زلزال سياسي جديد؟

زلزال سياسي جديد؟
الأربعاء 4 مارس 2026 - 00:52

هل المغرب في حاجة إلى زلزال سياسي جديد، شبيه بما وقع سنة 2017 حين أقدم الملك محمد السادس على إعفاء عدد من المسؤولين، مؤكداً في بلاغ للديوان الملكي عدم رضاه عن أدائهم، بسبب إخلالهم بالثقة التي وُضعت فيهم وعجزهم عن تحمّل مسؤولياتهم، ومشددا على أنه لن تُسند إليهم أي مهام رسمية مستقبلاً؟ أم أن المرحلة الراهنة تقتضي نمطاً آخر من الإصلاح، أكثر عمقاً واستدامة، يقوم على ترسيخ المحاسبة المؤسساتية لا الظرفية، وتجديد النخب على أساس الكفاءة والفعالية، بما يعزز ثقة المواطنين في الدولة ويجعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسةً دائمة لا حدثاً استثنائياً؟

السؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح، على ضوء ما كشف عنه التقرير الأخير لـلمجلس الأعلى للحسابات من اختلالات تهم تنزيل عدد من البرامج والمشاريع العمومية.

فقد سجل المجلس أن الإعلان عن برامج غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ، وبكلفة مالية تفوق القدرة الفعلية على التعبئة، يؤدي في النهاية إلى بقاء المشاريع حبيسة الوثائق والبلاغات. وكشف التقرير أن من بين 78 اتفاقية وُقّعت أمام الملك بين سنتي 2008 و2020، لم يُستكمل تنفيذ الأشغال إلا في 32 برنامجاً فقط (41%)، بغلاف مالي لم يتجاوز 16,6 مليار درهم من أصل ما يقارب 184 مليار درهم كان يفترض رصدها، أي بنسبة إنجاز لا تتعدى 9% من حيث الكلفة الإجمالية. وهي أرقام صادمة، لا تعكس فقط تعثر مشاريع، بل تطرح سؤال النجاعة والالتزام والمساءلة.

وفي عرضها أمام البرلمان بغرفتيه حول التقرير السنوي برسم 2024-2025، دعت الرئيس الاول لـلمجلس إلى استخلاص العبر من اختلالات الماضي، ومعالجة أسباب الفشل تفاديا لتكرارها، خاصة وأن المغرب مقبل على جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. إنها دعوة صريحة إلى القطع مع منطق الإعلان أكثر من الإنجاز، ومع ثقافة الواجهة على حساب الأثر الفعلي في حياة المواطنين.

من يطالع تقرير المجلس الأعلى للحسابات قد يخلص إلى أن البلاد تقف على أعتاب “زلزال” سياسي جديد، يعيد ترتيب مواقع داخل النخب المدبّرة للشأن العام، ويبعث برسائل صارمة حول المسؤولية والمحاسبة. غير أن السؤال الأعمق لا يقف عند حدود احتمال الإعفاءات أو إعادة توزيع المناصب، بل يتجاوز ذلك إلى جوهر الإشكال: هل نحن أمام لحظة مراجعة حقيقية لمنطق تدبير السياسات العمومية، ولمعايير النجاعة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أم أن الأمر سيظل في إطار تدابير ظرفية لا تمسّ البنية العميقة؟

عندما تحدث جلالة الملك محمد السادس عن مغرب يسير بسرعتين وليس مغرب السرعة الواحدة، اي مغرب الواجهة البراقة ومغرب العمق، لم يكن الأمر يتعلق فقط بفوارق اجتماعية ومجالية صارخة، بل أيضا بازدواجية داخل النخب ذاتها. فثمة نخبة منتِجة توظّف مواقعها لخلق قيمة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تبادر بالاقتراح، وتبتكر الحلول، وتتحمّل مسؤولياتها بروح خدمة الصالح العام. وفي المقابل، تبرز نخبة ريعية تكتفي باستهلاك الامتيازات واحتكار الموارد، دون إنتاج فعلي أو إسهام نوعي، ويغدو هاجسها الأساس حماية مصالحها الخاصة ولو كان الثمن كبح مسار التنمية والتحول بالبلاد وتعميق اختلالاتها.

تختزل هذه الفكرة جوهر الإشكال القائم: فجوة بين رؤية استراتيجية عليا تُؤكد على النجاعة والعدالة المجالية والاجتماعية؛ وبين ممارسات تدبيرية لا ترتقي دائما إلى مستوى الطموح.

فالملك يضع التوجيهات الكبرى ويدعو إلى جيل جديد من البرامج التنموية، ويشدد على إصلاحات في مجال العدالة الاجتماعية والمجالية والقضائية، في إطار نموذج تنموي وديمقراطي متجدد؛ غير أن الترجمة العملية لهذه التوجيهات تصطدم أحيانا بضعف الاجتهاد، وقلة الإبداع، وغياب ثقافة النتائج.

ليست الإشكالية إذن، في ندرة الرؤى أو غياب المخططات والاستراتيجيات، بل في فعالية آليات التنفيذ، وصلابة منظومة المسؤولية والمساءلة، وفي القدرة على الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق الأثر الملموس والإنجاز القابل للقياس. فكم من تصور طموح بقي حبيس الأوراق، لأن الفجوة بين الإعلان والتنزيل لم تُردم بعد؛ حيث يسير الخطاب الرسمي في اتجاه، بينما تمضي بعض الممارسات في اتجاه آخر، فتتسع المسافة بين النوايا المعلنة والنتائج المتحققة على أرض الواقع.

من هنا، قد لا يكون المغرب في حاجة إلى “زلزال” بالمعنى الدرامي أو الاستثنائي للكلمة، بقدر ما هو في حاجة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة ومستدامة؛ ثقافة تؤمن بواقعية التخطيط لا بشعاراته، وبالجرأة في التقييم لا بالمجاملات، وبالصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة لا بالانتقائية. ثقافة تعيد الاعتبار للنخبة المنتجة، التي تُحسن تدبير الإمكانات، وتحوّل الموارد إلى قيمة مضافة، والطموحات إلى منجزات ملموسة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل الإصلاح مسارا دائما لا لحظة عابرة.

إن اللحظة الراهنة قد تشكل فرصة حقيقية لإعادة تعريف معنى المسؤولية العمومية، وتجديد العقد الأخلاقي بين الدولة والنخب والمجتمع. فإمّا أن تتحوّل التقارير الرقابية إلى نقطة انطلاق لمساءلة فعلية للمسؤولين عن تدبير الشأن العام، وإلى مدخل لإصلاح عميق يعيد الثقة في المؤسسات ويبدد النظرة السلبية التي تحيط بها؛ وإمّا أن تظل مجرد وثائق تتلى ثم تطوى، بلا أثر ملموس، ومحطة عابرة في مسار تتكرر فيه الاختلالات ذاتها بأسماء وعناوين مختلفة.

وفي هذا السياق، لم يعد مقبولا أن يختزل دور المجلس في وظيفة تقنية صِرفة، تقتصر على الافتحاص ورصد الاختلالات بلغة الأرقام والمؤشرات، مهما بلغت دقتها وأهميتها. فالمجلس، بحكم موقعه الدستوري، مدعوّ إلى تجاوز هذا الدور الإجرائي نحو أفقٍ أوسع، يتمثل في الاضطلاع بوظيفة مؤسساتية عميقة تساهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الثقة والمساءلة والشفافية.

إنه ليس مجرد جهاز يراقب، بل فاعل دستوري مركزي في هندسة الثقة العمومية؛ يربط بين منطق الرقابة ومنطق الإصلاح، وبين تشخيص الأعطاب واقتراح مسارات المعالجة. فحين تتحول تقاريره من وثائق إدارية إلى لحظات سياسية وأخلاقية تفَعِّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يصبح المجلس رافعة لإعادة الاعتبار للعمل العمومي، لا مجرد مرآة تعكس أعطابه.

ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد التقارير الصادرة أو حجم الاختلالات المكشوفة، بل في الأثر الذي تُحدثه هذه التقارير داخل النسق المؤسساتي وفي وعي المواطنين معا. هناك فقط يتجسد المجلس كحلقة مركزية في إعادة ترميم الثقة، وكآلية دستورية تُعيد للرقابة معناها الإصلاحي، لا العقابي فقط.

وهنا يكمن جوهر السؤال: هل نحن أمام لحظة تصحيح حقيقي للمسار، تؤسس لمرحلة جديدة من الفعالية والالتزام، أم أننا بصدد نقاش ظرفي سرعان ما تبتلعه دورة الزمن السياسي؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا