كلام في السياسة

كلام في السياسة
الثلاثاء 30 نونبر 2021 - 23:57

لم تكد تخرج حكومة التحالف الثلاثي من عنق زجاجة أزمة جواز التلقيح، التي رفعت من منسوب الجدل وجرعات الاحتجاج، حتى دخلت في أزمة جديدة، حركت من جديد محركات الاحتجاج والاحتقان، بعد المستجدات التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بخصوص مباراة الأطر النظامية للأكاديميات، المرتقب إجراؤها غضون شهر دجنبر المقبل، وهذه المستجدات “غير المسبوقة” كانت كافية لإخراج شرائح واسعة من الشاب العاطل من حاملي الشهادات، ومن الطلبة الجامعيين إلى الشوارع للاحتجاج، مطالبين بالتراجع الفوري عن الإجراءات الجديدة، وعلى رأسها إعادة النظر في السن المحدد لاجتياز المباراة (30 سنة)، بمبررات “تكافؤ الفرص” و”ضيق أفق التوظيف”.

هذه المستجدات التي نزلت عبر بلاغ وزاري ومذكرات أكاديمية جهوية، لم تؤجج فقط جمرة الاحتقان الاجتماعي، بل أثارت نقاشات مجتمعية متعددة الزوايا حول مدى دستوريتها وقانونيتها، أخذا بعين الاعتبار ما ورد في الوثيقة الدستورية التي نصت في الكثير من الفصول على المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص، وما ورد في بعض الأطر القانونية التي حددت السن الأقصى للتوظيف، ومنها على وجه التحديد ما ورد في النظام الأساسي للأطر النظامية للأكاديميات الذي اشترط في بعض مواده “ألا يقل سن المترشح عن 18 سنة ولا يزيد عن 40 سنة، ويرفع الحد الأقصى لسن التوظيف إلى 45 سنة بالنسبة لفئة معينة من الأطر”.

وإذا ما تركنا النقاش ربما غير المجدي في الشق الدستوري والقانوني، فالحكومة وتحديدا الوزارة الوصية على القطاع يبدو أنها ماضية في فرض ما أعلنت عنه من إجراءات وتدابير جديدة، غير مبالية بالأصوات المحتجة في الشوارع ولا بالفعاليات السياسية والبرلمانية والثقافية والأكاديمية الرافضة للقرارات الجديدة، ومبررها في ذلك، الرغبة في بلوغ وإدراك “النهضة التربوية” في ضوء مخرجات النموذج التنموي الجديد، وأهداف ومقاصد القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وإذا كانت هذه “النهضة التربوية” لا يمكن قطعا الاختلاف بشأنها، فبلوغها وإدراكها، لا يمكن أن يبنى على المآسي الاجتماعية وعلى وأد الآمال والإجهاز على الأحلام، والإسهام في إشاعة ثقافة اليأس والإحباط وانسداد الأفق في أوساط أجيال صاعدة، يفترض أن تكون هدفا للنموذج التنموي المرتقب وغايته الكبرى.

وحتى إذا ما تم الإقرار بصواب ونجاعة ما تم تنزيله من مستجدات، فإن السؤال الحقيقي يبقى مرتبطا بمصير شرائح واسعة من المعطلين الذين تجاوزوا عتبة 30 سنة، ومصير عشرات الآلاف من الطلبة الذين يتابعون دراستهم الجامعية، بعد أن تقلصت فرصهم في ولوج قطاع تعليمي يعد الأكثر تشغيلا وامتصاصا للبطالة، مقارنة مع باقي القطاعات الوزارية، وعليه، فالنقاش الحقيقي اليوم، ليس في ما اتخذته الوزارة من تدابير وإجراءات صارمة ودقيقة بخصوص مباراة الولوج إلى مهن التدريس، بل في الحلول المقدمة أو التي يجب تقديمها، لتمكين الآلاف من العاطلين من حاملي الشهادات الجامعية من الحق في الشغل والحياة الكريمة، لأن الأكاديميات في جميع الحالات، ستشغل ما مجموعه 17 ألفا من الأطر النظامية في دورة دجنبر 2021، في حين مصير الذين لم يوفقوا في النجاح النهائي في المباراة، يبقى معلقا إلى أجل غير مسمى، ويضاف إليهم الآلاف من حاملي الإجازة الأساسية وربما الماستر، الذين باتوا خارج المباراة بسبب عتبة “30 سنة”.

حكومة التحالف الثلاثي التي وصفت بالحكومة الاجتماعية، لا بد أن تدرك في هذا الوقت المبكر، أن قيمتها في بورصة المجتمع عرفت نوعا من التراجع، بسبب أزمة جواز التلقيح، وما يشهده التعليم من احتقان، دون إغفال الارتفاع المهول في الأسعار وتداعيات ذلك على مستوى المعيش اليومي للمواطن، وهي مطالبة بتصحيح المسار، عبر الوفاء بما طرحته في برنامجها الحكومي من وعود والتزامات، وأن تمضي قدما في إعطاء دينامية حقيقية للحوار الاجتماعي بجدية ومسؤولية وتشاور والتـزام، بما يضمن النهوض بالأوضاع الاجتماعية والمادية للموظفين والأجراء، حرصا ليس فقط، على السلم والتماسك الاجتماعيين، بل والحفاظ على ثقة المواطنات والمواطنات، الذين كبر سقف آمالهم وانتظارتهم، وارتفع منسوب تطلعهم إلى تغيير حقيقي بعد عقد من الزمن تحت ضوء المصباح.

ثقة لا يمكن قطعا كسبها، إلا بالانخراط في تنزيل قرارات مسؤولة من شأنها إحداث التغيير المشروع، القادر على تذويب جليد اليأس والإحباط وانسداد الأفق، وتعبيد طرق ومسالك الأمل والحياة، وإذا كانت المرحلة هي مرحلة تنمية بامتياز، في ضوء الرهان على تنزيل المشاريع المرتقبة ذات الصلة بالنموذج التنموي الجديد، بما يضمن المرور إلى مرحلة “المسؤولية” و”الإقلاع الشامل”، فهذا يفرض إنتاج سياسات عمومية خادمة للتنمية الشاملة، ومقوية لجرعات الأمل والتفاؤل في مختلف الأوساط المجتمعية خاصة الطبقة المتوسطة وما دونها، والرهان على تخليق الحياة العامة عبر تفعيل آليات محاربة الريع والفساد والمساس بالمال العام، والانكباب على تقديم “حلول مبتكرة” تقوي الإحساس بالتغيير، أما السياسات المنتجة للاحتجاج والاحتقان، أو المكرسة لمشاعر اليأس والغضب وفقدان الثقة وانسداد الأفق، فلا يمكن القبول بها، لأنها تعرقل الإصلاح وتشوش على الطموح المشروع في بلوغ التنمية الشاملة، وأخطر من هذا، تجعل الشوارع ملاذا آمنا للرافضين والقانطين واليائسين والمحبطين، بكل ما لذلك من آثار على السلم الاجتماعي وعلى النظام العام، على أمل أن تكون الحكومة الجديدة عند حسن الظن وفي مستوى الثقة والتطلعات، وإلا ما الفرق بين حاضر “الحمامة” وماضي “المصباح”…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • شارع النخيل
    الأربعاء 1 دجنبر 2021 - 17:53

    بلا عنوان

    و حتى يستوعب النقاد خطورة موقفهم هذا فما على الشباب المبدعين سوى ان يظلوا قابضين على جمرة الإبداع و الاستمرار في قبضها إلى أن يقيض الله لهم من النقاد من يعطيهم العناية التي يستحقونها لكتاباتهم.

    مضطفى معروفي

  • ابن طنجة
    الأربعاء 1 دجنبر 2021 - 19:08

    فرض وزارة التربية والتعليم المغربية سن 30 لولوج مهنة التدريس جيد ومهم كبداية لإصلاح قطاع التعليم الذي يعاني اختلالات كبيرة في منظومته تتداخل فيها أولا الأسرة ثم المدرسة والمدرس والوزارة المعنية الأسرة لها دور كبير خاصة التي تنجب اطفال بكثرة ولا تتحمل مسؤوليتهم ثم تلقي اللوم على الدولة هي التي نراها في الشوارع رافضة لقرار الوزير بن موسى
    المدرسة التي تفتقد إلى النظافة والسبورة والطاولات ليست بيئة خصبة لنبوغ الطفل
    المدرس أو الاستاذ الذي تجاوز سنه 30 وبدأ يبلغ من العمر عتيا واشتعل رأسه شيبا ووهن عظمه ماذا ننتظر منه أن يعطي التلاميذ وهو يفتقد للمؤهلات العقلية والنفسية والبدنية حيث أكدت طبيبة نفسانية أمريكية janellen من جامعة شيكاغو أن تطور الموصلات العصبية في مختلف مناطق الدماغ تكون خلال ست سنوات من عمر الطفل وتزداد كثافة وقوة هذه العصيات مع المؤثرات الخارجية سواء بصرية حسية سمعية فسن الاستاذ المحدد في 30 يدخل في إطار هذه المؤثرات الخارجية حتى يستطيع التلميذ الابداع والعطاء والتفوق في القسم

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17

أزمة الكراء في سلا