في ظل التحولات الجيوستراتيجية المتسارعة وتسارع القرارات التجارية والتهديدات الأمنية، تتجه الحكومة الكندية نحو إعادة تشكيل مساراتها الدولية لتقليل الاعتماد على دارتها واشنطن. ويأتي هذا التحول من خلال تقارب غير مسبوق مع المفوضية الأوروبية لتأسيس “مجلس أمن أوروبي” يمنح أوتاوا صفة “عضو منتسب”، كخطوة تهدف إلى صياغة تحالف مرن ومستقل يضمن استقرار الشراكة عبر الأطلسي.
وفي المقابل، أثار هذا التوجه ردود فعل متناقضة وتساؤلات جوهرية؛ فبينما يرى الخبراء في هذا التنسيق رداً عقلانياً يؤكد استقلالية القوى المتوسطة، هاجمت الإدارة الأمريكية المبادرة واعتبرتها التفافاً على الشروط الثنائية، مهددة بفرض رسوم جمركية مشددة.
وفي هذا الحوار يجيب الأكاديمي والباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد، المقيم بفانكوفر كندا على أسئلة هسبريس بخصوص أبعاد هذه الخطوة الأروكندية من اجل خلق توازنات جديدة وطبيعة هذه “العضوية المتفردة” ومدى قدرتها على الصمود أمام الفوضى التجارية.
هل نحن أمام بداية انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي، أم أمام شيء أكبر استراتيجياً من مسألة العضوية؟
أعتقد أن اختزال ما يحدث في مفهوم “العضوية” سيكون خطأ في قراءة التحول الجاري. المسألة ليست انتقال كندا من الفضاء الأمريكي إلى الفضاء الأوروبي، وإنما محاولة بناء هندسة جديدة للتحالفات بين القوى التي تمتلك وزناً اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة للاستقطاب بين القوى الكبرى.
كندا لا تبحث عن استبدال واشنطن ببروكسل، وأوروبا لا تبحث عن إضافة دولة ثامنة وعشرين إلى الاتحاد. ما يتم اختباره، في تقديري، هو نموذج جديد يمكن أن نسميه «الاندماج الاستراتيجي دون الاندماج السياسي»: أي أن تحتفظ كندا بسيادتها السياسية والقانونية، وفي الوقت نفسه تصبح أكثر اندماجاً مع أوروبا في الدفاع، والطاقة، والمعادن الاستراتيجية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والفضاء والقطب الشمالي.
وهذا تحديداً ما يجعل التجربة مهمة دولياً. فإذا نجحت، قد نكون أمام نموذج جديد للتحالفات لا يقوم على السؤال التقليدي: هل أنت عضو أم لست عضواً؟ بل على سؤال أكثر أهمية: إلى أي درجة تستطيع الدول دمج مصالحها الاستراتيجية من دون دمج سيادتها؟
وهنا تكمن، في نظري، القيمة الحقيقية للمبادرة. إنها ليست مجرد توسيع للعلاقة الكندية الأوروبية، بل ربما مختبر لشكل جديد من التحالفات في النظام الدولي القادم. وهذا يتوافق مع أن المجالات المطروحة حالياً تتجاوز التجارة إلى الدفاع والطاقة والمعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي والكم والأمن السيبراني والقطب الشمالي.
لماذا كندا تحديداً؟ ولماذا تعرض أوروبا على أوتاوا علاقة استثنائية بينما بقيت أكثر تحفظاً تجاه دول أقرب جغرافياً إليها كتركيا مثلا؟
لأن أوروبا لا تنظر إلى كندا اليوم من خلال الجغرافيا، وإنما من خلال القيمة الاستراتيجية التي تستطيع إضافتها إلى المنظومة الأوروبية. هناك تحول مهم جداً فأوروبا كانت تاريخياً قوة تنظيمية وتجارية كبرى، لكنها أصبحت اليوم مضطرة إلى التفكير بمنطق الأمن الاقتصادي والأمن الطاقي والتكنولوجي.
وفي هذا السياق، تمتلك كندا مجموعة نادرة من الأصول: الطاقة، المعادن الحيوية، قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، عمقاً جغرافياً في القطب الشمالي، مؤسسات مستقرة، وقدرة على الاندماج مع المنظومات الغربية دفاعياً واستخباراتياً. بمعنى آخر، أوروبا لا تحتاج إلى كندا لكي تكبر جغرافياً؛ بل تحتاج إليها لكي تصبح أكثر قدرة استراتيجياً.
ومن الجانب الكندي، المعادلة معاكسة ولكنها متكاملة: كندا تمتلك موارد وقوة مالية وتكنولوجية كبيرة، لكنها تعاني من تركّز جغرافي استثنائي لعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن الارتباط الأعمق بأوروبا يسمح لأوتاوا بتحويل جزء من قدراتها الوطنية إلى هامش مناورة دولي أكبر. لذلك أرى أن جوهر الصفقة المحتملة بسيط: أوروبا تبحث عن العمق الاستراتيجي، وكندا تبحث عن تنويع عمقها الاستراتيجي.
وتؤكد الخطط المعلنة هذا التلاقي، خصوصاً حول المعادن الحيوية والطاقة وسلاسل القيمة والدفاع والقطب الشمالي.
هل هذا التقارب الكندي الأوروبي موجّه ضد الولايات المتحدة؟ وكيف ينبغي قراءة رد واشنطن؟
من الخطأ، في تقديري، قراءة التحرك الكندي باعتباره انتقالاً من التحالف مع الولايات المتحدة إلى التحالف ضد الولايات المتحدة. الجغرافيا والاقتصاد والدفاع تجعل العلاقة الكندية الأمريكية غير قابلة للاستبدال. لكن عدم قابلية العلاقة للاستبدال لا يعني قبول التبعية الاستراتيجية. وهذا فرق أساسي.
ما تقوم به أوتاوا هو محاولة الانتقال من منطق الاعتماد إلى منطق تعدد الارتكازات الاستراتيجية. عندما تكون للدولة قناة اقتصادية واحدة مهيمنة، فإن أي أزمة في تلك القناة تتحول سريعاً إلى أزمة وطنية. أما عندما تمتلك علاقات عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وشركاء آخرين، فإنها ترفع قدرتها على امتصاص الصدمات وعلى التفاوض. لذلك، حتى الرد الأمريكي يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره خلافاً دبلوماسياً. واشنطن تدرك أن المسألة تتعلق بشيء أعمق: إعادة توزيع القدرة على التفاوض داخل المنظومة الغربية نفسها.
وأعتقد أن استراتيجية كندا الذكية ليست في تحدي الولايات المتحدة، وإنما في الوصول إلى وضع تصبح فيه العلاقة مع واشنطن اختياراً استراتيجياً قوياً وليس ضرورة بلا بدائل.
وهذا قريب من الخط الذي عرضه كارني نفسه في ستراسبورغ: كندا ستحدد شراكاتها بنفسها، مع تأكيده في الوقت ذاته أن تعميق العلاقة الأوروبية يمكن أن يجعلها شريكاً أقوى للولايات المتحدة، لا خصماً لها.
ما الذي يمكن أن يتغير فعلياً إذا انتقلت المبادرة من الخطاب السياسي إلى مشروع استراتيجي حقيقي؟
الاختبار الحقيقي لن يكون في اسم الاتفاق، وإنما في درجة الاندماج التي سيتمكن الطرفان من تحقيقها في القطاعات التي تحدد القوة في القرن الحادي والعشرين. بالنسبة لي، هناك خمسة اختبارات حقيقية: الدفاع، الطاقة، المعادن الحيوية، التكنولوجيا المتقدمة، والقطب الشمالي. إذا بقيت المبادرة مجرد تحسين لاتفاقيات التجارة، فسنكون أمام تطوير مهم للعلاقة، ولكن ليس تحولاً استراتيجياً.
أما إذا أصبحت الشركات الدفاعية الكندية جزءاً فعلياً من القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، وإذا تشكلت سلاسل قيمة مشتركة للمعادن والبطاريات، وإذا تطور تعاون مؤسسي في الذكاء الاصطناعي والكم والأمن السيبراني، وإذا أصبح القطب الشمالي فضاءً مشتركاً للتخطيط الاستراتيجي، عندها نستطيع الحديث عن تحول تاريخي.
لأن القوة الدولية اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو بحجم الناتج الداخلي الخام. القوة الحقيقية هي القدرة على تأمين السلاسل التي تجعل الدولة قادرة على الاستمرار في العمل عندما يتعرض النظام الدولي للصدمات. وهنا أعتقد أن الرؤية الكندية الأوروبية الأكثر طموحاً يجب أن تكون الانتقال من التجارة الحرة إلى الأمن المشترك للقدرات الاستراتيجية.
ذوهذا بالفعل قريب من الأجندة التي عرضها الطرفان، والتي تشمل التصنيع المتقدم والطاقة والبطاريات والذكاء الاصطناعي والكم والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية والقطب الشمالي.
هل يمكن أن تتحول التجربة الكندية الأوروبية إلى نموذج أوسع لبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها؟ وهل نحن أمام نواة لتحالف دولي جديد؟
هنا تحديداً أعتقد أن المسألة تصبح أكثر إثارة للاهتمام من العلاقة بين كندا والاتحاد الأوروبي نفسها. إذا استطاع الطرفان ابتكار صيغة تسمح بدرجة عالية من الاندماج الاستراتيجي دون العضوية السياسية الكاملة، فإنهما سيكونان قد صنعا أداة جديدة في هندسة التحالفات الدولية.
وقد تصبح هذه الصيغة قابلة، بدرجات مختلفة، للتوسع نحو بريطانيا والنرويج وربما شركاء ديمقراطيين آخرين. ليس بالضرورة تحت مؤسسة واحدة، وإنما عبر دوائر متداخلة للتعاون في الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والمعادن والذكاء الاصطناعي والأمن الاقتصادي.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: النظام الدولي الذي يتشكل أمامنا لن يكون بالضرورة عالماً من كتلتين مغلقتين كما كان خلال الحرب الباردة. قد يكون عالماً من شبكات استراتيجية متداخلة، تدخل فيها الدول في تحالفات مختلفة بحسب القطاع والمصلحة والتهديد.
لذلك، ربما السؤال الأكثر أهمية ليس: هل ستصبح كندا عضواً منتسباً في الاتحاد الأوروبي؟ السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع كندا وأوروبا ابتكار نموذج للتحالف يناسب القرن الحادي والعشرين قبل أن تفرض عليهما أزمات القرن الحادي والعشرين نموذجها الخاص؟ وهذا الاحتمال ليس نظرياً تماماً: فون دير لاين طرحت بالتوازي فكرة مجلس أمني أوروبي يضم شركاء مثل كندا وبريطانيا والنرويج وأوكرانيا…
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.