معركة المساواة المؤجلة...

معركة المساواة المؤجلة...
الأحد 27 يوليوز 2025 - 16:07

رغم ما يُرفع من شعارات الحداثة وحقوق الإنسان، لا يزال واقع النساء في المغرب يرزح تحت أثقال تاريخية وقانونية وثقافية تُكرّس أشكالاً متعددة من التمييز وعدم المساواة. وتبدو هذه الهوة بين الخطاب والممارسة أكثر فجاجة حين نستحضر ما تم التنصيص عليه في دستور 2011 من التزام صريح بتحقيق المناصفة والمساواة، مقارنة بما يتم فعلياً على أرض الواقع في مستويات مختلفة، سواء في النصوص القانونية التي تحكم حياة النساء، أو في التمثلات المجتمعية التي تستبطن دونية المرأة وتُعيد إنتاجها من خلال العادات والأعراف والمؤسسات. إن التحليل النقدي لهذا الواقع لا يمكن أن يكتفي بالتشخيص الظاهري، بل عليه أن ينفذ إلى البنيات التي تنتج هذا التمييز وتعزّزه، سواء تعلق الأمر بالبنية القانونية أو بالبنية الثقافية أو بالتوزيع غير العادل للثروة والسلطة والمعرفة.

في المدونة التي كان يُفترض أن تشكل مدخلاً لتحرر النساء قانونياً، بقيت بنود كثيرة أسيرة منطق التمييز الذكوري، خاصة فيما يتعلق بالإرث والطلاق والولاية. لا تزال القاعدة الفقهية “للذكر مثل حظ الأنثيين” تحكم التوزيع المالي للأسرة حتى وإن كانت المرأة هي من تحملت أعباء الحياة والعمل. وهذا التناقض بين دورها الاقتصادي والاجتماعي من جهة، ووضعها القانوني من جهة ثانية، يُفقد القانون منطقه العادل، ويُظهره أداة لإعادة إنتاج السلطة الذكورية بدل أن يكون أداة للمساواة. أما الولاية، فإن القانون لم يحسم بشكل قطعي في أن المرأة الراشدة عاقلة ومسؤولة عن نفسها في الزواج دون حاجة إلى ولي، بل أبقى المسألة رهينة بتأويل القاضي، مما يفتح الباب أمام تمييز تعسفي مبني على مزاجية القضاء وتياراته المحافظة.

وإذا كان الطلاق قد أصبح يتطلب المرور عبر المحكمة، فإن الواقع يبين أن سهولة تطليق الرجل لزوجته بالإرادة المنفردة ما زالت قائمة، فيما تظل المرأة تعاني من عراقيل إدارية واجتماعية ومالية عندما تسعى للانفصال. ويتضاعف الأمر مأساوية حينما تكون الأم حاضنة، فبمجرد زواجها تُنتزع منها الحضانة، بينما يُسمح للرجل بالاحتفاظ بولايته رغم زواجه الثاني أو الثالث، في مفارقة قانونية صارخة تكشف عن منطق مزدوج يكرّس استمرارية البنية الذكورية العتيقة.

أما تعدد الزوجات، فهو نموذج صارخ آخر لهذا التمييز، إذ رغم وجود شروط تضييقية في القانون، فإن المحاكم لا تزال تُجيز هذا النوع من الزواج على نحو يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية والمساواة بين الزوجين. ويبقى تعدد الزوجات، في جوهره، تعبيراً قانونياً عن أحقية الرجل في تملك أكثر من امرأة، في حين تُحرم المرأة من الحق ذاته، مما يجعل القانون نفسه أداة للتشييء وفرض التفوق الذكوري في العلاقات الأسرية.

ولا يقتصر التمييز على الأسرة، بل يمتد إلى المجال السياسي والمؤسساتي. فتمثيلية النساء في البرلمان والجماعات الترابية لا تزال ضعيفة، وتُبرر غالباً بالكوطا لا بالاستحقاق، ما يعكس قصوراً في هيكلة الأحزاب وفي إنتاج نخب نسائية حقيقية. أما مراكز القرار الكبرى في الدولة، من وزارات إلى ولايات إلى مناصب عليا في الإدارة، فهي محتكَرة إلى حد كبير من طرف الرجال، رغم أن عدداً كبيراً من النساء يتوفرن على الكفاءة والتكوين، لكن يتم إقصاؤهن بصيغ غير مباشرة، منها منطق الولاءات السياسية والقبلية الذكورية، ومنها إكراهات اجتماعية ترتبط بتوزيع الأدوار بين الجنسين.

وفي الحقل الاقتصادي، يُسجَّل تفاوت صارخ في معدل الولوج إلى الشغل، حيث لا تتجاوز نسبة نشاط النساء 22%، وهي من أدنى النسب في المنطقة المغاربية. وحتى حين تلج النساء إلى سوق العمل، فإنهن يواجهن تمييزاً في الأجور يقدَّر أحياناً بأكثر من 30% لصالح الرجل. وتتمركز النساء العاملات في قطاعات هشة، كالخياطة والنسيج والفلاحة والعمل المنزلي، حيث لا وجود لحماية اجتماعية أو تغطية صحية أو حقوق نقابية، بل إن بعضهن يُحرمن حتى من الحد الأدنى للأجور. إن هذه المعطيات لا تدل فقط على فقر السياسات العمومية، بل تكشف عن منطق التهميش البنيوي الذي يجعل من النساء الفئة الأكثر هشاشة في الاقتصاد الوطني.

ولا يقل الوضع خطورة في مجال التعليم. فبالرغم من التحسن المسجل في نسب تمدرس الفتيات، إلا أن الهدر المدرسي لا يزال مرتفعاً في صفوف الفتيات خاصة في المناطق القروية، حيث تلعب العوامل الثقافية والفقر دوراً كبيراً في دفع الأسر إلى تزويج بناتهن القاصرات بدل الاستثمار في تعليمهن. كما أن التكوين المهني والتقني، الذي يشكل رافعة للتمكين الاقتصادي، لا يزال حكراً على الذكور في عدد من التخصصات، مما يُقصي النساء من فرص الشغل ذات الدخل المرتفع أو التي تضمن استقلالاً اقتصادياً.

ولا تكتمل صورة التمييز دون الحديث عن العنف القائم على النوع. فالنساء المغربيات يُواجهن يومياً أشكالاً متعددة من العنف، من العنف الجسدي داخل الأسرة، إلى العنف الاقتصادي في أماكن العمل، مروراً بالتحرش الجنسي في الفضاءات العامة. ورغم صدور القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، فإن تطبيقه يبقى ضعيفاً، سواء بسبب ضعف التكوين لدى ضباط الشرطة والقضاة، أو بسبب الأعراف التي تُحمّل المرأة دائماً مسؤولية ما تتعرض له. إن صمت عدد كبير من النساء المعنفات لا يعود إلى الرضى أو القبول، بل إلى غياب الثقة في آليات الحماية، وإلى الخوف من الفضيحة أو الانتقام، وإلى غياب البدائل الاقتصادية التي تسمح لهن بالخروج من دائرة العنف.

وتلعب الثقافة، كما تُنقل في وسائل الإعلام والمدرسة والمسجد، دوراً كبيراً في ترسيخ هذه التمثلات التمييزية. فالمرأة في الخطاب الديني التقليدي تُصوَّر باعتبارها كائناً ناقصاً، ضعيف العقل والدين، مخلوقاً فتنويّاً يُفترض فيه الطاعة والخضوع. وفي الإعلام، لا تزال النساء يُقدَّمن غالباً في أدوار نمطية، كربات بيوت أو كضحايا، أو يُستغل جسدهن في الإشهار، مما يُعيد إنتاج الصور الذكورية نفسها بأدوات حداثية الشكل تقليدية الجوهر. وحتى المدرسة، التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للتحرر، لا تزال مقرراتها الدراسية تتضمن تمييزاً ضمنياً في توزيع الأدوار بين الجنسين.

والمثير أن كل هذه المظاهر لا تنفصل عن النظام السياسي والاقتصادي العام الذي يُكرّس الهشاشة في صفوف الفئات الأكثر تهميشاً، وعلى رأسها النساء. فالنيوليبرالية التي اعتمدها المغرب خلال العقود الأخيرة، والمرتكزة على الخوصصة وتقليص دور الدولة، كان لها أثر سلبي مباشر على النساء، من حيث تقلص الخدمات العمومية (الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية)، التي كانت تشكل سنداً أساسياً لهن. وحين تتخلى الدولة عن أدوارها الاجتماعية، فإن النساء يجدن أنفسهن في الواجهة دون حماية، ويتحولن إلى أدوات لضبط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بأقل كلفة.

إن الحديث عن المساواة في المغرب لا يجب أن يبقى محصوراً في النصوص والخطابات، بل يجب أن يتحول إلى معركة مجتمعية شاملة، تتطلب إصلاحاً عميقاً في البنيات القانونية، وتحولاً ثقافياً جذرياً، وإرادة سياسية حقيقية. لا يمكن للمرأة أن تحصل على مساواتها في ظل قوانين ترسّخ التمييز، وفي ظل عقلية ذكورية تهيمن على مؤسسات الدولة والمجتمع. ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون تمكين فعلي للنساء، ليس فقط في الشعارات، ولكن في الملكية الفعلية للموارد والقرارات والمواقع.

وعليه، فإن رهان المساواة لا يتعلق فقط بالنساء، بل هو معركة تحرر شاملة تخص المجتمع برمته. فمجتمع لا يُنصف نصفه لا يمكن أن يكون عادلاً أو منتجاً أو متقدماً. والمرأة المغربية، التي أبانت عن قدرتها في مختلف المحطات التاريخية، من المقاومة إلى الحراك الاجتماعي إلى الكفاءة العلمية، تستحق أكثر من فتات الحقوق، وتستحق قوانين تُعاملها كمواطنة كاملة لا كقاصر تحتاج إلى إذن دائم.

إن معركة المساواة الحقيقية تقتضي تفكيك البنيات التقليدية المحافظة، ومواجهة الخطابات الدينية التي تُستغل لتبرير الظلم، وإعادة بناء المشروع المجتمعي على أساس العدالة والكرامة والحق في الاختلاف. ولا يمكن لذلك أن يتم بدون إصلاح شامل للمنظومة التعليمية، وتحرير الإعلام من هيمنة السوق، وتشجيع الإنتاج الثقافي النسائي، وتجديد الخطاب الديني. كما يجب الدفع نحو مراجعة جذرية لمدونة الأسرة، تنطلق من مبدأ المساواة لا من منطق المواءمة بين الحقوق والفقه التقليدي، واعتبار المرأة فاعلاً كاملاً في الحياة العامة والخاصة.

وإذا كانت التحديات متعددة، فإن الأمل معقود على نضال النساء أنفسهن، وعلى القوى الديمقراطية والتقدمية، لخلق تراكم يُفضي إلى تغيير حقيقي، لا تجميلي. فالمساواة ليست منحة تُمنح، بل حق يُنتزع، ومعركة تُخاض، وكرامة تُبنى بالوعي والنضال والمقاومة اليومية ضد كل أشكال التهميش والوصاية والتمييز.

-باحث في قضايا النوع الاجتماعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الورزازي
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 08:01

    المساواة وهم لا وجود له، و من رآه منكم فإنما هو يرى سرابا. هذا لأن الاختلاف و التنوع من طبيعة و صميم الحياة.
    المساواة تفترض أولا المماثلة بين الرجل و المرأة، و هذه المماثلة غير موجودة.
    نعم، هما آدميان و لا شك. و لكن خصائص كل منهما تختلف عن الآخر: و هذا ما تؤكده البيولوجيا و علم النفس و الواقع العملي…

  • MC
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 18:37

    “المساواة ليست تهديدًا للتراث، بل هي تطور طبيعي يستمد قوته من جوهره، ومن خلال تعزيز العدالة بين الجنسين يبقى المجتمع المغربي عريقًا، متجددًا، وقادرًا على الصمود في عالم متغير.”

    أستاذ عبد العزيز،
    أود أن أؤكد، بناءً على قراءتي المتأنية لمقالكم القيم، أن قضية المساواة بين الجنسين ليست تهديدًا للمجتمع المغربي ولا لتقاليده، بل هي دعوة ضرورية لتطوير مجتمعنا في إطار احترام متانته الثقافية والدينية. المغرب بلد مسلم، والإسلام يحمل في جوهره قيم العدل والكرامة والمساواة، والعديد من العلماء والمفكرين يؤكدون أن التمسك بالمبادئ الإسلامية لا يتعارض مع تمكين المرأة وتحقيق حقوقها المشروعة.
    إن المساواة بين الرجل والمرأة لا تعني انتقاصًا من القيم أو تعديلًا جذريًا في الهوية الثقافية، بل هي تأكيد على قيم الإسلام الرحيمة التي كرمت المرأة وأعطتها حقوقاً متوازنة. الصراع الحقيقي هو مع الفهم الخاطئ أو التقاليد التي تحولت إلى ممارسات تمييزية لا أصل لها في الدين.

    “المساواة ليست تهديدًا لقيمنا، بل هي أصدق تعبير عن قيم العدالة التي نستلهمها من ديننا وتراثنا، وبها تتحقق كرامة الإنسان وكمال المجتمع.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام