فضة تيزنيت .. الحِرَفية والأصالة تقاومان التقليد و"الابتذال الرقمي"

فضة تيزنيت .. الحِرَفية والأصالة تقاومان التقليد و"الابتذال الرقمي"
صور: هسبريس
الإثنين 14 يوليوز 2025 - 23:30

في زحمة الأسواق وعروضها المتكاثرة، تتسلل موجة من “العروض الاحتيالية” التي تتقمص هوية “فضة تيزنيت”، فتلبس بريقها مُحاولةً السطو على روح صنعة توارثها صنّاع تيزنيت جيلًا بعد جيل، من خلال استغلال سمعة مدينة لطالما اعتُبرت عاصمة الفضة بالمغرب، وتحتضن سوقًا مخصصًا بالكامل لهذا المعدن النفيس، إلى جانب مهرجانات ومعارض تحتفي بهذا الموروث الحرفي الذي أصبح رمزًا للمدينة وعنوانًا لإبداعها الثقافي، فلا يمكن لأي مغربي أن يسمع “تيزنيت” دون أن تقفز إلى ذهنه صورة الحلي والمجوهرات الفضية ببريقها الأخّاذ ونقوشها الأمازيغية العتيقة.

يرى صُنّاع تقليديون محليون أن الاستغلال غير المشروع لاسم “تيزنيت” في تسويق منتجات فضية مقلدة، إلى جانب المنافسة غير الشريفة من منتجات مستوردة، خاصة في الفضاء الرقمي، لا يشكل فقط إساءة لسمعة الفضة المحلية، بل يفرض عليهم تحديًا آخر، لا يأتي من ضيق السوق أو قلة الإقبال، بل من خطورة هذه المنتوجات التي تتقن التنكّر في عباءة الأصالة على الرمزية الهوياتية لفضة تيزنيت كعلامة بُنيت بتراكمات ومهارات أجيال من الحرفيين.

استغلال للسمعة وخداع للمستهلك

واحدة من هؤلاء الصنّاع، فاطمة الماسي، رئيسة تعاونية “تنضافت” الحرفية بالمعدر الكبير بإقليم تيزنيت، التي أكدت أن “هناك فعلًا عددًا من المتحايلين، سواء على المنصات الرقمية أو حتى خارجها، ممن يستغلون السمعة الرفيعة التي راكمتها منتجات صُنّاع الفضة التقليديين بمختلف مناطق الإقليم لترويج وبيع منتجات فضية مغشوشة أو ممزوجة بمكونات أخرى لا ترقى إلى المستوى نفسه من الحرفية والإتقان اللذين يميزان المنتج المحلي التيزنيتي”.

وأكدت الماسي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ما يساعد هؤلاء هو صعوبة تمييز المواطن العادي بين الفضة الأصلية المصنوعة يدويًا وفق معايير دقيقة، وبين القطع المقلدة أو المستنسخة التي يُروَّج لها على أنها فضة تيزنيت، مما يسيء في الحقيقة إلى سمعة الحرفيين المحليين الذين يبذلون مجهودات كبيرة من أجل صناعة حلي فضية ذات جودة عالية والحفاظ على صورة الإقليم باعتباره قِبلة للباحثين عن الفضة الأصيلة ذات الجودة العالية”.

وزادت: “تصادفنا بمناسبة مشاركتنا في عدد من المعارض مع عدد كبير من المواطنين الذين اشتروا منتجات وحُليا فضية بيعت لهم على أنها منتوج تيزنيتي خالص، قبل أن يكتشفوا أن الأمر غير صحيح. ولذلك، فنحن نحرص دائمًا على توعية الزوار أو الزبائن، سواء الذين يزورون مقر التعاونية أو أروقتها في مختلف المعارض، بكيفية التمييز بين الفضة التيزنيتية الأصيلة وغيرها من المنتجات المشابهة، ليس فقط لحماية الزبون، بل أيضًا لحماية سمعة الحرفة والمجهود الذي يبذله الصنّاع الحقيقيون، خاصة النساء، للحفاظ على هذه الصنعة”.

وفي ظل صعوبة ضبط طبيعة العروض المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، وغياب أطر قانونية فعّالة لتنظيم المنصات التي تستخدم في التسويق الرقمي، بما في ذلك على المستوى العالمي، بالنظر إلى طبيعتها المفتوحة وسرعة تطورها التي تتجاوز في كثير من الأحيان قدرات التشريع على المواكبة، يبقى الرهان، على الأقل في الوقت الحالي، بالنسبة لبعض المهنيين، معقودًا على وعي المستهلك، المُطالَب بتوخي مزيد من الحذر والتريث قبل الإقدام على شراء أي منتجات أو حُلي فضية، من خلال تحري سمعة البائع، والاعتماد على مصادر موثوقة ومعروفة، حفاظًا على حقوقه كمستهلك، ودعمًا للمنتوج الأصيل في مواجهة موجات التقليد والتزييف.

في هذا الصدد، أوضح زكرياء الخليفة، صانع تقليدي شاب بمدينة تيزنيت، أن “انتشار العروض الاحتيالية على مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات التسويق الرقمي هو ظاهرة لم تسلم منها قطاعات ومجالات عدة، بما في ذلك قطاع صناعة الفضة، من خلال وجود عروض تروّج لمنتجات فضية مشكوك في مصدرها، بل وحتى في كونها أصلًا مصنوعة من الفضة”.

وسجّل زكرياء، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “شراء منتجات فضية عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية أصبح ينطوي على مخاطرة كبيرة بالنسبة للمستهلك، خاصة إذا ما تعامل مع أشخاص غير معروفين، وأحيانًا وهميين”، مشددا على أن “تفادي الوقوع ضحية احتيال يتطلب من المستهلك أو المشتري توخي أقصى درجات الحذر؛ ذلك أن المجال الرقمي غير مقنن ويعرف نوعا من العشوائية؛ إذ يُفضَّل التعامل مباشرة مع صنّاع تقليديين وتجّار معروفين على مستوى السوق بسمعتهم وجودة منتجاتهم”.

مرجعية تاريخية ووضعية سوسيو-اقتصادية

تحتل صناعة الفضة في تيزنيت مكانة استثنائية تتجاوز مجرد صناعة منتج تقليدي؛ فهي نبض ثقافي ينبثق من عمق التاريخ وهويّة متجذّرة في الذاكرة الجماعية لسهل المدينة ومركزها، غير أن انتشار مثل هذه الممارسات يفرض، حسب العربي عروب، رئيس الشبكة الإقليمية للاقتصاد الاجتماعي التضامني بإقليم تيزنيت، تعزيز صمود المنتج المحلي؛ ذلك أن الموضوع، وفق رؤيته، لا يتعلق فقط بجودة وسمعة الفضة التيزنيتية، بل يرتبط أيضا بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للحرفيين الذين يشكلون العمود الفقري لهذه الصناعة.

في بداية حديثه مع هسبريس حول هذا الموضوع، أكد رئيس الشبكة الإقليمية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بإقليم تيزنيت أن “الحديث عن الصناعة التقليدية بالنسبة لصناعة الفضة، هو حديث أوّلًا عن مرجعية تاريخية متوارثة ورمز هوياتي يشكل ثقافة سهول تيزنيت”، مبرزا أن “صناعة الفضة التيزنيتية باتت تواجه منافسة غير شريفة متمثلة في التقليد والمنافسة الأجنبية”.

وشرح عروب أن “هناك ممارسات تضرّ بسمعة وجودة منتجات الفضة التي صنعتها أنامل الحرفيين والحرفيات بمدينة تيزنيت، على غرار استيراد فضة لا تتميز بجودة الفضة المحلية وبيعها في الأسواق على أساس أنها محلية الصنع، من خلال استغلال ‘علامة تيزنيت’ وبأسعار منخفضة، وهو ما يساهم في تهجير الفضة المحلية وينعكس سلبًا على الوضعية السوسيو-اقتصادية للصنّاع التقليديين، مع العلم أن الغالبية العظمى من الصنّاع اليوم في مجموع إقليم تيزنيت هم من النساء”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “الصنّاع التقليديين، رغم الجهود المبذولة للتعريف بمنتجاتهم وحمايتها من مختلف الممارسات المشينة وفرض حضورها في السوق، سواء من خلال التكتل في إطار تعاونيات أو جمعيات، أو من خلال الانخراط في منظومة التسويق الرقمي، ليس بيدهم حيلة في مواجهة بعض هذه الممارسات”.

في هذا الصدد، اعتبر العربي عروب أنه “يجب على مختلف الفاعلين المتدخلين في هذا القطاع تكثيف المرافعات من أجل تشديد المراقبة على مسارات دخول الفضة المستوردة من الخارج ذات الجودة الأقل التي تُسوّق على أنها محلية، إلى جانب تعزيز الممارسات الفضلى لمواجهة التزييف والتقليد والاستنساخ، لحماية المنتج المحلي وتعزيز قدرته على مجاراة إيقاع التسويق الإلكتروني وآلياته المتغيرة باستمرار، وبالتالي الحفاظ أيضا على فرص الشغل التي يخلقها القطاع وعلى مساهمته في التنمية المحلية”.

خبرة الشباب ومواكبة المؤسسات

وفي زمن تتسابق فيه الخوارزميات على تشكيل أذواق المستهلكين والتأثير على اختياراتهم بطرق أو بأخرى، يطرح فاعلون في قطاع الصناعة التقليدية وصفة ذكية لزيادة إشعاع المنتج الفضي التيزنيتي، من خلال التحالف بين أصالة الحرفة ومهارة أنامل الحرفيين، وبين خبرة الشباب المحلي في التسويق الإلكتروني، الشيء الذي سيمكن من بناء صناعة تقليدية للفضة، منفتحة على العالم ومحصنة في الآن نفسه من الفوضى الرقمية.

في هذا السياق، قال عبد الحق أرخاوي، رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة سوس ماسة، إن “التصاعد الرهيب لأدوار شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية في منظومة التسويق، مع العلم أن هذا المجال غير مقنن بشكل كبير، خلق نوعا من الشك والريبة في منتجات الصناعة التقليدية المعروضة على هذه الوسائط، من خلال بروز عروض وصفحات تروّج لمنتجات فضية مزيفة ومقلدة، مستغلة اسم تيزنيت المعروفة بإشعاعها الوطني والعالمي في صناعة الفضة”.

في المقابل، أكد أرخاوي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هناك مجموعة من التجارب المحلية التي نفتخر بها؛ إذ نجحت في تسويق المنتج الفضي التيزنيتي الأصلي باعتماد آليات رقمية، ونجحت في إبراز أصالته، ووصلت به إلى العالمية، بحكم العدد الهائل لزوار ومتصفحي عدد من الوسائط الإلكترونية عبر مختلف ربوع المعمور”.

وشدد رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة سوس ماسة على أن “تدخل المشرّع المغربي لتقنين العروض التسويقية على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية أصبح ضرورة ملحة لمواجهة التزييف والتقليد الذي يهدد الحرف التقليدية، وفي مقدمتها فضة تيزنيت”.

وأقرّ المتحدث بـ”ضعف تكوين الصانع التقليدي فيما يخص آليات التسويق الرقمي التي تعرف تطورات متسارعة”، مؤكدا أهمية “مواكبة الصنّاع التقليديين على هذا المستوى من خلال الاستعانة بخبرات وكفاءات الشباب المحلي العارف والمكوَّن في مجال التجارة الإلكترونية، ما سيمكن، من جهة، من تسويق الفضة التيزنيتية على نطاق واسع وحمايتها من التطاول، ومن جهة أخرى، خلق فرص شغل للشباب، لأنه يستحيل على الصانع أن يزاوج بين الإنتاج والتسويق في وقت واحد، لكن بإمكانه التعاقد مع شباب متخصص”.

وأضاف أن “مسؤولية الصانع التقليدي هي أن يصنع منتجات ذات جودة عالية، ومسؤوليتنا نحن كمؤسسات أن نواكبه وندعمه في تعزيز آليات تسويق منتجات صناعته وحرفته؛ ذلك أن الصناعة التقليدية المغربية، بما تحمله من رموز وتقنيات ومواد متجذّرة، تعد مكونا من مكونات الهوية الثقافية والكينونة الجماعية للمجتمع المحلي والمغربي عامة، يجب حمايتها، في وقت تتعرض فيه العديد من هذه المكونات الأصيلة لمحاولات سطو من أطراف خارجية”.

استراتيجية حكومية وقطاع منتج

معطيات وحلول تجد ترجمتها على مستوى التوجهات الحكومية، كما أوضح لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلّف بالصناعة التقليدية، الذي لفت إلى أن “حماية وتطوير الصناعة التقليدية المغربية يشكلان أولوية استراتيجية في البرنامج الحكومي، نظرا لمكانتها الثقافية ودورها الحيوي في التشغيل والتنمية المجالية”، مبرزا في الوقت ذاته أن “كتابة الدولة تعتمد مقاربة شمولية تهدف إلى تجويد المنتوجات التقليدية، من خلال مواكبة سلسلة القيم كاملة، انطلاقا من التكوين والتأهيل، مرورا بتوفير المواد الأولية والمواكبة التقنية، وصولا إلى حماية المنتوجات وتسويقها وطنيا ودوليا”.

وذكر السعدي بمناسبة تفاعله في مناسبات كثيرة مع أسئلة برلمانية حول السياسات المعتمدة لتطوير قطاع الصناعة التقليدية، أن الجهاز الحكومي الوصي يشتغل على تنزيل إصلاح شمولي لهذا القطاع، بما يشمل تطوير آليات التسويق والتصدير والتمويل، وتعزيز الابتكار والترويج الإلكتروني ومواكبة الحرفيين، إلى جانب تثمين منتوجات الصناعة التقليدية عبر اعتماد علامات الجودة، وحمايتها من التقليد والمنافسة الأجنبية، عبر اعتماد مواصفات إجبارية وأخرى تقنية.

وأشار المسؤول الحكومي ذاته إلى أن كتابة الدولة التي يشرف عليها تبذل مجهودات كبيرة في دعم التسويق الإلكتروني، وتيسير ولوج الصنّاع التقليديين إلى المواد الأولية، بما في ذلك الفضة، مشددا في الوقت ذاته على “التزام الحكومة بمواصلة الإصلاحات الهادفة إلى تمكين الحرفيين، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز موقع المنتوج المغربي في الأسواق العالمية؛ ذلك أن الصناعة التقليدية لم تعد مجرد تراث، بل أصبحت قطاعا منتجا يساهم فعليا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة”.

وحسب معطيات رسمية، يُشغل قطاع الصناعة التقليدية على مستوى المملكة المغربية أكثر من مليونين و700 ألف صانع وصانعة، وهو ما يمثل حوالي 22 في المائة من السكان النشطين، فيما يساهم بما نسبته 7 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي الخام، في وقت بلغت فيه صادرات القطاع خلال العام الماضي ما قيمته أكثر من مليار و110 ملايين درهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • متتبع
    الثلاثاء 15 يوليوز 2025 - 14:04

    تيزنيت معروفة بالمبالغة في التلاعب بالأسعار ، تتشمي تسول على سلعة تلقاها بأثمان مختلفة ,

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 10

المنصوري تصل إلى موسكو

صوت وصورة
"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 11:36 5

"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 4

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب