قوس الاحتجاجات وسهام الدولة

قوس الاحتجاجات وسهام الدولة
الأربعاء 17 ماي 2017 - 10:51

بعد نصف عام أو يزيد من احتجاجات الريف، تخرج الحكومة ببلاغ يتيم، بوجه شاحب ليزف للمغاربة “حقيقة” ما يجري. فحسب رأي فقيه سوس وطبيب الحكومة، الريف يهدد بـ”النزعات الانفصالية ودعم الخارج “. ويضيف ابن الشمال من الأحرار أنها “مجموعة مسخرة من الخارج ممولة من الخارج من أعداء الوحدة الترابية”، ودعا إلى “تطبيق القانون لمروجي أفكار الفتنة”. أما الحركي فلا يزال يتذكر ظهير – كلما من شأنه- فقال: “ندين كل ما من شأنه أن يمس استقرار البلد”. ولم يفت آخر ديناصورات الاتحاد: “أجمعنا على أن الاحتجاجات تتم عبر الوسائط”. وصار الاتحاد اليميني في الاعتقاد نفسه بضرورة تطبيق القانون ضد التخريبيين. وانتهى البلاغ بخرافة المطالب الاجتماعية للتقدمي..

يبدو أن الدولة لم تستفد من دروس التاريخ القريب، حين تتدحرج المطالب من لقمة عيش مواطن بائع بسيط جنوب تونس وأسطورة احتراقه، لتحترق كراسي الدولة وتكبر المطالب لتصير جماعية، ويصير الشعب بصوت الفرد “البوعزيزي”… ففي قانون الشعوب، سرعان ما يصير الفرد شعبا وينصهر الشعب في الفرد…. أما في قانون الدولة، الوضع تخطى الخطوط الحمراء والسوداء، وتجاوز المطالب الاجتماعية والاقتصادية وصارت مطالب انفصالية تخريبية مؤامراتية تحت السيطرة! المقاربة الأمنية التي تسعى إلى بسط الاطمئنان بالهيمنة وتسخير الجميع كرها إلى تبنيها مقاربة لا أمل لها في الحياة، خصوصا أمام الثورة المعلوماتية وطفرة حراك الأمس القريب…

في الدول التي تحترم شعوبها، ترد المؤسسات المعنية في الوقت والحين على ادعاءات وحجج الخصوم، فحين تبث المنابر الإعلامية الريفية مطالب المحتجين متحدين الدولة أنه بمجرد تحقيق الملف الحقوقي سيدخل السكان آمنين مطمئنين إلى بيوتهم لم نر سوى ما يرينا أهل الريف من “عسكرة” الشوارع وسيوف المدنيين المستقدمين… كما سخرت جيوش من ذوي السوابق والجهلة في تظاهرات البيضاء في الموسم الانتخابي، تم اقتيادهم لتخريب الممتلكات العامة وإفزاع السكان… واقتيد الوزراء ليتلو كل واحد آية ولاءه دونما أدنى توضيح للرأي العام !

بالأمس، تحولت المطالب الاجتماعية والاقتصادية بأكديم ازيك إلى مطالب انفصالية. وبالجنوب الشرقي، تحوّلت مطالب اقتصادية اجتماعية الى حرق البطائق الوطنية. وبسوس والأطلس، ينادي الشارع بالعدالة الاجتماعية ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام وثروات الوطن…

لست أدري إن لم تنصت الدولة لمواطني القوس المهمش من الريف إلى الأطلس المتوسط إلى الجنوب الشرقي إلى سوس والصحراء إنصاتا عمليا وعاجلا، كيف تستغرب حين يرفع الجائع صوته وعيناه على خيراته بأيدي غيره ويشد أوتار وحبال عنقه ليدفع عنه ظلم سهام حكامه؟

قوس التجويع والتهميش ليس في حاجة إلى سهام التخوين والتكفير؛ بل إلى رحمة عزيز قوم ذل وليس بعد هذا مذلة… هو تلميذ نجيب ردد سؤال معلمه: أين الثروة؟ فلم تحاكموه، كافأوه ليتبع الكسالى نهجه ويبحث في أرضه عن الثورة..

ليس بالإمكان تدارك حافة وعي الشعب اليوم ببلاغ شاحب يخفي خوفا من مآلات إخفاقات الدولة التي تدفع وعي الشعب إلى الحافة والحد، والعودة إلى خطابات سنوات الرصاص، وتنتهي بما قال الرئيس التونسي السابق: “فهمتكم”…

الزعماء السياسيون تجاوزهم وعي الشعب، الزعماء وعيهم زائف ولا يصلح للحمة الوطن.. مطالب قوس التهميش صدحت بها حناجر المنظمات المدنية من قبيل منتدى الشمال لحقوق الإنسان، وفيه شخصيات وطنية عليها توافق الجميع كالأستاذ المرابط وآخرون… كان على الدولة الإنصات لهم وتنفيذ توصيات هذه المنظمات… الحركات الاحتجاجية التي استمرت في رفع المطالب نفسها حرصت على سلميتها وعلى تشبثها بالوحدة الوطنية.

لا شك في أن الفراغ القانوني والمؤسساتي حاضر بقوة، ففي غياب نصوص قانونية ومؤسسات أمنية بين الدولة وبين الحركات المدنية والاحتجاجية بتمثيلية مشتركة تسهر على التشخيص المشترك بين الدولة وبين المؤسسات المدنية المستقلة كمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب والتوافق على الحلول الممكنة (التعاقدات المدنية الحكومية للتدبير السلمي للاحتجاجات كما في الدول الغربية) وهو ما صرح به وزير الداخلية السابق بعد أزمة أكديم إزيك… أمام هذا الفراغ، لا يمكن الرهان على احتكار أحادي للفعل الأمني والمعلومات الأمنية التي لا تتجاوز وزراء الأغلبية ووسائط حزبية منهكة تغرد خارج التاريخ بكلمات الفتنة وكل ما من شأنه ونظرية المؤامرة والمخربين، أو وسائط شخصية مرفوضة تزيد الوضع تعقيدا والصراع اشتعالا كالعماري…

كرة الثلج لا تذوب بنار العنف، بل بحوار ندي، المنتصر فيها: قيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية وكرامة المواطن بأولوية قوس التهميش.

*أستاذ جامعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • ben
    الأربعاء 17 ماي 2017 - 11:40

    مطالب الريف هي كلها في المخطط الجهوي الذي اعلنه جلالة الملك من مدينة تطوان .اما اذا كان غير ذلك فليعلنوها .والحراك الهدف منه هو طلب الحوار وليس قطع الحوار مع المؤسسات .

  • ايت
    الأربعاء 17 ماي 2017 - 12:34

    من يسمعك يا استاذ….الاحزاب الادارية ومعها المخزن وما تبقى من شيوعي واشتراكي الامس ،تكرشوا حتى عادوا بلا رقبة….فمن يسمع سوى طبخة المستشار فلان والعريفة فلانة، .والشارع يغلي….هل ساجد وغيره حقا يفهم الوضع.هل هم مسايرون لايقاع وسرعة الشارع وسرعة النار ….وعقليتهم القديمة لا زالت تلوك نفس عبارات الراحل البصري…هذه الاحزاب الادارية بما فيها اخوان ماركس واخوان بنكيران تجاوزهم الزمن فعليهم اما ان يتقاعدوا او يبحثوا عن حل اخر..عبد الله العروي كتب دات مرة ان التاريخ لا يتوقف، في اشارة مهمة الى ان ما يحصل في الجوار والمحيط لن يسثتنينا نحن ايضا _ عاجلا ام اجلا مالم نعالج المسببات الحقيقية _وما الاستتناء المغربي الا اكدوبة وتعويض نفسي، فهل هناك من يقرأ الوضع قراءة دقيقة..ويأخد الوقت ليتامل في تقسيم الثروة وووو،لعله يجد اين الخلل؟

  • الزعيم
    الأربعاء 17 ماي 2017 - 22:40

    لم يعد السياسي يمثل المواطن ، بل لم ينجح كذلك في ايصال مطالبه والدفاع عنها، لذلك اصبح المواطن مجبر للخروج للشارع للتعبير عن مطالبه، وبالتالي اصبح من المفروض على الدولة ان تتفاعل بشكل ايجابي مع مطالب الشعب

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 6

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد