نبض المدينة

نبض المدينة
الأحد 22 يناير 2023 - 12:35

في أي عصر تعيش أنت؟ وإلى أي حقبة جيولوجية تنتمي؟ ماذا لو اتصل أحدهم؟ ماذا لو كان بحاجة ماسة إليك؟ ماذا لو حدث شيء ما أثناء انقطاعك الهاتفي والرقمي عن العالم؟ وماذا لو كان هذا الشيء مكروها لا قدّر الله؟ الأسئلة ذاتها تتكرر باستمرار، والمخاوف، التي بلا معنى، نفسها تتجدد بلا توقف. وجوابك الوحيد عادة ما يكون بسيطا، لكنه جواب حكيم: let it be. ليرحم الله البيتلز!

إذا كان الاستعداد للشيء جزءا لا يتجزأ منه، فإن الاستعداد للسفر لا بد أن يكون جزءا من السفر. تحتاج في البداية إلى أن ترتّب أمورك، وتفي بالتزاماتك كاملة، قبل أن تهب نفسك لنفسك، وللغير القريب الذي يشاركك الطريق، وللمدينة المستقبِلة. ثم تنطلق، غير آبه بشيء، في مغامرة عميقة في الذات، وفي الغير، وفي العالم.

أول شيء تفكر في التخلص منه هو هاتفك. لا تحمله معك إلا عندما تكون مضطرا، ولا حيلة بين يديك تنقدك منه. تتركه وراءك، ببساطة، دون أي شعور بالأسف أو الندم. يا إلهي، كم تصير خفيفا، وحرا، وسعيدا عندما تفك ارتباطك به، ولا تحمل أعباءه على كتفيك، وتحت وطأتها تمشي منحني القامة، مكسور الهامة. ما أبعدك عن بطل محمود درويش!

في تلك الساحة الكبيرة والعامرة تمارس ما يسميه جون جاك روسو “رياضة العيون”. تتطلع بعين المحب إلى كل شيء، وعين الرضا عينك. العين التي، كما يقول عنها الشاعر، عن كل عيب كليلة. لا تبحث عن السلوى، وإنما عن الجمال، الذي تجده متناثرا من السماء إلى الأرض نزولا وصعودا. خلف ستار غير مرئي يردد إيليا أبو ماضي في أذنك بصوت خفي: كن جميلا ترى الوجود جميل.

وبكل تأكيد، أنت لا تحمل معك آلة تصوير متطورة تسعى إلى أن تخلد بها لحظات يكمن خلودها في لحظتها الآنية، وفي المشاعر التي تتوّلد أثناء انصرامها، ومن المستحيل استرجاع كثافتها وزخمها عندما تمر وتنقضي إلى غير رجعة. تنغمس كليا في فوران الحياة والمشاعر، هنا والآن، وتترك التقاط الصور للآخرين. يحضركَ رولان بارت وهو يتحدث عن صورة أمه في غرفته المضيئة.

وعوض أن تسترشد بالنظام الإلكتروني لتحديد المواقع، فأنت تسأل الناس، سكان المدينة وزوارها، وتدخل في تفاعل معهم، لأنك تعرف أنه ليس بوسع هؤلاء أن يقدموا لك الكثير من المعلومات فحسب، وإنما يمكنهم أن يشعروك بحرارة ومتعة العلاقات الإنسانية المباشرة.

ثم تغمض عينيك وتنصت إلى نبض المدينة: أصوات الناس، ورنين الهواتف، وأبواق السيارات، وثرثرة العجائز، وشغب الأطفال، ونداءات الباعة المتجولين، وغناء ذاك الشاب الحزين الذي اتبع طريق الفن فأضاعه الفن وضيّع طريقه، وصوت المؤذن الذي يتدخل في أوقات معلومة ليضبط إيقاع النبض. تفتح جوارحك على المدينة، ولها، وتستمتع بها وهي تهبك جسدها وروحها وهما ينبضان حياة، وعشقا، وجمالا، فيغيران بنبضهما نبض جسدك وروحك.

كل مدينة تدخلها تخاطبكَ: اصمتْ وأنصتْ. وعندما تتحلى بالصبر اللازم، وتصمت وتنصت فعلا، تجد أن لها نبضا خاصا. تقارن بين المدن فتجد لكل واحدة نبضها المميّز. في سلم طويل حدّه الأول نبض هادر ومصاب بالضغط وحدّه الآخر نبض بطيء وسليم يمكن إدراج هذه المدينة أو تلك. يحب المرء المدن التي يتناغم نبضه مع نبضها، وتعسر عليه الحياة عندما يكون هناك تناقض بين نبضيهما، ويكون لكل واحد منهما إيقاع مختلف، فيبدوان مثل راقصين غير منسجمين.

عطاء جغرافيا، وعبق تاريخ، وجو رائق، وبحر هادئ، وشاطئ ممتد، ورفقة طيبة ذات حضور مؤنس، ونوارس في كل مكان. بربك ماذا يمكن للمرء أن يطلب من الحياة أكثر؟ حياة مشتهاة في مدينة مشتهاة. مدينة بعيدة على الخريطة، قريبة، على الدوام، من الوجدان. مدينة تستأثر بلبك تفاصيلها، وتلهمك نوارسها. بمجرد ما تطئها قدماك، ودون أن يخبرك أحد بذلك، تعرف بنفسك أن النوارس جزء لا يتجزأ من صورتها، ومن هويتها، ومن نبضها.

لكل سفر حياة، ومشاعر، وذاكرة، وحماقات. في ذلك الصباح، تسلحتَ بدهاء نمر واقتربت، على مهل، من نورس غافل. أمسكتَه من جناحيه، وحملته بين يديك من الشرفة إلى داخل غرفة الفندق. بدوتَ مثل صياد من عصر غابر عاد فرحا بطريدة سمينة.

كانت غريزة الحياة تدفع النورس المسكين إلى الصراخ بأعلى صوته طالبا نجدة لن تأتي أبدا. اختلط صراخ بصراخ، صراخ طائر وصراخ إنسان، فعدت مسرعا إلى الشرفة، وقد انتهى وقت العرض سريعا، وفي نيتك إطلاق سراحه. وفي الوقت الذي كنت تعيد إليه حريته هاجمك بعنف طائر خائف. وكان ثمن حماقتك جرح مؤلم، وأصبع ينزف دما، وندبة يبدو أن الزمن لن يستطيع أن يمحوها أبدا. ولأنك أحمق فعلا اعتبرت الأمر ذكرى-هدية جميلة من مدينة جميلة، وها أنت، بسبب حمقك، لا تزال تفتخر بهديتك، تتحسّسها بأناملك وتبتسم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع