من أجل مهرجان يعيد الاعتبار لسوق الأربعاء

من أجل مهرجان يعيد الاعتبار لسوق الأربعاء
الأحد 23 يوليوز 2023 - 09:03

الأساس الأول: على سبيل التذكير.

أشرتُ في مقالات سابقة إلى الامتداد التاريخي لمنطقة الغرب وعاصِمَتِها سوق الأربعاء، بحيث يبدأ ذلك التاريخُ المُدَوَّن منذ الوجود الأمازيغي لسُكّان المغرب الأوّلِين بالمنطقة حوالي 3000 سنة قبل الميلاد حين كانت تُسمّى أزغار، أي السهل الخِصب. مُرُوراً بالغزو والاستقرار الروماني خلال المائة الأولى قبل الميلاد، فيما صار يُسمّى مدينةَ فوسيبيانا الموجودة أنقاضُها بمنطقة الدعادع على مساحة تفوق 4000 متر مربع. ثم الوجودُ الإسلامي بالمنطقة التي كانت معروفةً باسم الفَحْص وبلاد طَليق وبلاد البْرُوزي. وصولاً إلى استقرار القبائل الوافدة من شبه الجزيرة العربية، مثل بني هلال، بني سليم، بني عقيل خلال العصر المُوَحِّدي ابتداءً من سنة 1050 ميلادية. كما سبق وأشرتُ إلى أبرز الشخصيات التاريخية التي تنتمي لمنطقة الغرب، أبرزُها: العَلّاَمةُ والمُجاهد عيسى بن لحسن المصباحي المتوفى عام 1574. والمُجاهد محمد بن أحمد المالكي، المعروف بالعياشي، وهو الذي كاد يكون سُلطانًا على المغرب في زمانِه لولا أن تآمَرَتْ ضِدَّه طوائفُ أبي رقراق من بقايا المورسكيِّين ووَرَثة الزاوية الدّلائية، فكان اغتيالُه سنة 1641. ثم إبراهيم السفياني الذي كان القائدَ الرسمي لجيش عبد الملك السعدي في معركة وادي المخازن سنة 1578. ثم حليمة السفيانية زوجةُ السلطان المغربي الكبير المولى إسماعيل، وهي والدةُ السلطان المغربي محمد الثاني والأميرَيْن زيدان الصغير ومولاي الزين. أما في الفترة المُعاصرة، فقد أشرتُ مراراً إلى أن سوق الأربعاء قد كانت واحدةً من أُولى الجماعات التُرابية الحضرية بناءً على ظهيرٍ للمغفور له الملك محمد الخامس منذ سنة 1958، وهي التي أَنْجَبَتِ الكاتبَ والرمزَ الثقافي الكبير محمد زفزاف المتوفى سنة 2001، والكثيرَ من الكفاءات الوطنية والدولية في مختلف المجالات.

مُناسَبةُ هذا التذكير التاريخي الحضاري أن واقعَ الحال المحلي لا يَمُتُّ بصلةٍ لهذا التراكُم، بحيث إن للمدينة تُراثًا ماديا ولاماديا هائلاً من الشخصيات الاعتبارية، والفُنون الموسيقية والتعبيرية، والوقائع والأحداث الرمزية، والأدوات والحوامل الثقافية التي تُشكّلُ قوةَ دفعٍ ورافِعَةً فعلية للتمدين والارتقاء بالفضاء والسلوك العام خطوةً خطوةً إذا تَوَفَّرَتْ استراتيجيةٌ ورؤيةٌ مدنية عامة. تبدو مدينةُ سوق الأربعاء عديمةَ القيمة بلا هوية، وبلا ملامح ثقافية وتاريخية، ضائِعَةً في صَخَبِ التَّرْيِيف والتَّزْيِيف لسنوات طويلة، يُحِسُّ الناسُ فيها بكل مُرَكّبات النَّقص والانْخِلاع عن الانتماء لهذا المجال، بل إن الحديثَ عن مدينةٍ يبقى ضَرْباً من الحُلم، إذ تؤكد الحقيقةُ العيانية أننا نعيشُ في قريةٍ من الإسمنت والكهرباء وهي لا تَدُلُّ إلا على البداوة برغم هذه التَّوْشِيات، لأن السلوك العام يبقى بدويا مُوغِلاً في العشوائيات وتَدَنّي المُستوى العُمْراني والحَضَري في الانسان والمجال.

الأساس الثاني: أضلاعُ المُشكلة.

أمام هذا الوضع العام المُعْضِلِ، فإن المسؤوليةَ مُشْتَرَكةٌ ومُرَكَّبةٌ جدا. أما الرهانُ على حركةِ الأعيان للدفع بعجلةِ التنمية قُدُماً، فهو رهانٌ على حصانٍ معطوب، لأن هؤلاء في أغلَبِهم وُجَهاء بمنسوبِ وعيٍ مُنْخَفِضٍ وضَحْلٍ، وهُم أصحابُ رأس مالٍ غير مُغامر يخشى الاستثمارَ وتَنْقُصُهُ روحُ المبادرة الحُرَّة، بالتالي لهم القدرةُ فقط على تجميد الرساميل واقتناص الفُرَصِ لاقتناء العقارات والرفع من السَّوْمَة دون مُوازَنَةٍ مع القُدرة الشرائية لَدى عامة السُّكان، حتى وإن تَميّزتْ قِلَّةٌ منهُم بروح الإسهام المادي المُباشر في بعض المُبادرات العامة.

بدوره، فإن الجسمَ المدني والجمعوي المحلي يُعاني أعطاباً قاتِلةَ تجعلُه قاصراً تماما عن الاضطلاع بالدور التشارُكي الترافُعي وتنمية القِيم، لأن دوراً مثلَ هذا يقتضي مستوى مُعَيَّناً من الوعي والإدراك والمعرفة والقُدرة على احترام الاختلاف بعيدا عن أمراض الهَوى والشعبوية وعَنْجَهِيَّةِ البداوة. ولعلَّ نظرةً أولى على المستوى الثقافي العام الذي كان يتميّز به الفاعِلُون المَدنِيون في سوق الأربعاء قَبل الألفية الجديدة، تؤكد بكل الأدِلَّة على الهُوّة الشاسعة التي تَفْصِلُهم عَمّا تَرَدَّتْ إليه الأوضاعُ في العشرين سنة الأخيرة، طبعاً مع وجود بعض الاستثناءات التي وجَبَ تقديرُها. وبرغم ذلك تبقى على كلِّ جيلٍ مُؤاخذات مثل أيِّ فاعلٍ في التاريخ إلى جانب ما له من مُمَيِّزاتِ.

بينما يبدو أن التعويلَ على رجل السُلطة باعتباره مسؤولاً عن التنمية في مجال نفوذه التُّرابي، يبقى رهيناً بوجود رجالِ سلطةٍ يَتَمَتّعُون بكاريزما استثنائية وروح المُبادرة، والوعي بأن رجلَ السلطة ليس مُوظَّفا عابِراً في جغرافيا لا ينتمي إليها، وهذا هو الحاصل في حالات كثيرة، بينما الحقيقةُ أن كل جزءٍ من التراب المغربي العزيز هو انتماءٌ لأي مواطن أيّاً كانت صِفَتُه، وهذا هو التعريف الأَدَقُّ للوطنية والمُواطَنة، كما أن وجود أرضيةٍ مُشتَركة بين المدني والسياسي والوُجَهاء هو ما يُحَفِّز الفاعلَ التُرابي. لكن هذا ما نَفْتَقِدُه كثيراً في سوق الأربعاء، إذ الثابتُ هو التطاحُنات العشائرية.

وحين نَصِلُ إلى بيت القصيد، أي إلى دور الفاعل السياسي الذي بِيَدِهِ زمامُ تدبير الشأن المحلي، فإن الأعطابَ والعِلَلَ هي العنوانُ الأَبْرَزُ والأَجْلَى في الحكاية. الحقيقةُ أن الوُجَهاء والمجتمع المدني مهما كانت إرادَتُهم وكيفَما كان سقفُ تصوُّرِهم للحياة التَّمْدِينِية والحَضَرية، لا يمكن أن يَرقى حجمُ تأثيرِهِم في حركة التاريخ المحلي إلى المستوى الذي يَتَمَتَّع به القائمون على تدبير الشأن المحلي نظرا لأنهم يَحُوزُونَ الوسائلَ والأدوات القانونية والمادية واللوجستيكية، أي إن لهم سُلطة الحَوامل التنفيذية والشروط الموضوعية للارتقاء بالذهنية الجماعية والدفع بحركة الوعي الحَضَري والتمدِيني، وأقصدُ هنا صناعةَ القِيم وبناءَ العقلية، وهو ما يتطلّب الوعيَ بهذه الرسالة التحضيرية وامتلاكَ رؤيةٍ استراتيجية لتكوين مُواطنٍ أربعائي مُتحَضِّر مُتصالِح مع المجال، ولعلَّ هذا هو الروح النابض لمفهوم التنمية البشرية الذي كثيراً ما يُسَاءُ تقديرُه. بالمُوازاة مع تشييد المُنْشآت لا بد من صناعةِ وتشكيلِ الوعي الذي يَصُون هذه المُنشآت، وهذا لا يكون إلا عبر استراتيجيةٍ أساسُها الفن والثقافة للارتقاء بالوعي والذَّوق العام، أي عبر منظومة القيم، بعيدا عن الحساسيات السياسوية قصيرة المدى.

الأساس الثالث: بين المِطرقة والسِّنْدان.

انطلاقاً من تجربتي البسيطة في التعامُل مع المجالس الجماعية بالمدينة إيمانًا مِنِّي بضرورة الانخراط في تحديد مصير الجماعة التي أنتمي إليها وفقَ قراءتي وتقديري لكل مرحلة، فإني قد خُضْتُ جولات وجولات كي أُجَسِّرَ الهوةَ بين المدني والسياسي نحو أُفُقٍ تمديني مُشترَكٍ على أساسِ رابطِ المُواطَنَة، وكان مهرجانُ المدينة الذي تُنَظِّمُه الجماعة هو النُقطة الدائمة التي تُفْسِدُ لِلوُدِّ قضيَّتَه، وفي هذا الشأن المُتعلِّق بالمهرجان لا يختلف المجلسُ الحالي عن السابق، لأن المُشتَرَك الذهني واحدٌ مع بعض التمايُزات الطفيفة على مُستوى الشكل والإخراج، بينما يبقى الثابتُ هو نفسُه، وأقصدُ هنا التبخيسَ المُستمر لتاريخ المدينة وتَزْيِيفَ الهوية. ليسَ العَتَب هنا على فردٍ بعَيْنِه بقدْر ما هي مسؤوليةٌ جماعية على عاتِق كُلِّ من له الصِّلَةُ والصِّفَةُ.

نحو مزيدٍ من التوضيح، فإن الكلامَ هنا ليس مُوجَّهاً تماما للأَفْهام والأَفْواه الشعبَوِية المُطالِبَةِ بإلغاءِ المهرجان وتحويل أموالِه لمشاريع أكثر قيمة وفائدة، لأن هذه الأصوات تجهل تماما ضوابطَ الميثاقَ الجماعي والقوانين المُنَظِّمة، كما تجهل علاقةَ الجماعات الترابية بسلطات الوصاية / المُواكُبة. إذن لا أعتبرُها جُزءا من هذا النقاش، ولها الحقُّ في أن تَهْتِرَ بما يُلَبّي أهواءَها. إن تخصيصَ ميزانيةٍ من لَدُنِ المُشَرِّع لتنظيم المهرجان يأتي من باب إتاحَة الفُرصة للجماعات حتى تُعَرِّف بنفسِها في التداوُل الوطني وتَعْمَلَ على تحقيق ما يُسمّى التسويقَ التُّرابي لاستجلاب المكاسب والاستثمار ولو على المستوى المتوسط، وتَثْمِينِ الإبداع والتراث المحلي المادي واللامادي، والبحث عما يُوحِّد الجماعةَ البشرية ويُؤلِّف ما بين الإنسان والمجال الذي ينتمي إليه. بعبارةٍ جامعة، إن المهرجان هو وَجْهُ الجماعة وهويَّتُها.

الأساس الرابع: من أجل رَدِّ الاعتبار للمدينة.

انطلاقاً من هذا المنظور، فإن سوق الأربعاء هي الجماعةُ التُّرابية الحَضَرية الوحيدة بدائرة الغرب، وهي داخل الإقليم ثاني جماعةٍ حضرية بعد مدينة القنيطرة، وتنتمي حسب التقطيع الإداري الجهوي الجديد إلى جهة الرباط سلا القنيطرة بما يحمِلُه هذا التقطيعُ من دلالات وأبعاد تنافُسية قوية. في ظل هذا الوضع فإن مهرجان سوق الأربعاء لا يُقَدِّم شيئا بالمُطلَق سوى بعض الترويج التجاري خلال أيامٍ معدوداتٍ ممّا لا يُمكن نُكْرَانُه، وتحقيرٍ عميق لتاريخٍ طويل، وتنقيصٍ مُستمرٍّ من هويةٍ مجروحة أصلاً، فلا يَزيدُها المهرجانُ بهذه المضامين المُتَدَنِّية الرديئة إلا ترسيخاً لمُرَكَّبات الدُّونِية والمَهانة. يبدو ذلك واضحاً من خلال الطابع الشعبوي القَروي، فنصيرُ مع تدبيرٍ قاصرٍ لجماعةٍ حضرية أمامَها تحديات كثيرة لإثبات الذات جهويا ووطَنيا وحِيازَةِ الاحترام والتقدير والاعتراف الجديرة به في السياسات العمومية والصحافة الوطنية، حتى لا تبقى مُرتَبِطَةً بدلالةِ السوق والبَداوة والتحقير والعربَدة والجريمة. بناءً على هذا التصوُّر الشخصي اعتذرتُ عن المُشاركة في الفقرات الرسمية للمهرجان خلال المجلس الأسبَق، والمجلس السابق وخلال الدورة الفائِتة للمجلس الحالي. فلا بأس أن نتعلم من الأخطاء، ومن لا يُخطئ لا يتعلم، راجياً بكل صدقٍ ورحٍ مُواطِنَةٍ، ولي أملٌ كبيرٌ أن هناك بعضُ الحُكَماء في المجلس يَتطلَّعون إلى ما هو أفضل، كَي يتصالح المهرجانُ مع المدينة في برنامجِه الرسمي وأن يَخرُج من مهرجانٍ قروي إلى مهرجانٍ مدَني ثقافي يسعى للإسهام في بناءِ قيمِ المُواطَنة. وإني على يقينٍ أن هناك إرادات من شتّى الأطراف خارج المجلس للإسهام الفعلي في صناعة المعنى بعيدا عن اللغو، وتَرْكٍ الأثر التاريخي الحَسَن بعيدًا عن الضَّجيج العابر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Hassan
    الثلاثاء 25 يوليوز 2023 - 21:01

    شكرا للكاتب عن غيرته . ترددت كثيراً للرد لكن بعد زيارتي للمدينة استفزني كلام “موثق ” حضرت لمكتبه لإتمام صفقة بيع أرض فلاحية _ كنا مرغمين لبيعها حتى لا تبتلعها ديون الإستثمار الفلاحي _بقوله :” انت في أربعاء الغرب هذا ما أعطى السوق ” ربما خلية جامعية ، محلات للتخزين الحبوب و القطاني و مستودعات تبريد الخضر و الفواكه ، و مراكز التكوين المهني والتقني و احياء التعاونيات الزراعية .

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 13

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​