لماذا تترصع أحاديث المجتمع المغربي بعبارات الحنين إلى "زمان بكري"؟

لماذا تترصع أحاديث المجتمع المغربي بعبارات الحنين إلى "زمان بكري"؟
صورة: أرشيف
الثلاثاء 1 غشت 2023 - 04:00

ما الذي يعنيه المغاربة في حقيقة الأمر عندما يستعملون مصطلحات من قبيل “زمن بكري” و”ناس بكري” و”القاعدة”؟ تحللُ هذه المفاهيمَ ورقةٌ بحثية للباحث إسماعيل الراجي، ضمتها دورية “ليكسوس” المتخصصة في التاريخ والعلوم الإنسانية، انطلاقا من الذاكرة الجماعية القروية لساكنة منطقة الغرب.

وتذكر الورقة أن مفهوم “زمان بكري” يتردد على ألسنة الساكنة المحلية بمنطقة الغرب، ويعد “من أشهر المفاهيم ترددا في الثقافة الشعبية”، وهو “بين أشهر التيمات في الحديث اليومي في السرد الشفوي، ومن خلال تردد الروايات الشفوية التي تتداول أحداث ووقائع وقضايا تخص الماضي القريب”.

ويفيد المعنى الإجمالي للمصطلح، وفق الورقة البحثية، “الأيام الأولى” و”الوقت المبكر”؛ وهو زمن له أناسه ومريدوه هم “ناس بكري”. ويتأطر “زمن بكري” بمجموعة من الأحداث المعلومة تاريخيا؛ ومن أهمها “عام الجوع”، “عام الرجوع”، “عام الحرث”، وغيرها من “السنوات المعلومة في الإسطوغرافيا المغربية”، التي تهتم بها أعمال، من بينها مرجع المؤرخ عبد الأحد السبتي “من عام الفيل إلى عام الماريكان”.

ويؤطر البحث هذا المصطلح واضعا إياه في سياق عرف فيه “المجال المغربي، مثل باقي المجالات العالمية، تحولات اجتماعية وثقافية وديمغرافية، تباينت نتائجها”، وأهم تحول رُصد في القرن العشرين، الذي عرف سيرورة تحول المجتمع المغربي من المجال القروي نحو المجال الحضري.

هذا الواقع كانت تعتمل فيه “تركة الازدراء الممارسة من قبل المعمرين على الأهالي وحالة الاستلاب والتقليد الثقافي وما حمل منها في الذهنيات المحميين والمتشبعين بفوقة الآخر، وهي إحدى التركات الثقيلة لسياسة الاحتلال في المغرب، حيث لغة الآخر (حضارة) واللغة الأم (تخلف) وهلم جرا من أشكال الاستلاب، لا سيما أن أشكاله تجذرت بفعل ما قام به دهاقنة الاحتلال ما قبل الجلاء إذ كرسوا جهدا مضنيا من أجل تحقير الثقافة المغربية وطمس هويتها المتصدية لمشروع الاحتلال”.. إذن، فقد “خلخل الاحتلال الفرنسي – الإسباني البنية الاجتماعية والذهنيات بثقله العلمي، والتقني، وأسلوبه، وتنظيمه، وكل أشكال قواته الناعمة”.

ويرى الباحث أن معالم وخصائص “زمن بكري” في الفهم الاجتماعي تتحدد بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثمانينيات القرن العشرين؛ “فمن هذا التاريخ تستمد الذاكرة الجماعية للأجيال التي عاشت شطرا من عمرها أو هي هي، قلبا وقالبا نتاج ثقافة الماضي القريب، وهي جوانب عديدة تتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذا التاريخ، توظفه الذاكرة الجماعية كمرآة تقارن من خلال بعض أوضاع اليوم التي هي طبعا لا ترقى في وجدان كل متيم بزمن بكري مع أوضاع الماضي القريب، أو قل زمن بكري الذي يعد بشخوصه وثقافته أحد المساهمين في تشكل المخيال الاجتماعي”.

وعن معنى ما يتردد على لسان الجيل المسن في الحياة اليومية من استحضار “زمان بكري”، تقول الورقة: “الحديث هو في حقيقة الأمر، ضمنيا ذم ونقد لمآل حال وصلنا إليه في الزمن الراهن، أو حنين لماضٍ تحرك فيه الوجدان”، وتتابع: “زمن بكري في المخيال وذاكرة الجيل المخضرم (ناس بكري) الذي عاش بضع سنوات من آخر ذلك الزمن؛ هو زمن يتميز بكل القيم الحميدة؛ كالكرم والشجاعة والصبر والتلاحم… إنه (الزمن الجميل) أو (الزمن المتميز)، الذي ميز ثقافة زمن الآباء والأجداد وآبائهم”، والزمن البكري عند “المسنين الذين يعيشون عمرهم الثالث هو الزمن المفقود”.

وفي حديث عن “الذاكرة الجماعية في منطقة الغرب، من خلال المناسبات الدينية والاحتفالية وغيرها من العادات والتقاليد التي تدعو الناس إلى الالتقاء”، يكون “تاريخ الماضي القريب حاضرا بقوة، فكل ما يتعلق بزمن بكري يستحضر بشخوصه وعاداته وتقاليده ورمزيته”؛ ومن ثمّ “حينما يتم الرجوع للذاكرة من خلال الرواية الشفوية التي يتم الرجوع فيها إلى ذكريات زمن بكري؛ تفاصيل دقيقة، يمكن استنطاقها من أجل النفاذ إلى ثقافة التفاصيل اليومية، التي كانت”، ولو أنه قد يختلط فيها “الحقيقي، والوهمي، والأسطوري”.

هذا الاستحضار عند هذا الجيل لـ”زمن بكري” يُظهر، حسب الورقة، “حقيقة الاغتراب الذي يعيشونه في المجتمع، حيث لا يبهجهم ما عرفه المجتمع من تحولات (عميقة) تتعلق بالحياة الاجتماعية في كل جوانبها”؛ وهي فئة تستبطن حنينا “لكل شيء يخص الحقبة (…) التي عاش فيها المجتمع القروي عموما، في كنف العادات، والتقاليد التي كانت بمثابة محارة تحمي المجتمع، وتنظم حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية”.

هذا الزمن كانت تحكمه “القاعدة” التي تلزم الجميع، بمن فيهم نخبة المجتمع القروي المحلي. وتهم جميع مناحي الحياة من “صبّ الشاي” وصولا إلى “مصائب الموت”، ما يخيم في الحديث عنه اليوم هو “حديث الذاكرة”؛ لكن “هذه الذاكرة ليست ذاكرة فرد، بل هي ذاكرة الجماعة. إنها ذاكرة الفرد حين ترتبط بمحطة من محطات الحياة، وتصبح أسيرة تلك المحطة التي تمثل في اللاشعور الجمعي محطة نموذجية، ولو لم تكن كذلك بمعيار المقارنة. هي نموذجية بمنطق الاقتناع، ومنطق ذاكرة الجماعة”.

وانطلاقا من هذا الاستنتاج قاربت الورقة البحثية سؤال “لعبة الذاكرة” في إطار الرواية الشفوية “التي ربما تعيد تركيب حوادث الماضي وفق اعتبارات معينة”، قبل أن تجمل قائلة: “من خلال عملية الإصغاء للرواية الشفوية المتداولة في المنطقة، التي تتردد باستمرار من قبل بعض الأفراد في الحياة الاجتماعية الذين نتقاطع معهم في مواقف الحياة اليومية، نستنتج أن هناك قاسما مشتركا بينها، وهو في جلها تغلّب حقبة -زمن بكري- بما لها وما عليها من مناقب ومثالب، يتم فيها تغليب الجوانب المشرقة بينما تغيّب فيها الجوانب المظلمة التي عاشها المجتمع خلال تلك الحقبة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • boulagtab
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 05:13

    لانه بكل بساطة افتقدنا كل ما كان مايتميز به ذلك الزمان من قيم وأخلاق وتحياتي اما اليوم اصبحت الحياة نكد

  • modidi
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 07:11

    لأنه مفعم بالحكمة والعبر والدروس

  • رضا
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 07:17

    الحنين إلى الماضي لا يخص المجتمع المغربي دون غيره بل هو سمة كل المجتمعات و في كل العصور.يمكن الإستعداد بالشاعر الفرنسي الكبير في القرن التاسع عشر فيكتور فيغو Victor Hugo الذي إنتبه إلى هذه الظاهرة و نظم قصيدة في هذا الموضوع عنوانها .”Ah le bon vieux temps ”

  • قنيطري
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 07:48

    في الماضي كان هناك كل شيء جميل .. كان هناك دفئ الوالدين .. كان هناك احترام الجار لجاره .. لم تكن ظاهرة ولد و طلق الزنقة.. لم تكن السرقة و التشرميل متفشية هكذا .. لم يكن الغلاء هكذا .. فعلا كل شيء تغير و اصبحت الحياة قاسية الآن

  • الطنز البنفسجي
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 08:31

    زمان كان الفقر والحاجة والرضا على الموجود.
    كان شوية الامن وشوية ديال التربية..
    بعد ثلاثين عام غادي نبداو نقولو ثاني اييييه على ايام زمان ايام 2020 وبعد كورونا كانت البركة والخير والاخلاق.. هادي طبيعة الزمن….. ليس هناك مستقبل إنما هو ماض يتكرر.
    شخصيا.. من مواليد أواخر السبعينات غادي نحس بالفرق حيت عشت مرحلة اجتماعية انتقالية والكثير من هاد الدفعة غادي يفهمني.. ولكن على العموم اليوم احسن حال الا فمسألة التربية.

  • Hich
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 08:34

    هناك مقولة لنجيب محفوظ تقول بان الماضي ما نحبه والحاضر ما نعانيه والمستقبل ما نأمل فيه

  • Karimov
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 09:21

    زمن بكري وناس بكري،يعني تماسك العائلة و احترام الابوين واحترام من هو أكبر سنا واحترام الجيران و التسامح و التعاون والتازر و القناعة والحشمة و الوقار والأمن والقناعة و الكلمة والمعقول وقلة الاسمنت الذي ينتشر حتى فوق الجبال و يقضي على الغابات والأراضي الزراعية و كترة حركة السير و الضجيج والتلوت الى اخره من العادات ومن اسلوب العيش والحياة لا نضير له كما هو اليوم للاسف

  • PSEK
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 09:40

    Psychiquement, nous étions moins âgés. c’est tout à fait normal

  • عابر
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 11:28

    في الماضي كانت هناك “البركة” في كل شيء، في الوقت في الأكل في اللباس في العلاقات الأسرية ومع الجيران والأصدقاء. الحمد والشكر لك يارب أن عشنا تلك المرحلة. ونسألك الرحمة والرأفة والمغفرة في هاته المرحلة.

  • الحسين أبو خالد
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 11:48

    الزمن ثابت ، والمتحول المتغير هو : ( الإنسان ).
    ــ فالإنسان هو الفاعل في المكان والزمان ، وما افتقدناه في جيل اليوم من قيم لا علاقة لها بالزمن { إن الله لا يغير ما بقوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم }…..وقالوا : (( نعيب زماننا والعيب فينا ~ وما لزماننا عيب سوانا ))

  • abdellatifbenmoussa
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 13:32

    الاستنجاد بالماضي هو نوع من التنفيس عن ظروف ووقائع الحاضر…الحاضر اصبح ملئ بالمفاجآت والضغوط وافتقد الى بساطة الأمس …في الماضي كان الوالدين يربيانك على القيم الإنسانية المستمدة من التعاليم الإسلامية…كان الحياء والاحترام المتبادل بين الأسر في الدرب …الصغير يحترم الكبير …والكبير يعطف ويوقر الصغير …كانت الدراجة الهوائية لدى الأطفال المحظوظين فقط.. كانت السيارة ترف…كنا نسافر اذا سافرنا وقتها في سيارة أجرة كبيرة…لم تكن السيارة في المتناول لفئة عريضة جدا من المجتمع…كانت الفرحة والالفة ولم يكن التكلف والحرص…كانت الإذاعة و التلفزة ولم يكن الأنترنيت والتواصل الاجتماعي…لكل زمن رجاله …الحمد لله ان المغرب شعب متدين بطبعه وفي جدوره..مهما يكن المغرب زمان والمغرب اليوم نحب وطننا منبت الأحرار.

  • ألفريدو
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 13:38

    ثقو بي التكنولوجيا هي من خربت هذا الزمان وبالاخص الهواتف..

  • Benani hmida
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 14:27

    زمن بكري يعني ما قبل تسلط نخبة رأسمالية على شعب المغربي………
    كنا ندهب إلى الميناء ونشتري الأسماك بكل انواعها بدون ميزان…… ونأكل الأسماك في المطعم هنآك بدون أن يحتسب الوزن ….وكل الأسرة…… ويقولون لك دائما…واش نزيدكم…..؟
    اليوم ممنوع دخول ….وكل الأسماك يشتريها الاسبان….و مطعم الميناء اغلق…..لأن الاسبان لا يتركون اي شئ……….
    كنا ندهب الى المستشفى…..وطبيب يكتب لك دواء
    وتاخده من صيدلية المستشفى……..
    اليوم مخزن الأدوية في المستشفى يفسد ولا يعطى …….أو يباع بطريقة أخرى……
    كنا ندهب الى سوق ….الخظر والفواكه تبقى مجانا في اخر ساعة….يتركها للفقراء والمساكين
    من يدهب للمدارس الخاصة يعتبر من الكسالا…..كانت المدرسة العمومية دات قيمة عالية
    كنا ندهب المقهى…..هناك الاستاذ وطبيب…. والموظفين الحكوميين…….لا فرق …..
    من غير تقاليد وعادات المغاربة ؟
    من له المصلحة في تفقير المغاربة ؟
    الجواب من عندكم…….

  • مغربي
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 15:50

    زمن بكري كان الحياء في النساء والمحافظة على الشرف واللباس المحتشم
    كان الكل يحترم الاب والام والاخ الاكبر والاخت الاكبر والجار والصهر والمسن
    لم يكن تشرميل ولاسيوف ولا الجهر بكلام السوء
    كان المواد الغداءية طبيعية دون تدخل جيني
    كانت اللحوم والدواجن طبيعية دون اعلاف مركبة ولا سلالات هجينة
    وكانت اشياء اخرى افتقدناها

  • من يحن للماضي فهو فاشل
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 15:57

    الإنسان بطبعه لا يرضى بالفشل ويعود لإنجازاته القديمة، لكن هدا هو الهروب من الواقع.

  • قريب
    الثلاثاء 1 غشت 2023 - 16:26

    الإنسان بطبعه يحن إلى ماضيه … و غالبا ما تجده يمجده يفتخر به… سلمت الأنامل

  • mohasimo
    الأربعاء 2 غشت 2023 - 01:48

    زمان بكري الناس عاناووا, عاناووا بزاف كل واحد له حكاية و رواية و كل واحد له قدره الذي قدره الله له, ناس سمعووا حكايات و روايات تتناقلها أجيال عن أجيال أخرى و هته الحكايات غالبا ما تكون فيها حكمة و موعظة.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام