عن الإعلام ومحاكاة الحقيقة؟

عن الإعلام ومحاكاة الحقيقة؟
الأربعاء 6 غشت 2025 - 19:55

هل تكون الحقيقة سجنا للأفكار ومجتمعا لتصريف المعلومات، مهما كانت تقديراتها في الرصد والتجميع والاستقصاء؟ ذلك، أن مسألة التحقق من صحة الأخبار في عملية التتبع الإعلامي، عند تنوع المحتوى، وتشاكل مديات الصور والفيديوهات والتحديثات الشخصية، يوازي في القيمة والتأثير تحسين الأداء الصحفي والإعلامي مع الحرص على تقديم معلومات وبيانات صحيحة، بغاية التداول والنشر وإدارة المعرفة. وهو أمر لا يجاوز البتة بحثنا عن الحقيقة من داخل الصندوق، مع الاعتبارات الموضوعية والثقافية والقانونية، للمحتوى، والذي من أهم خصائصه التي يقوم عليها، التقصي الدقيق ووضع معايير سليمة لكيفية التحقق من الأخبار المكذوبة، ما ينتج عن ذلك كله، من عوامل التدقيق في عناصر الصورة أو الفيديو، كما هو الحال بالنسبة، للزمن والمكان والعلامات الظاهرة والصوت واللغة والمظهر العام للأشخاص.

نعم، الإعلام ينصت لضمير الحقيقة أنى اقتفت أسرارها، وأنى جاوزت مظانها، حيث لا يقصر التفكير في النبش عن مصدرها، دون امتلاك الأدوات والمفاعيل التي تجعل من المغامرة فيها وعدم تجاوز نظامها، أمرا محذورا ومتجاوزا. فهي تلقط أنفاسها من حالة التشكك، والإيغال في تفكيكها إلى وضع لا يلتبس ولا ينوء إلى نقض البراهين. وهو ما يجد محذوراته وتوابعه السلبية أكثر اصطراعا وتجاذبا، مع شيوع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول وسائل الإعلام في عمومها، إلى الطفرة الرقمية، وبات من اليسير والمتناول تداول معلومات وبيانات مدهونة بالمحتويات الكاذبة المفبركة والزائفة.

وليس خافيا على مهتمي الإعلام والكتابة الصحفية والنشر المعلوماتي، أن يتبنى العالم منذ العام 2016 يوما عالميا للتحقق من صدقية الأخبار على الأنترنيت، اختير لذلك الثاني من أبريل من كل عام، وهو اليوم التالي لما يعرف بيوم “كذبة أبريل”، حيث يرمز الاحتفاء إلى حماية الجمهور من انتشار وباء المعلومات الخاطئة والمزيفة، خصوصا خلال الأزمات المتعاقبة من الكوارث الطبيعية أو الصحية أو الحروب العسكرية. ونحن هنا، نستقطع جزءا لا غنى عنه، في حقل أخلاقيات الصحافة، وارتباطها بجَلْبِ المَصادِرِ وفَهْمِ ومُعالَجةِ قَضِيةِ المَوْضُوعِيَّة، والانتباه إلى أثَرَ المدوّناتِ والإِنْترنِت عَلى القِيَمِ التَّقلِيديَّةِ للصَّحافَة. إذ غالبا ما يضعنا الإعلام أمام فوهة البحث عن الحقيقة، حتى في وضعية تجاوز الأخلاقيات، التي تصبح تحت رحمة البحث عن صناعة الرأي الموجه، المنحاز لقيم المادية والدوغمائية وعقيدة الامتلاك.

ولأنه لا محيد للإعلام عن الحقيقة كأخلاق ووازع ضميري، فإنه أضحى من الأكيد راهنا، ملامسة هذه الجوانب في أشكال وتأثيرات السياسات الإعلامية التي تنتهجها السلط، على الصحافة والإعلام بشكل عام، والتدخل في رسم ضوابط وحدود أخلاقيات، هي بمثابة المركز الذي تقوم عليه البيئة الثقافية في مجتمعاتنا، والأحداث الأخيرة التي جاءت متسلسلة وصادمة، كوباء كورونا وزلزال الحوز وحربي روسيا وأوكرانيا وحدث 7 أكتوبر وما تلاها من إبادة غزة، تضعنا أمام هذا الامتحان الصعب، حيث تعاني الحقيقة الإعلامية من سوء الانضباط لمبادئ الحياد والمصداقية وتداول حرية الرأي والنزاهة والاستقلالية والموضوعية. وهو ما خصصنا له سابقا فصلا كاملا ضمن كتابنا “في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الخميس 7 غشت 2025 - 19:11

    “الحقيقة قد تُطمس لفترة، لكنها لا تختفي إلى الأبد، فكل كذبة تحمل في داخلها بذرة انهيارها، وكل حقيقة تحمل في صمتها قوة ظهورها.”

    أستاذ مصطفى،
    قرأت مقالكم بتأمل عميق، فوجدته إضاءة مهمة على واحدة من أعقد إشكاليات عصرنا الرقمي. لقد نجحتم في تشريح العلاقة الملتبسة بين الإعلام والحقيقة، حيث أصبح الفضاء الإعلامي ساحة لصراع الروايات قبل أن يكون منصة لنقل الوقائع.

    ما أثار إعجابي بشكل خاص هو تركيزكم على أزمة التحقق من الأخبار في ظل الطوفان المعلوماتي الذي نعيشه. ففي زمن صارت فيه اللايكات والمشاركات هي معيار المصداقية، بدلاً من الدقة والموضوعية، أصبحنا أمام ظاهرة خطيرة: تحول الإعلام من ناقل للأخبار إلى صانع للوقائع البديلة.

    أختلف معكم في نقطة واحدة: ففي حين تركزون على دور المؤسسات الإعلامية، أرى أن جزءًا كبيرًا من المسؤولية يقع على عاتقنا كمستهلكين للمحتوى الإعلامي. ففي عصر التدفق المعلوماتي، لم يعد المتلقي مجرد مستقبل سلبي، بل أصبح شريكًا في عملية صناعة المعنى وتداول الحقائق.

    “في بحر المعلومات الزاخر، لا تغرقنا الأمواج العاتية، بل غياب بوصلة الحكمة التي تميز بين الحقيقة والزيف”

    ALHOCEIMA

  • رأي1
    الإثنين 11 غشت 2025 - 00:26

    الغريب في ما يلاحظ هو ذلك التنافض بين المحتوى الاعلامي وجديته ومصداقيته احيانا وبين الموقف السياسي.فمن الناحية الظاهرية يبدو وكما لو ان الاداة الاعلامية تخدم موقفا سياسيا معينا بينما في الواقع تجد الجهة الممتلكة لتلك الاداة تسير مواقفها في الاتجاه المعاكس.انها لمفارقة غريبة تجعلك تشعر بانك ضحية للنفاق والمكر.والغريب في الامر ان الحقيقة ونقلها قد يكون مميتا لبعض الصحفيين.فهل هذه الادوات ما هي سوى اقنعة تختفي خلفها منظومة المواقف الحقيقية مما يجري

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 1

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل