أعترف، في البدء، أن لا قياس مع وجود الفارق، وأن لا علاقة لجوليان آسانج بحمزة مون بيبي؛ إنْ هي إلاَّ ضرورات العصر والنشر التي فرضت عليَّ اعتماد هذا العنوان عُنوةً ورغبةً في النصب والاحتيال على القارئ واستدراجه إلى دهاليز هذا المقال ومسالكه.
لا يمكنني أن أظل متمسّكاً بقيمٍ أراها تُطحن كل يوم وتُسحق على مرأى ومسمع من القانون والقائمين الساهرين على تنزيل وتنفيذ هذا القانون؛ لا يسعني أنا الذي كُتبت لي الحياةُ في عالم يعجُّ بالابتذال والرداءة أن أظل سجين قيم ومبادئ باتت مُتجاوزةً وعصية التطبيق والتنزيل.
لذلك، قررت اليوم أن أذوب في لجِّ الموجة العاتية، وأن أكون دبدبةً من دبدبات صرخة الموضة الجارفة، وأن أجد لي موطأ قدم بين طوفان الجماهير الغفيرة التي باتت لا تتنفس غير الإثارة ولا تقتات من غير موائد الفضائح.
من إعلام عاشق للحرية إلى إعلام غارق في التفاهة…
قال رجل الدولة الألماني الراحل يوزف غوبلز (1897-1945) : “أعطني إعلامًا بلا ضمير، أُعطيك شعبًا بلا وعي”. قال ذلك ورحل دون أن يدور بخلده ولو مرةً أن الإعلام بهذا العالم السريع التجدُّد والكثير التقلُّب سائرٌ نحو مغامرة جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي عاصرها.
كان من المستحيل والمستبعد أن يتصور عُتاةُ الإعلام التقليدي ويخمنون أنهم سوف يسقطون ويتساقطون تباعاً ضحايا لمعركة شرسة لم تكن لهم فرصة أن يختاروا زمانها ومكانها وأسلحتها المحرّمة وغير المحرّمة، معركة قذفت بهم في معترك إعلام مختلفة طبيعته وأدواته وأسلحته وشروطه.
إنه الإعلام الجديد، إعلام وسائط التواصل الاجتماعي الذي قذفت به رياح الثورة المعلوماتية الحديثة حين هبَّت وعصفت بكل القواعد والقوانين العتيقة التي ظلّت لسنوات طويلة توجّه الإعلام وتحدد ضوابطه وعلاقته بحرية الفكر والرأي.
هو الإعلام الجديد الذي لم يعد يسمح لنا بالحديث عن نخبة معلومة، متجانسة ومتحكمة، ولم يعد معه الكلام عن قادة ورموز إعلاميين،لا لشيء سوى لأنه إعلامٌ شعبيٌّ وشعبويٌّ صار يُتيح لكافة فئات المجتمع وأفراده الدخول فيه واستخدامه والاستفادة من إمكاناته الهائلة المتاحة.
في عام ألفين وسبعة عشر خرج على العالم أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية، آلان دونو، من خلال كتابه “نظام التفاهة” ليصرخ بأعلى صوته وبما يملك من جرأةٍ وقسوة قائلاً: “لقد تبوأ التافهون موقع السلطة”.
وتنهض الفكرة المحورية في “نظام التفاهة” هذا، على كوننا بتنا نحيا في زمن صعود الرداءة والابتذال مع سيادة وسيطرة نظامٍ أدّى تدريجياً “إلى هيمنة التافهين على مفاصل الدولة الحديثة، حيث غُيِّب الأداء الرفيع، وهُمِّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطّة، وتم إقصاء الأكفاء، وخلت الساحة لشريحةٍ عريضة من التافهين والجاهلين وذوي الثقافة الضحلة. ومما زاد الطين بِلةً وصول بعض هؤلاء إلى سدّة الحكم، تحت مظلة الديمقراطية والشعبوية والحرية الفردية. وحسب دونو، يرمي نظام التفاهة إلى إسباغ التفاهة على كل شيء، السياسة والأكاديميا والصحافة والثقافة والفن، مُستخدماً البهرجة والابتذال، والمبالغة في التفاصيل للهيمنة على واقعنا”. (د.مشاعل عبد العزيز الهاجري- “نظام التفاهة”).
من هو حمزة مون بيبي؟ وما علاقته بدنيا بطمة؟
هو سؤال ماكرٌ مُخادعٌ، مُخاتل ومُراوغ؛ لست هنا الآن لأبحث في هوية حمزة مون بيبي ومن يكون أو أتعقب علاقته بأي كان، فقد بلغ الفضوليون الباحثون عن الإثارة اللاهثون خلف فضائح المشاهير حد الإسهال في نشر الأخبار الزائفة الكاذبة والساعي إلى حصد المزيد من المشاهدات واللايكات والاشتراكات.
لذلك لن أخوض في المناطق التي أشبعها المحللون الأشدّاء والباحثون العظماء مقاربةً وتحليلاً وتفكيكاً؛ بقدرما سأنزع إلى الابتعاد عن هذه الضوضاء وتلك الجلبة التي أعقبت تفجُّر هذه القضية، قضية أُريد لها أن تنفجر في المكان والزمان المحدَّدين ومن دون أن يُكلف هؤلاء المحللين الأشدّاء والباحثين العظماء أنفسهم عناء التحليل والبحث في خلفيات ودوافع وأسباب انطلاق هذا المسلسل الذي أُريد له أن يدوم ويستمر ولا ينتهي إلا بإذن من بيدهم خيوط اللعبة الكبرى.
لا يهمنّي أن يُزجَّ بمطربةٌ أو مغنيةٌ مشهورة معروفة في السجن، بالرغم من شعوري الشديد بالامتعاض جرّاء القذف باسم عائلة بطمة وتاريخها الذي ارتبط بالظاهرة الغيوانية في مستنقع البذاءة والرداءة والهبوط والإسفاف. فعلا إني أشعر بالحزن وأنا أشاهد هذا الاسم وذاك التاريخ يُمرَّغان في تُراب الرداء والبذاءة كل يوم.
لا يعنيني استقدام مصممة أزياء قيل أنها ناشطة فذّةٌ في الحدائق الخلفية لعالم الأزياء، ولا شأن لي بوجهٍ شاذٍّ ظهر فجأة على سطح الإعلام بمساندةٍ ومباركةٍ من بعض الكائنات المحسوبة على الإعلام التقليدي المكتوب والمسموع والمرئي، لا شأن لي به ولا يهمنّي أن يكون هو حمزة مون بيبي أو لا يكون، ولا يعنيني استقدامه من أمريكا لتكتمل خيوط اللعبة الصغيرة وتتوضّح فصول المسرحية الغارقة في كوميديا المغرب السوداء.
ما يهمنّي ويعنيني هو هذا التكالب المنقطع النظير على هذه القضية الدّسمة المشبعة بكل أصناف الإثارة وألوان الفضيحة. قضية ربما ستفوق درجة المتابعة والاهتمام التي حازتها قضية الصحافي توفيق بوعشرين.
ما يهمنّي هو هذا التناول الفج والمهزوز والسطحي الذي باتت تحظى به هذه القضية التي أُريد لها أن تكون محور اهتمام الرأي العام في ظل الضحالة الفكرية التي يشكوها أغلب من نصّبوا أنفسهم محللين وباحثين ومتتبعين ومهتمين. لمثل هكذا قضايا وموضوعات.
لقد باتت منصّات التواصل الاجتماعي مرتعاً للرداءة والابتذال والتفاهة، ولا من يحرّك مبادرةً في اتجاه استخدام أدوات التحسيس المتاحة أو الاحتكام إلى آليات الردع القانوني. والكارثة العظمى والطامّة الكبرى أن ما بات يسمى بالإعلام التقليدي المرئي والمكتوب والمسموع انخرط في هذه اللعبة القذرة فصار تابعاً وذيلياً ومُوجّهاً من قبل كائنات الإعلام الجديد التي فرضت رداءتها وابتذالها وتفاهاتها وشروط لعبتها على من تخرجّوا من معاهد ومدارس الإعلام ونالوا شرف حمل رسالة الإعلام على أكتافهم وآمنوا حتى وقت قريب بسمو رسالة الإعلام ونُبل دوره كرقيب أمين وضمير جمعي لا يغادر الحقيقة ولا يبرح محرابها المقدّس ولا يكون أسير القلق والخوف من سؤال أو مساءلة.
لذلك فلا غروَ من تسيُّد كائنات تافهة من قبيل سيمو بلبشير للمشهد الإعلامي ولا عجب من أن تُسيطر على مايكروفوناته وتُهيمن على كاميراته وتُوجه بوصلة أقلامه ناحية صناعة رأي عام مغربي يُطلّق قضاياه الهامّة ويكفر بها ليتزوج قضايا رخيصة وتافهة ومبتذلة خارج ضوابط الشرع والقانون والقيم الإنسانية الكونية الضّامنة للإبداع والخلق وصناعة التاريخ والحضارات.
لا يمكن لهذا الضجيج الإعلامي المبتذل الذي رافق ويرافق قضية حمزة مون بيبي إلا أن يذكرني بضجيج وضوضاء القطعان البشرية التي طالما انتفضت وهبَّت للدفاع عن الإسلام ونبيه محمد متى تعرضا للإساءة من قبل الكتّاب والصحافيين الغربيين؛ مع أن النبي نفسه قال مُحدِّثاً عن زمن الرويبضة: (سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ)، رواه أبو هريرة [صحيح].
أظن أن الشعب المغربي ليس تافها و لا غبيّا حتى لو أُريد له أن يكون كذلك ، و الدليل أن هذه القضية رغم تفاهة أشخاصها و مضمونها نجحت في إسالة مداد قلمك .
اهتمام كثير من المغاربة بهذه القضية ليس حبّا لبطلتها و لا شماتة فيها .
اهتمامه (الشعب) بهذه القضية بالذات لأنه يدرك أن العدالة المغربية باتت على المحك ، فإما أن تكون أو لا تكون ، فهل سترقى لتكون في مستوى الشعارات المرفوعة و تعيد للمواطن الاطمئنان على حقوقه و الثقة في مؤسساته ، أم سترتكس ارتكاستها العادية و تخضع أمام سطوة السلطة و بريق الملايين و التعليمات الفوقية .
بداية، أحييك على تفاعلك مع نص المقال … أقدر عالياً الجهد الذي بذلته والوقت الذي أنفقته لأجل مطالعة المقال … لكن، دعني أؤكد لك أني لم أقل بتفاهة المغاربة، لا لشيء سوى لأني أرفض التعميم وإصدار أحكام القيمة … ومع ذلك، لابد من الاعتراف أن حالة من الرداءة والتفاهة والابتذال باتت تسيطر على مشهد الإعلام الجديد بجميع وسائطه … ومقالي هذا لا يعدو أن يكون محاولة لدق ناقوس الخطر الذي بات يتهددنا جميعاً … وما استحضارك لمفهوم العدالة كقيمة مجتمعية مطلوبة الآن إلا مؤشر جلي على ضرورة الالتفات إلى صلب القضية عوض الاكتفاء بلوك قشورها التي لا يمكن إلا أن تعبّر عن ضحالة العقل المغربي في تعاطيه مع قضاياه الجوهرية … خالص المودة …
ما يهم المغربي هو العدالة.
المغاربة يريدون قضاء لا يميز بين الغني والفقير ولهذا السبب قضية مونبيبي أصبحت تشكل إمتحانا لمصداقية القضاء المغربي؛ فلا يعقل أن يسجن توفيق بوعشرين بتهمة الإتجار في البشر ب15 سنة وفي نفس الوقت نتغاضى الطرف عن من إرتكب جرائم الإتجار في البشر وهدم حياة أشخاص وعائلات.
العزيز العمري؛ أظنني جئت على ذكر قضية توفيق بوعشرين في سياق المقارنة بين درجتي الاهتمام بالقضيتين … ولا أظنني نختلف حول مركزية العدالة وأهميتها في نفاذ القانون إلى صلب التدبير الرشيد لشؤون المجتمع ولا سيما حالات التنازع التي قد تنشأ بين أفراده أو جماعاته … قضية بوعشرين وقضية حمزة مون بيبي وجهان لعملة واحدة … العدالة على المحك … وننتظر أن يقتنص القضاء الفرصة حتى يثبت للمغاربة نزاهته واستقلاليته … خالص المودة والتقدير …
أشكرك بدوري على تفاعلك مع القراء.
أظن أنك لخصت مستوى أي شعب في المقولة التي أوردتها في طيات مقالك:
"أعطني إعلامًا بلا ضمير،أُعطيك شعبًا بلا وعي".
إن الشعوب مرايا تعكس مستوى سياسييها وإعلامييها،وليس صحيحا القول:"كما تكونون يُولّى عليكم"،بل الصحيح والواقع أنه:"كما يكون ولاة أمورنا نكون".
عندما تظهر إشاعة أن مادة غذائية ما كالملح أو الخميرة …ستشح في السوق،ترى فئة واسعة من التجار أو حتى غير التجار تهرول لاقتنائها لاستغلال حاجة الناس لتلك المادة وبيعها بأغلى الأثمان.
لكن الاستغلال والجشع والاحتكار والنصب والاحتيال…هذه الأخلاق الرديئة لم تولد في صفوف الطبقات الشعبية،وما وقع في شأن الكمامات الطبية وغيرها كثير خير دليل،فمن ذا الذي يملك المال الكافي ليصادر مخزون الصيدليات والمصانع،ويملك مفاتيح الحدود والمطارات وسوق التجارة الدولية،إضف إلى ذلك عملية النصب الكبرى المعروفة بــ"باب دارنا".
القيم والأخلاق تخضع بدورها لقاون الجاذبية،فهي تنزل من الأعلى للأسفل،فإما أن نكون غيثا تحيي الضمائر والقلوب والنزعة الانسانية في البشر،أو تكون صاعقة تحرق كل ذلك وتحول الانسان إلى كائن أسوأ من وحوش الغاب.
العزيز مواطن مغربي … أحييك عالياً على هذا التفاعل الإيجابي والمنتج … لقد كانت مداخلتك الأخيرة أكثر من عميقة حين عبّرتَ عن أزمة القيم التي نكابدها الآن بالقول أن "القيم والأخلاق تخضع بدورها لقانون الجاذبية" … لقد كان المرمى من كتابة مقالي هذا أن نُصوّب الكرة ناحية الأهداف التي بمقدورها الأجابة عن الأسئلة المركزية والمصيرية المطروحة بدى من الانغماس في مقاربات سطحية مهزوزة لن تزيد الوضع إلا تأزماً … خالص المودة والتقدير …
أولا ما أثار انتباهي هو العنوان حيث دفعني الفضول لمعرفة العلاقة بين مؤسس ويكيليكس الذي نشر وثائق سرية غيرت موازين الحكم في مجموعة من الدول، وبين حساب الكتروني تافه هدفه نشر الفضائح، وما لم أتوقعه هو التطرق للتفاهة التي أصبحنا نشاهده في ما يسمى مواقع التواصل الاجتماعي.
أما فيما يخص الموضوع التي تطرقت إليه، فأنا متفق معك في جوانب عديدة، حيث أصبح المغرب مرتعا للتفاهة والتافهين الذين لا يقدمون شيئا للبشرية. فثلا على اليوتيوب، أصبحنا نجد في "التوندوس" مجموعة من الفيديوهات خالية من المحتوى هدفها اللايكات والمشاهدات، من قبيل "أجيو تشوفو الكادو لي جاب ليا فلان"، "مشينا لعند فلانة للدار وهاشنو درنا" وغيرها كثير.
وما يحز في النفس هو العدد الكبير للمشاهدات التي تحصل عليها هذه الفيديوهات مما يعكس المستوى المتدني الذي أصبح عليه عدد كبير من المغاربة بشكل خاص والعالم أجمع بشكل عام، فهذه الظاهرة متواجدة في جميع الدول، حيث أصبع العديد من التافهين يسمون أنفسهم "مؤثرين Influencers". بالله عليكم أي دواء اخترعتم، أي علم اكتفشتم، ماذا صنعتم حتى أصبحتم مؤثرين. والسؤال الأهم، على من تؤثرون؟