اخترتُ، بمحض إرادتي، الطريق الصعب إليكِ. أتيتكِ من الشمال عبر الشرق في رحلة طويلة استهلكت ساعات النهار والليل، ولم تبقِ منها شيئا.
هل كانت الرحلة تستحق كل هذا العناء؟ يا له من سؤال غبي! لكن ما أجمل أن يكتشف المرء، بين الفينة والأخرى، من خلال الأسئلة التي يطرحها، غبائه، ويجعل من هذا الاكتشاف مدعاة للسخرية من نفسه.
الشاطئ هناك يشبه الشاطئ هنا، وهما معا يشبهان أمثالهما في كل مكان. لا شيء يميز أحدهما عن الآخر عدا بعض التفاصيل القليلة. وكنتِ أنتِ التفصيل الأروع في ذلك الشاطئ البعيد.
اللقاءات المرتبة عادة ما تكون مخيبة للآمال، ومحبطة، وقد تنتهي حزينة. لم يكن اللقاء بك في الحسبان أبدا. اللقاء بكِ كان عظيما لأنه كان وليد صدفة سعيدة، ولم يكن وليد معرفة مسبقة، ولا تخطيط مسبق.
كنتُ أمشي على ذلك الشاطئ، شاطئك المبارك، ولم أكن أحمل له بين جوانحي حبا، ولا شغفا، ولا لهفة، ولم أكن أنتظر منه أن يفاجئني بشيء، لكنه فاجأني بكِ.
كان الناس يتبعون الناس، وكنتُ أتبع التابعين ومن تبعهم إلى نهاية مسار الطريق المطروق بالآلات والأقدام، هناك حيث يقف شامخا جبل صغير كنقطة كبيرة في نهاية جملة طويلة.
كانوا يمرون بك، ولا يلتفتون إليكِ. رأيتهم يفعلون ذلك، ولسبب ما غاظني الأمر. وجودكِ ربما صار مألوفا ولم يعد يلفت الانتباه. لقد صرتِ، بشكل ما، جزءا من المشهد. لكن لماذا لم تألف الكلاب كلبك الرابض عند أقدامك؟ لماذا تنتبه لوجوده؟ لماذا تذهب إليه؟ على عادة الكلاب ومألوفهم، تتشمّم رائحته أولا قبل أن تنقاد لأصحابها، وتكمل معهم الطريق.
وجدتني واقفا وجها لوجه معك، بينما استمر الآخرون يمرون من خلفي، أغراب وغير أغراب. طال وقوفي إلى درجة شعرتُ بأنني أزعجتُ زوار المقهى المجاور. فقد كنتُ أحجب عنهم رؤية البحر، وما يحويه شاطئه، ذو الرمال البيضاء الرطبة، من خيرات من أصناف شتى. كانت هناك حوريات حقيقيات لا يدري المرء هل يذهبن إلى البحر أم يخرجن منه. و”شَمَشَ” الرافدي، يمد، من بعيد جدا، أياديه، بأصبعها الكثيرة المذهبة، ويلمس أجسادا لمسا لذويا، ويتنعم بها، ولا يتركها إلا وقد طبع عليها قبلاته السمراء.
لم ترفعِ بصركِ إلي رغم طول وقوفي، وانتظاري العنيد. وجدتكِ امرأة هادئة مثل زوبعة، ورزينة مثل مجنونة، وخفيفة مثل جبل، وواثقة مثل متهورة، ومتأملة مثل عابثة، وزاهدة مثل إمبراطورة.
درتُ حيث دار جسدكِ. حاولتُ الإمساك بنظرتكِ. اكتشفت سريعا عبثية المحاولة، فكففتُ عنها فورا. عدتُ إلى مكاني أمامك ولم أبرحه.
أتصدقين أنني لا أعرفكِ. لم أعرف بوجودك من قبل قط. هذه هي الحقيقة. إن بحار جهلي تتسع دوما ولا تضيق أبدا. هذا ديدنها. بمجرد ما أن تبدأ أناي في التضخم قليلا حتى تلطم خدي الأيمن موجة عاتية، باردة، تكسر كبريائي، وتعيدني إلى الأرض صاغرا، وأُسارع إلى إعطائها خذي الأيسر، ولا أطلب منها رحمة ولا شفقة.
لا تستغربي أبدا إذا أنا لم أستطع أن أتفوه بحروف اسمكِ في حضرتكِ البهية. أشد ما أخشاه ألا تسعفني لا اللغة، ولا مخارج صوتي، فأشوهه بنطقي الأول، نطقي غير السليم. أكتفي بترديده داخلي تجنبا لأي إحراج لا يليق باللقاء الأول.
الشمس مشرقة، والجو دافئ، ولطيف جدا، لكنك، رغم كل ذلك، تجلسين مولية ظهرك للبحر. أليست غريبةٌ هي جلستك هذه؟ ألا تحبين البحر في أجواء الصيف حتى وإن كان الفصل فصل شتاء؟ ترى كيف تكون جلستك في الخريف، وفي الربيع؟ هل عليّ أن أعود في فصل آخر؟ هل تغيرين جلستك الأنيقة تلك عندما يغادر المغادرون في الليل، ويطلع القمر منيرا، وتصيرين وحيدة؟ هل يمكن للكاتبة أن تكون وحيدة؟ في أي ظروف يمكن أن يحصل ذلك؟ هل يمكن أن تكون وحيدة تلك التي يكون البحر جارها؟ ثم ألا يكفيها القلم رفيقا ومؤنسا؟ ألا تكفيها أوراقها العذراء منها والمسودة؟
أوزع نظراتي بينك وبين البحر، وأسأل مستغربا: أي بحر هو الأجمل في نظركِ؟ البحر الواقعي أم الصورة التي تحملينها عنه في دواخلكِ؟
يقودني هذا السؤال إلى سؤال آخر مرتبط به، ومن وحي جلستك نابع: ترى ما الأروع، والأكثر تأثيرا في الكاتبة، صورة البحر أم صوته؟ مرآه أم مسمعه؟ فأنتِ وإن لم تكوني، بحكم جلستكِ، ترينَ البحر بعينيكِ، فصوته لابد من أنه يصل إلى أذنيكِ، ويشنف مسامعهما.
دعيني أذهب إلى حد أبعد وأسألكِ: لو أنتِ استعرتِ قلمك للبحر، وطلبتِ منه أن يكتب عن نفسه، ويعبر عن كل ما يجيش فيها، وما يهجس داخلها، فهل سيكتب نصا نثريا مثل نصوصك؟ أم أنه سيكتب قصيدة شعرية؟ أم أنه سيخلط النثر بالشعر والشعر بالنثر؟ هل يميز البحر بين الشعر والنثر؟ وهل هذا التمييز صحي؟ وهل يخدم أي قضية؟
لعله يحب الرقص، وربما يحب الألوان أكثر. من المعروف عنه أنه يتخذ في كل مرة لونا مختلفا يناسب مزاجه. هل للبحر مزاج؟ وأنت الكاتبة، المهمومة بالتفاصيل الدقيقة، والراصدة لها، أي لون من ألوانه تفضلين؟ تُرى أي لون يتلبس البحر عندما يغضب؟ وإلى أن لون يصير لونه عندما يكون سعيدا؟ أي لون يلائم حزنه؟ وأي لون يعبر عن ملله؟ هل يمل البحر؟ قد يمل فعلا، لكنه بالتأكيد لن يمل من وجودك على شاطئه.
شفتاكِ تبتسمان وإن بشكل خافت، خداك يبتسمان، عيناك تبتسمان، جسدك يبتسم، ملابسك تبتسم، جلستك تبتسم، حتى الكلب المحب، والوفي، الرابض عند قدميك يبتسم، والبحر خلفك يبستم لابتسامك. ولأنك لا تنظرين إلى شيء بعينه، أو إلى شخص بعينه، فابتسامتك ليست حكرا على أحد، وليست ملكا لأحد، إنها ملك للجميع، وحق للجميع.
لا تبتئسي أرجوكِ، فهناك على الدوام من يرى ابتسامتك، ومن يأبه لها، ومن يقدرها، ومن تعني له الشيء الكثير.
تبدين من “طراز قديم”. وإنني هنا، بهذا القول، إنما أمدحك لا أذمك. لا تحملين هاتفا، ذكيا في غبائه الكثيف، وتحاولين أخذ صور في أوضاع مختلفة، لكنها متشابهة كونيا إلى حد القرف، لتنشريها لاحقا على وسائل التواصل الاجتماعي، عسى أن تحصلي على رأسمال من اللايكات، قد يصير يوما ما رأسمالا ماديا حقيقيا. اطمئني، لستِ وحدك في هذا الأمر، هناك، اليوم، أشخاص كثر في العالم، وربما يتزايد عددهم، ينتمون فكريا وروحيا إلى جيلكِ، إلى نفس الطراز القديم!
بين يديكِ كتاب. من حسن الحظ لستِ وحدك قديمة الطراز. هناك نساء أخريات، على قلتهن، يحملن كتبا، ويتصفحنها على الشاطئ، وخارج الشاطئ، في المِترو والمنتزهات وغيرهما. لا يزال للكتاب هنا حظ في الفضاء العام! إنه لم يختف بعد تماما. لم يصر بعد من جنس الديناصورات التي عليها أن تنقرض لتواصل الحياة مسيرها، أو تقدمها، أو تطورها، أو ما ليس يدريه أحد.
كم هو محظوظ الكتاب الذي على ركبتيكِ. هل تذهب الكاتبة إلى البحر لتكتب أم لتقرأ؟ من الواضح أنكِ تقرئين. من المؤكد أنكِ تقرئين. غياب القلم شاهد ودليل قاطع.
سبابة يدكِ اليسرى بين أوراق الكتاب، في منتصفه على الأرجح، تفصل بين ما قُرأَ وما لم يُقرأ بعد. تُرى هل يقرأ الكتّاب كتبَ بعضهم البعض؟ وما وتيرة ذلك؟ وما أهميته؟ وما الفائدة التي يمكن أن تعود من ذلك عليهما معا؟ في فيلم “منتصف الليل في باريس”، لصاحبه وودي آلان، يُعرض مخطوط كتاب على إرنست هيمنغواي، فيرفض هذا الأخير قراءته، والسبب الذي ذكره هو أنه سيكرهه في جميع الحالات: إذا كان رديئا سيكرهه لرداءته، وإذا كان جيدا سيكرهه غيرة من صاحبه وحسدا له.
الكتاب مغلق على ركبتيكِ. ربما لا تعرفين كم هي جميلة قراءتكِ. إنها قراءة برأس مرفوع. قراءة متأملة ومتفكرة. عيناكِ تفرقان الأوراق إلى ما وراءها. قراءة متصلة بالكتاب ومنفصلة عنه في نفس الوقت. لا يقودكِ هو إلى حيث يشاء، أو لا يشاء. زمام الأمر بين يديكِ، وأنتِ المتحكمة. واضحة هي سلطتكِ عليه لا سلطته هو عليكِ.
هل الكتاب كتابكِ؟ هل تحمل الكاتبة كتابها إلى الشاطئ لتقرأه هناك بعيدا عن المنزل، وشؤون المنزل؟ وهل تعود الكاتبة هي صاحبة الكتاب بعد أن يعرف طريقه إلى النشر؟ هل الكتاب لكاتبة أخرى؟ من تكون؟ أم لكاتب آخر؟ من يكون؟ لماذا أظنه كتاب فرانز كافكا؟ ربما لأن هناك صلة كلاسيكية روحية تربط بينكما. إن هذا لا يعدو كونه ضربا من الظن والتخمين الذي لا يقوم عليه دليل. غلاف الكتاب لا يفصح عن أي شيء، لا اسم الكاتب، ولا عنوان الكتاب.
تُرى هل قراءة كافكا على الشاطئ أيسر من قراءته بعيدا عنها؟ هل هناك كتب يُستحسن أن تُقرأ على الشاطئ؟ وهل هناك كتب لا تصلح لذلك؟
هل عليّ أن أنتظر منك جوابا عن كل هذه الأسئلة؟
لا مفر لي من أن أفشي لك سرا: أشعر أنني صرتُ ثقيلا عليكِ بأسئلتي، بل وقد صرتُ ثقيلا حتى على نفسي. الجميع هنا من أجل المتعة بمختلف ضروبها لا من أجل طرح الأسئلة! يبدو أنني لم أحدد بعد هل أنتصر إلى “ذو العقل” أم إلى “أخو الجهالة”.
صبركِ جميل. تعبيرات وجهك لا تعكس أي ضيق أو نفور. جئتُ من بعيد كأنني ما جئتُ إلا لأرمي عليكِ أسئلتي، كأن أسئلتكِ لا تكفي، كأنكِ وجدت لها أجوبة وارتحتِ من عبئها، كأنكِ شُفيت منها. هل تشفى الكاتبة من أسئلتها؟ وهل الأسئلة داء حتى يُرجى الشفاء منها؟
بالله عليّ، ماذا أعرف عن أسئلتكِ؟ وماذا أعرف أيضا عن أجوبتكِ؟ لا شيء البتة.
أعرف فقط أنني غادرتكِ صوتا خافتا وهاأنذا أعود إليكِ صدى مكتوبا. فكنتِ نقطة البداية ونقطة الوصول. وبين الذهاب والإياب، والانطلاق والوصول، ثمة عوالم أجهل عنها كل شيء تنتظرني. وهي تناديني بإلحاح تعال. أمد يدي المتحمسة إلى حقيبتي الصغيرة، من حين لآخر، وأتحسس المفاتيح، أطمئن على أنها لا تزال في موضعها المعلوم.
يبدو أن المغامرة الحقيقية لم تبدأ بعد. لقد آن الأوان لها كي تنطلق.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.