لماذا يريدون العبور؟ حين تتحول الحدود إلى أفق: قراءة نفسية في النزوح الجماعي نحو سبتة
يطرح النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة أسئلة تتجاوز حدود الهجرة غير النظامية في معناها التقليدي، إذ يثير تساؤلات جوهرية حول دوافع المشاركين فيه، ونظرتهم للمستقبل والمجتمع، فضلا عن تأثير العالم الرقمي في تشكيل تصورات الشباب وتطلعاتهم. وبعيدا عن القراءة الجيوسياسية أو المقاربات المرتبطة بالأمن السيبراني، يقترح هذا المقال قراءة سيكولوجية متعددة الأبعاد، تركز على الدوافع والتصورات والتطلعات التي تقف وراء الهجرة، وعلى الطريقة التي ينظر بها الأفراد، ولا سيما الشباب، إلى الهجرة باعتبارها تعبيرا عن علاقتهم بالحاضر وتصورهم للمستقبل.
وتنطلق هذه المقاربة من اعتبار النزوح الجماعي ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في مسؤولية الفرد أو المجتمع وحدهما. فالمنظور النفسي لا يسعى إلى تحميل الفرد المسؤولية، ولا إلى إلقائها على المجتمع، وإنما إلى فهم كيفية تشكّل هذا السلوك، في بعديه الفردي والجماعي، من خلال تفاعل عوامل شخصية، مثل الدوافع والتوقعات والطموحات والتمثلات وتصور المستقبل وسمات الشخصية، مع عوامل بيئية وسياقية، مثل المعايير الاجتماعية والثقافية، والسياق الاقتصادي، وتأثير الأسرة والأقران، وشبكات العلاقات والانتماء، والفرص والقيود التي يفرضها الواقع الاجتماعي، فضلاً عن الخطابات والصور المتداولة حول الهجرة وأوروبا والنجاح وتحسين شروط الحياة. ومن ثم، لا يمكن اختزال هذا السلوك في قرار فردي محض، ولا في استجابة آلية للظروف الاجتماعية، بل ينبغي فهمه بوصفه نتاجا لدينامية تفاعلية بين الفرد وبيئته، تتداخل فيها الدوافع والتصورات مع السياق الذي يعيش فيه الفرد.
تعدد البروفيلات والمسارات ومأزق التعميم: لا وجود لـ«مهاجر» نمطي واحد
من المهم، من الناحية المنهجية، التشديد على ضرورة تجنب التعميم في تناول ظاهرة النزوح الجماعي نحو سبتة، بالنظر إلى التباين الملحوظ بين المشاركين من حيث الجنسيات، والفئات العمرية، والأوضاع الأسرية، والمسارات الاجتماعية والهجرية. فالظاهرة لا تضم فئة سكانية متجانسة، وإنما تشمل مغاربة وجزائريين وتونسيين ومصريين، إلى جانب مهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ومن منطقة الشرق الأوسط وغيرها، كما تضم أطفالاً ومراهقين وقاصرين وشباباً راشدين، فضلاً عن أسر بأكملها.
وعليه، فإن استخدام مفهوم «المهاجر» بصيغة المفرد، أو التعامل مع «المهاجرين» باعتبارهم جماعة متجانسة تتقاسم الدوافع والمسارات والتجارب نفسها، قد يؤدي إلى طمس التباين الذي يميز هذه الفئة، وإلى إغفال الاختلافات القائمة بينهم من حيث الخبرات الحياتية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والدوافع، والتمثلات، فضلاً عن المسارات الفردية والأسرية السابقة للهجرة.
وتأسيساً على ذلك، لا يمكن النظر إلى الهجرة باعتبارها تجربة موحدة تُعاش وفق نمط واحد، وإنما باعتبارها تجربة تتخذ معاني ودلالات ومسارات مختلفة تبعا لتفاعل الخصائص الفردية مع السياقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية التي يتشكل ضمنها مسار كل فرد. ومن ثم، فإن دراسة النزوح الجماعي نحو سبتة تستدعي اعتماد منظور تحليلي يراعي هذا التنوع، ويتجنب اختزال المشاركين في فئة واحدة أو إسناد دوافع موحدة إليهم، بما يسمح بفهم أكثر دقة لتعقيد الظاهرة وتعدد مساراتها.
فالطفل أو المراهق، مثلا، قد يكون أكثر عرضة للتأثير أو للاستغلال، ولا يوجد بالضرورة في الوضع الاجتماعي نفسه، ولا في درجة النضج النفسي التي يوجد فيها شاب راشد أو شخص بالغ لديه تجربة سابقة مع الهجرة. غير أن قابلية التأثر أو التعبئة أو الاستغلال لا ترتبط بالسن وحده؛ فقد يكون بعض الراشدين أيضا عرضة لأشكال مختلفة من التأثير أو الإقناع، خاصة عندما تتداخل الطموحات الشخصية مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، أو عندما تستثمر بعض الخطابات والشبكات في تطلعاتهم ومخاوفهم وتصوراتهم عن المستقبل. فبلوغ سن الرشد لا يعني بالضرورة الاستقلال التام في اتخاذ القرار أو الحصانة من التأثيرات والمخاطر المحيطة. كما أن مسار شخص ينحدر من منطقة راكمت تاريخا طويلا مع الهجرة قد يختلف عن مسار شخص نشأ في بيئة اجتماعية لا تحتل فيها الهجرة المكانة نفسها. لذلك، يقتضي فهم الظاهرة النظر في تعدد البروفيلات والمسارات المهاجرية التي تسبق لحظة العبور أو محاولة العبور.
فقرار الهجرة لا يبدأ بالضرورة عند الحدود، وإنما قد يتشكل قبل ذلك بسنوات، داخل الأسرة والمدرسة والحي وشبكات العلاقات، ومن خلال الصور والتمثلات الاجتماعية المرتبطة بالنجاح والحياة الكريمة والمستقبل. وفي بعض المناطق التي راكمت تاريخا طويلا مع الهجرة، كمنطقة الريف، على سبيل المثال لا الحصر، قد تصبح الهجرة جزءا من الذاكرة الجماعية للأسرة ولجماعة الانتماء؛ إذ ينشأ الفرد وهو يرى أفرادا من محيطه يهاجرون، ثم يعود بعضهم وقد تحسنت أوضاعهم الاقتصادية وتغيرت مكانتهم الاجتماعية. ومن ثم، قد لا تعود الهجرة فكرة غريبة أو استثنائية، بل تصبح أحد المسارات الممكنة التي يُبنى من خلالها تصور الفرد لمستقبله، خاصة عندما ترتبط في المخيال الجماعي بصور النجاح وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
كما أن معرفة الأشخاص الذين يفكرون في الهجرة لا تكون بالضرورة سطحية أو ناتجة فقط عن المحتوى الرقمي. فقد يمتلك بعضهم معرفة “دقيقة” إلى حد ما بالمخاطر والصعوبات المرتبطة بمسار الهجرة، بل وبالاستراتيجيات التي يرون أنها قد تساعدهم على بلوغ هدفهم. وتتشكل هذه المعرفة من مصادر متعددة، من بينها تجارب الأقارب والأصدقاء، وشهادات أشخاص سبق لهم خوض تجربة الهجرة، سواء داخل الدائرة الاجتماعية المباشرة أو عبر شبكات أوسع من المعارف.
وهنا تظهر إحدى المفارقات النفسية المهمة: معرفة المخاطر لا تعني بالضرورة العزوف عن الهجرة. فقد يدرك الفرد صعوبة الطريق واحتمالات الفشل أو التوقيف أو التعرض للخطر، ومع ذلك يرى أن هذه المخاطر تظل مقبولة مقارنة بما يتصوره من فرص في الجهة الأخرى. لذلك، ينبغي التمييز بين معرفة المخاطر وتقييمها.
ويمكن، من الناحية السيكولوجية، أن تتداخل في هذه العملية بعض التحيزات المعرفية التي تؤثر في إدراك المخاطر وتقييمها، مثل وهم السيطرة، الذي قد يدفع الفرد إلى المبالغة في تقدير قدرته على التحكم في مجريات الموقف أو تجنب نتائجه السلبية، أو التقليل من احتمال تعرضه للخطر مقارنة بغيره. وقد تتداخل معه تحيزات أخرى، مثل التفاؤل غير الواقعي، أو الميل إلى التركيز على النتائج المرغوبة أكثر من التركيز على احتمالات الفشل. غير أن هذه التحيزات لا ينبغي فهمها باعتبارها تفسيرا كافيا للظاهرة، وإنما باعتبارها إحدى الميكانيزمات النفسية المعرفية التي قد تدخل في تفاعل أوسع مع التجارب الشخصية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية وتصورات المستقبل. ومن هنا، لا يكفي السؤال عما إذا كان الفرد يعرف المخاطر، بل ينبغي فهم كيف يدركها، وكيف يقيّمها، وكيف يقدّر قدرته على مواجهتها، وما الذي يجعلها مقبولة أو محتملة في ضوء تصوراته عن الحاضر والمستقبل؟
التكنولوجيا والتعبئة الرقمية: تأثير حقيقي لا يختزل الظاهرة
لا يمكن البتة إغفال الدور الذي أصبحت تؤديه مختلف وسائط التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي، فهي توفر إمكانيات غير مسبوقة للتعبئة ونقل المعلومات وتبادل التجارب، كما أنها تعرض الشباب يوميا لنماذج مختلفة للنجاح والثراء ذات الصلة بالهجرة. وقد تساهم بعض المحتويات في تكوين صورة مثالية عن الحياة في أوروبا، أو في خلق انطباع بأن الانتقال إلى الضفة الأخرى يمكن أن يؤدي بسرعة إلى تغيير جذري في الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
كما أن الفضاء الرقمي قد يتجاوز مجرد نقل المعلومات إلى نوع من التعبئة المنظمة أو شبه المنظمة. فالصفحات والمنصات يمكن أن تستهدف فئات معينة تبدو أصلا أكثر استعدادا للتفكير في مغادرة المغرب، وأن تقدم لها محتوى يتوافق مع انتظاراتها أو رغباتها أو مخاوفها. ومن هذه الزاوية، لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا أصبحت جزءا من البيئة التي تتشكل داخلها قرارات الهجرة المعاصرة.
لكن اختزال الظاهرة في وسائل التواصل الاجتماعي وحدها قد يحجب تعقيدها؛ فهذه الوسائل لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، وإنما قد تضخمها أو تمنحها صورا وخطابات ومسارات جديدة للتعبير والتداول. ومن ثم، لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال عما إذا كان هؤلاء الأشخاص قد تعرضوا للتأثير أو التعبئة الرقمية، وإنما أيضا بفهم لماذا كانت هذه الرسائل قادرة على التأثير فيهم أصلا. ففاعلية المحتوى الرقمي ترتبط بما يحمله الفرد مسبقا من تطلعات وتمثلات وتوقعات بشأن المستقبل، وبالسياق الاجتماعي الذي يعيش فيه. لذلك، يمكن أن تؤدي وسائل التواصل دورا في تعزيز الرغبة في الهجرة وتكثيفها وتسهيل انتقالها بين الأفراد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير نشوء هذه الرغبة أو تحولها إلى سلوك جماعي.
بل إن بعض المرشحين للهجرة يمتلكون معلومات وتجارب سابقة تتجاوز بكثير ما يشاهدونه على الإنترنت؛ فقد يستندون إلى أقارب أو أصدقاء أو معارف سبق لهم خوض تجربة الهجرة، ويعرفون من خلالهم تفاصيل عن المسار والمخاطر والنتائج المحتملة. لذلك، قد يكون المحتوى الرقمي في بعض الحالات عاملا في تعزيز قرار موجود مسبقا أكثر من كونه العامل الذي أنشأ الرغبة في الهجرة من الأساس.
وهنا تبرز أهمية التفكير النقدي والمناعة النفسية. صحيح أن بعض القاصرين والمراهقين قد يكونون أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى الرقمي، لكن تعميم فكرة «التلاعب» على جميع الأشخاص، بمن فيهم الراشدون، قد يحجب عوامل أخرى أكثر عمقا ودلالة وتأثيرا. وإذا كانت بعض الرسائل الرقمية قادرة على التأثير في الأفراد، فإن ذلك يطرح سؤالا جوهريا حول دور المدرسة في تنمية التفكير النقدي وتعزيز المناعة النفسية: كيف نُنمّي لدى الفرد القدرة على التحقق من المعلومات، والتمييز بين التجربة الفردية والواقع العام، وتقييم المخاطر قبل اتخاذ قرارات مصيرية؟
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل المدرسة والجامعة وحدهما مسؤولية بناء هذه الكفايات؛ فالتفكير النقدي والمناعة النفسية يتشكلان ضمن مسار اجتماعي أوسع، تشارك فيه الأسرة، والمدرسة والجامعة، ووسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتجارب اليومية. كما أن تصديق معلومة غير دقيقة لا يعني بالضرورة ضعف الذكاء أو محدودية المستوى التعليمي؛ فقد يكون الفرد أكثر استعدادا لتصديقها عندما تتوافق مع رغبة أو أمل أو تصور سابق لديه. وهنا تتضح أهمية المنظور النفسي؛ فالأفراد لا يستقبلون الرسائل الرقمية بصورة محايدة، وإنما يفسرونها في ضوء حاجاتهم وتوقعاتهم وتجاربهم السابقة وتمثلاتهم للحاضر والمستقبل.
الأمل والمقارنة الاجتماعية: الهجرة باعتبارها مؤشرا على صورة المستقبل
لا تنبع الهجرة بالضرورة من الشعور بالضيق أو من رفض الواقع القائم، وإنما قد تكون أيضا مدفوعة بالأمل والرغبة في بناء حياة مختلفة، وبالتطلع إلى إمكانية تحقيق مستقبل أفضل. وفق هذا المنظور، يمكن فهم الهجرة، في بعض الحالات، باعتبارها تعبيرا عن فجوة بين المستقبل الذي يتصوره الفرد ممكنا في سياقه الحالي، والمستقبل البديل الذي يتخيله أو يطمح إلى تحقيقه في مكان آخر.
ويكتسب الأمل هنا أهمية خاصة؛ فهو لا يعني بالضرورة وجود توقع واقعي بالنجاح، وإنما يشير إلى استمرار الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى نتيجة أفضل. وفي علم النفس، يرتبط مفهوم الأمل بتصور الأهداف وبالقدرة المدركة على إيجاد مسارات للوصول إليها، مع الاعتقاد بإمكانية بلوغها. ومن ثم، قد تصبح الهجرة أكثر جاذبية عندما يشعر الفرد بأن المسارات المتاحة أمامه محدودة، بينما يبدو له الانتقال إلى مكان آخر وكأنه يفتح مسارات جديدة لتحقيق أهدافه. وقد يكون هذا التصور واقعيا أو مبالغا فيه، لكن أهميته النفسية تكمن في الطريقة التي يؤثر بها في تقييم الفرد لخياراته الحالية والمستقبلية.
وترتبط هذه العملية أيضا بما تتيحه المقارنة الاجتماعية من معايير لتقييم الذات؛ إذ هذه الآلية من الوسائل الأساسية التي يستخدمها الأفراد لتقييم أوضاعهم وقدراتهم ومكانتهم. وفي السياق المعاصر، لم تعد هذه المقارنات محصورة في المحيط المباشر؛ إذ أتاحت البيئة الرقمية للفرد أن يقارن حياته بصورة مستمرة بأشخاص يعيشون في بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة. وقد تؤدي هذه المقارنات، خصوصا عندما تكون انتقائية وتُظهر جوانب النجاح والرفاه أكثر من جوانب الصعوبة والمعاناة، إلى إعادة تشكيل إدراك الفرد لما هو ممكن وما هو مرغوب فيه.
وهنا يكتسب العالم الرقمي أهمية خاصة، ليس لأنه يخلق الرغبة في الهجرة بالضرورة، وإنما لأنه يوسّع مجال المقارنة الاجتماعية، ويجعل أنماط حياة كانت تبدو بعيدة جغرافياً أكثر حضوراً في الحياة اليومية. فالفرد قد يشاهد بشكل متكرر تجارب أشخاص يعرفهم أو يشعر بأنهم يشبهونه، وقد يتعرض لصور ومضامين تتعلق بالعمل، والاستهلاك، والاستقلالية، وظروف العيش في أوروبا. ونتيجة لذلك، يمكن أن تتحول أوروبا، بالنسبة لبعض الأفراد، من فضاء جغرافي بعيد إلى أفق اجتماعي ونفسي متخيَّل، يبدو فيه الانتقال إليها إمكانية قابلة للتحقق وتحقيق أنماط حياة بديلة. وهنا تصبح المقارنة أقل ارتباطاً بما يملكه الفرد فعلياً، وأكثر ارتباطاً بما يعتقد أنه يستطيع أن يصبح عليه.
غير أن المقارنة الاجتماعية لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها لدى الجميع. فقد تدفع بعض الأفراد إلى الشعور بالإحباط أو الحرمان النسبي عندما تصبح الفجوة بين واقعهم وما يرونه لدى الآخرين أكثر وضوحا، بينما قد تدفع آخرين إلى البحث عن مسارات جديدة لتحقيق أهدافهم. وفي هذا السياق، يمكن أن يكون مفهوم الحرمان النسبي مفيدا لفهم الكيفية التي لا يرتبط بها الشعور بعدم الرضا بالفقر فقط، وإنما بالمقارنة بين ما يملكه الفرد وما يعتقد أنه يستحقه أو يستطيع الوصول إليه مقارنة بالآخرين.
لكن من المهم هنا تجنب افتراض أن جميع المرشحين للهجرة تحركهم الآليات النفسية نفسها. فالدوافع قد تتعدد وتتداخل: قد يكون البحث عن العمل أو تحسين الدخل عاملا أساسيا لدى شخص، بينما تكون الرغبة في الاستقلالية أو بناء مسار مهني أو الالتحاق بأحد أفراد الأسرة أكثر أهمية لدى شخص آخر. وقد تلعب تجربة أحد الأقارب أو الأصدقاء، أو المقارنة الاجتماعية، أو الرغبة في تغيير نمط الحياة، أو التأثر بالمحتوى الرقمي، أدوارا مختلفة من حالة إلى أخرى. لذلك، لا ينبغي البحث عن دافع واحد يفسر الهجرة الجماعية، وإنما عن تشكيلات مختلفة من الدوافع والتمثلات والتجارب تتفاعل داخل سياقات اجتماعية وثقافية واقتصادية محددة.
وفق هذا المعنى، لا تكون الهجرة مجرد استجابة لضغوط الحاضر، وإنما قد تشكل أيضاً تعبيراً عن صورة الفرد لمستقبله وللإمكانات التي يراها متاحة أمامه. فكلما بدا المستقبل المتخيَّل داخل البيئة الراهنة محدوداً، وكلما ظهر مستقبل بديل أكثر جاذبية وقابلية للتحقق في تصور الفرد، قد تزداد جاذبية خيار الهجرة. غير أن المسافة بين المستقبل المتخيَّل والمستقبل الفعلي تظل ذات أهمية في فهم هذا المسار؛ إذ قد تتشكل التوقعات من خلال تجارب ناجحة وانتقائية، أو مقارنات اجتماعية غير متوازنة، أو تصورات لا تعكس بالضرورة تعقيدات الحياة في الوجهة المقصودة. ومن ثم، يصبح فهم الهجرة من منظور نفسي مرتبطا ليس فقط بدراسة دوافع الرغبة في المغادرة، وإنما أيضا بتحليل تمثلات المستقبل التي يحملها الفرد: أي مستقبل يتخيله، وكيف تشكلت صورته، وما العوامل التي تجعله يبدو أكثر قابلية للتحقق من المستقبل الذي يراه متاحاً أمامه في بيئته الراهنة.
أوروبا كملجأ متخيَّل رغم معرفة قسوة الواقع
من العوامل التي تساعد على فهم الإصرار على العبور إلى سبتة، وجود تصور لدى بعض الأشخاص بأن أوروبا، رغم كل ما يُسمع عنها من صعوبة العيش وقسوة الغربة والاغتراب، تظل في النهاية فضاء للنجاة أو ملجأً يمكن أن يوفر فرصا أفضل للحياة. والمفارقة أن هذا التصور لا يعني بالضرورة غياب الوعي بالمعاناة التي قد تنتظر المهاجر في الضفة الأخرى؛ فالكثيرون يعرفون مسبقا تعقيدات تسوية الوضعية القانونية، وعدم استقرار العمل والسكن، إضافة إلى تجارب العنصرية والتمييز والشعور بالوحدة والاغتراب. ومع ذلك، قد لا تكون هذه المعرفة كافية لتغيير الرغبة في العبور.
ويبدو أن الأمر يرتبط أحيانا بآليات نفسية واجتماعية تجعل بعض الأفراد يتغاضون عن كلفة الهجرة ومعاناتها المحتملة عندما تصبح أوروبا مرتبطة في مخيلتهم بالأمل والفرصة والخلاص من وضع يرونه أكثر صعوبة. وقد يتعزز هذا التصور بفعل الرغبة في الاكتشاف والمغامرة، خصوصا لدى الشباب، حيث تتحول أوروبا من مجرد مكان جغرافي إلى فضاء متخيَّل يحمل وعودا بحياة أفضل. كما أن خصوصية التجربة المغربية نفسها قد تلعب دورا في تشكيل هذه الصورة. ففترة العطلة الصيفية، التي تشهد عودة أعداد كبيرة من المغاربة المقيمين بالخارج إلى وطنهم، تتيح للأسر والأفراد الاحتكاك بمظاهر النجاح والاستهلاك والرفاه المرتبطة بالهجرة، بينما لا تكون الجوانب الأكثر قسوة من حياة المهاجر، مثل الضغط النفسي، والعمل الشاق، والعزلة، والخوف من فقدان الوضعية القانونية، حاضرة بالدرجة نفسها في الفضاء الاجتماعي. وقد يؤدي ذلك إلى بروز انتقائية في إدراك الهجرة، بحيث تظل صور النجاح والعودة المريحة أكثر وضوحا من صور المعاناة اليومية.
وهكذا، فإن الرغبة في العبور لا يمكن تفسيرها فقط بعدم معرفة الواقع الأوروبي، بل قد تكون ناتجة عن التعايش بين معرفتين متناقضتين: معرفة بمعاناة الهجرة من جهة، واستمرار الاعتقاد بأن أوروبا، رغم كل صعوباتها، تظل أفضل من الواقع الذي يسعى الفرد إلى مغادرته من جهة أخرى. وهذا التناقض مهم، لأنه يبين أن قرار العبور ليس بالضرورة نتيجة جهل بالمخاطر، وإنما قد يكون نتيجة موازنة نفسية تجعل الأمل في المستقبل يتغلب، في لحظة معينة، على الخوف من المعاناة المتوقعة.
الشباب والشغل وصورة المستقبل: هل المشكلة في غياب العمل أم في معناه؟
هناك تحول في غاية الأهمية يتعلق بعلاقة الشباب بالعمل. فجيل الشباب اليوم لا ينظر بالضرورة إلى العمل بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها الأجيال السابقة. المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالحصول على منصب أو وظيفة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالاستقلالية والمرونة والاعتراف والقدرة على التحكم في الوقت والمسار المهني. ولهذا نلاحظ تنامي جاذبية العمل الحر، والعمل عن بعد، وغيرها من الأشكال الجديدة للعمل.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار مفهوم العامل الذكي Smart Worker والعمل عن بعدRemote work والعمل الرقمي الرحال Digital Nomad Work للدلالة على التحولات التي يعرفها عالم الشغل في ظل الرقمنة والتكنولوجيات الجديدة، حيث لم يعد العمل بالنسبة إلى بعض الفئات مجرد وظيفة ومصدر للدخل، وإنما أصبح يرتبط أيضا بالمرونة والاستقلالية وتوظيف المهارات والقدرة على التطور المهني. فالعامل قد يبحث عن نموذج أكثر مرونة، يسمح له بهامش أكبر من الاستقلالية، ويمنحه إمكانية تطوير مهاراته وبناء مسار مهني يتوافق بدرجة أكبر مع تصوراته عن الحياة والمستقبل.
ومن هذا المنظور، قد يكون من المفيد ألا يقتصر السؤال على ما إذا كان الشباب يعملون أم لا، وإنما أن نتساءل أيضا عن طبيعة العمل المتاح لهم، ومدى توافقه مع تطلعاتهم إلى الاستقلالية والكرامة والتطور المهني والعمل اللائق. فاختزال علاقة الشباب بالعمل في ثنائية «يعمل/لا يعمل» قد يخفي جوانب أخرى أكثر أهمية، تتعلق بجودة العمل، والاستقرار، وفرص التطور، والإحساس بالقيمة والمعنى، والقدرة على بناء مستقبل من خلال العمل.
لذلك، ينبغي الحذر من تفسير بعض مظاهر العزوف عن وظائف معينة باعتبارها رفضا للعمل أو نقصا في الرغبة في العمل. فقد يكون الشاب مستعدا للعمل، لكنه لا يجد في بعض الوظائف المتاحة له شروطا تتوافق مع تصوراته عن الحياة المهنية التي يريد بناءها. ومن هنا، يصبح مفهوم العمل اللائق decent work أوسع من مجرد الحصول على أجر، ليشمل أيضا الكرامة، والأمن الوظيفي والاستقرار، والاستقلالية، وفرص التعلم والتطور، والشعور بأن العمل يمكن أن يشكل مصدرا حقيقيا لبناء المستقبل.
وعليه، لا تصبح الهجرة مرتبطة فقط بالهروب من البطالة أو الفقر أو من واقع اجتماعي قد يكون عاديا ومستقرا نسبيا، وإنما قد تعكس أيضا البحث عن نمط حياة، ومسار مهني، وآفاق مستقبلية تتوافق بصورة أكبر مع التطلعات الفردية. وقد تكون هذه التطلعات واقعية في بعض الحالات، ومبالغا فيها أو مبنية على تصورات مثالية في حالات أخرى؛ غير أن مجرد وجودها يساهم في فهم الكيفية التي قد تتحول بها الهجرة إلى خيار جذاب لدى بعض الفئات والشرائح المجتمعية.
على سبيل الختم
إن النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها في التضليل الرقمي أو الفقر والبطالة أو انسداد الأفق، كما لا يمكن تفسيرها بعامل نفسي أو اجتماعي منفرد. فهي تتشكل عند تقاطع الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومسارات التعليم والتكوين، وفرص الولوج إلى العمل مع التطلعات الفردية والتمثلات وشبكات العلاقات وتأثير البيئة الرقمية وصورة المستقبل.
وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تكشف، إلى جانب الرغبة في الوصول إلى أوروبا، عن تحولات في الطريقة التي يتصور بها بعض الشباب حاضرهم ومستقبلهم، وعن الشروط التي تجعل الهجرة تبدو خيارا ممكنا أو فرصة واعدة. ومن هذا المنظور، فإن فهم الظاهرة يقتضي تجاوز التفسيرات الأحادية، والنظر إلى كيفية تفاعل الفرد مع محيطه وشروطه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وعليه، فإن النزوح نحو سبتة المحتلة ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا اجتماعيًا ونفسيًا يستحق الفهم لا الحكم، بما يتيح بناء سياسات عمومية أكثر شمولًا وواقعية، لا تقتصر على المقاربة الأمنية أو مواجهة التأثيرات الرقمية، وإنما تهتم أيضا بالمدرسة والجامعة، والتعليم والتكوين، وفرص الولوج إلى العمل، والحد من البطالة، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، وفتح آفاق واقعية أمام الشباب لبناء مستقبلهم داخل مجتمعهم.
فالتعامل المسؤول مع هذه الظاهرة لا يبدأ بإدانة الأفراد أو تحميلهم وحدهم مسؤولية اختياراتهم، كما لا يقوم على إلقاء المسؤولية كاملة على المجتمع، وإنما على فهم الشروط التي تجعل بعض الخيارات أكثر جاذبية من غيرها، والعمل على توفير بدائل حقيقية وواقعية تمنح الشباب إمكانات أوسع للاختيار وبناء المستقبل.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.