يكون مثمرا، ولن تكون له أية أهمية أو قيمة، ما لم يكن مستندا إلى المعرفة، وليس إلى آراء شخصية التي تكون عادة غير ممحّصة، وغير مُفكر فيها، ويتم ترديدها بحكم العادة، وبذلك فهي تشكل عائقا وليست مفتاحا. يحتاج النقاش، الذي يستحق هذا الاسم حقا، إلى الكثير من القراءة والاطلاع. وإذا لم يكن هذا هو أساسه، فإنه لا يعدو أن يكون مضيعة للوقت، وعبثا في عبث.
لا غرابة في أن تكون مكتبتك عامرةٌ. الغرابة في ألا تكون كذلك. وقد ظلت، على مر السنين، تزداد كبرا وتنوعا. والأكيد هو أن لكل كتاب من كتبها قصة خاصة. تثيرني دائما رائحة، ولون، وعناوين الكتب فيها. وهي زادك الذي لا ينضب، وكنزك الذي لا يفنى، وحرصك عليها شديد. وقد كنتَ دائما تجد صعوبة في ربط تواصل حقيقي مع من انتهى عصر القراءة لديه، وأحيانا منذ زمن بعيد، بما في ذلك بعض زملائك في المهنة. أين مثل هؤلاء من العلم الذي يُفترض أن يُطلب في بداية العمر كما في أرذله، من مهد الإنسان إلى لحده؟ لا يتطلب الأمر جهدا لمعرفة هؤلاء. أسئلتهم تفضحهم. أسئلة تدفع المرء دفعا إلى الصمت فلا يردّ، ويكتفي بأن يردّد في نفسه: “آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه.”
الشيء الوحيد الثابت الذي لم أعهدك تشتكي من غيره هو ضيق الوقت. فأنت تعرف أن عمرا واحدا لا يكفي أبدا من أجل قراءة كل الكتب، أو إعادة قراءة بعضها. مع العلم أن لك ذاكرة نادرة جدا، وتثير الغيرة حقا، تغنيك عن العودة باستمرار إلى الكتب التي سبق لك أن اطلعت عليها.
إلى جانب قوة الذاكرة حباك الله بصوت رخيم يجد لنفسه سبيلا إلى الداخل، دون عناء، عبر مسام الجلد وليس عبر الأذنين فقط. ترتيلك لكلام الله في جوف الليل لا يزال يتردد صداه في الوجدان، ولا يزال، كما كان، ينشر، في كل مكان، الطمأنينة والسلام.
وها أنا اليوم أتحدث إليك، لكنك لن تسمع، في هذه المرة صوتي، لأنني أريد أن يكتسي كلامي لحما، ويصير قابلا لأن يُرى. أريد أن أُجرب الحديث إليك كتابة. وإنني أعلم علم اليقين أنك لن تقرأ ما سأخطه بمفتاح حاسوبي أبدا، ولن يأتيك أي هدهد بخبره. والسبب بسيط جدا هو أنك تعيش في عالم ما قبل الإنترنيت. ولا علم لك بما يجري في هذا العالم الجديد، ولا ما يُنشر فيه، وليست لديك أية رغبة، أو فضول، في اكتشافه. أنت لا تعرف أبدا كم أغبطك يا رجل !
في تلك القرية البعيدة ولدتَ ذات يوم. بدأت حياتك، مثل الأنبياء، راعيا للغنم. قادتك الأقدار وأنت صبي إلى المدرسة. حضرت درسا في اللغة يشرح فيه أستاذ، مولع باللغة العربية، لتلامذته الصغار كلمات فصيحة، مثل الزمهرير، موظفا مهارات مبهرة ومستخدما تعبيرات جسدية بليغة. في ذلك اليوم البعيد بدأت القصة، التي تحبُ أن تسرد في سعادة، وتعيد سرد تفاصيلها وحيثياتها.
أخذ الموضوع بلبك سريعا، واستحوذ عليك حب المعرفة. حتى إن الدريهمات القليلة التي كانت تصل إلى يديك كنت تسلّمها، دون تردد، إلى أقرانك مقابل سهرهم على رعي غنمك في غيابك. كان هؤلاء الصغار يقصدون الحقول وكنت أنت تقصد “الكتّاب” للتعلم. بُعيد ذلك تركت، ضد رغبة أسرتك، رعي الغنم، كما تركت كل شيء وراءك، بما في ذلك أسرتك ذاتها، ورحلت مدفوعا بحب المعرفة، وفي سبيل المعرفة.
قضيتَ سنوات طويلة طالبا، مجدّا ومجتهدا، قبل أن تقفل عائدا وفي حوزتك إجازة من شيخ من شيوخ بني زروال، الذين ظلت مكانتهم منارة في قلبك. ومنذ عودتك عشت حياتك على خطى الأنبياء، وأنفقتها، ولا تزال كذلك، تُعلّم الناس طريقهم إلى السماء، فكسبت، دون أن تسعى إلى ذلك، مكانا في قلوبهم، ومكانة في جماعتهم. فهم لا يكفون عن الافتخار بك، والاحتفاء بك في كل الأوقات، وفي كل المناسبات، وخارج المناسبات.
وبطبيعة الحال، أشهد أن لك، مثل كل الناس، أخطاءك، كبيرة وصغيرة، ولك عيوبك الخاصة. وأعرف أن الكثير من عيوبي ورثتها عنك، والغريب هو أنني لا أعرف كيف حدث ذلك. علما أنني لم أحاول أبدا أن أتشبه بك، وما أكثر الأشياء التي تدفعني إلى ذلك، أو أن أتخلص من جلبابك، وما أكثر أيضا الأشياء التي تدفعني إلى ذلك. وفي النهاية، الأمران معا ليسا بيدي.
في جميع الحالات، ومطلق الأحوال، ما أود أن أقوله لك، وباعتزاز، هو أنني فخور جدا كونك والدي.
منا لوالديكم باقة ورد أجمل من كل باقة هديناها من قبل،بارك الله لكم وبارك عليكم وجمعكم على كل خير. هو مقال على وضوحه وسلاسته، قد يجعل العين تفيض .بوركتم.