هل حقا عندنا محافظون وحداثيون في المغرب؟

هل حقا عندنا محافظون وحداثيون في المغرب؟
الخميس 8 غشت 2019 - 13:12

في كل بلدان العالم، هناك توجهان أو تياران أو حزبان كبيران.

المحافظون والتقدميون، اليمين واليسار…

تتعدد التسميات ودرجات التطرف والحدة والراديكالية والانفتاح، لكنها تبقى كمؤشر على أن المجتمع معافى، مختلف ومتعدد، لكنه يدير اختلافه بحكمة، ويعبر عن تعدديته برقي.

يطرح هذا التيار أو ذاك أفكاره وقناعاته وبرامجه، ويعبر عن مواقفه من قضايا الدين والمهاجرين والمرأة والإجهاض والحريات والأقليات…. فيختار الشعب من الأفكار مايقنعه، ويتوارى التيار الآخر إلى المعارضة، مشتغلا على الجماهير لإقناعها في الجولة القادمة، معدلا بعض قناعاته، أو مجتهدا لتديل قناعات الجماهير، ومنتقدا خصمه، مبينا نقط ضعفه، وكامن الخلل في طرحه.

إلا عندنا نحن البلدان العربية البئيسة المتخلفة، وعلى رأسها المغرب.

لطالما انتقدت التطرف الديني، والإرهاب الداعشي، والتخلف السلفي المدخلي، وتغذية هذه القناعات لعقول شباب متحمس، وتحويلها لقنابل موقوتة، لدرجة أصبح معها، هذا الشباب المتدين تدينا أعوجا، يضيق ذرعا بالمختلف معه، حتى من داخل دائرته، لدرجة أدمن التصنيف واحترفه، وأصبح لا يهدأ له بال، إلا بعد أن يضع كل من اختلف معه في جزئية من الجزئيات، في خانة جاهزة من خانات جدول، رسمه له شيوخه المتخلفون.

ومع ذلك كله، فإن حجم هذا التطرف محدود، ووجود أصحابه في مواقع التأثير والقرار، شبه معدوم.

إن الخطر الآخر، هو ذاك التطرف اللاديني، والإرهاب الحداثي، والتخلف العلماني، الذي يدفع الكثير من الحداثيين والعلمانيين المزورين، لإقصاء مخالفيهم ومهاجمتهم وشيطنتهم وقمعهم، بشكل يجعل بلداننا مختلفة عن كل بلدان العالم.

يقود هؤلاء المتطرفون من دواعش اللادينية، حركة خطيرة، تروم تجريم أي توجه محافظ، وفرض رؤيتها وقناعاتها بل وتقديسها، وكتم أصوات المحافظين، والتلويح في أوجههم، بالمتابعات القضائية، بتهم التطرف والإرهاب، وحتى بالتهديد بالعنف.

وفي الوقت الذي نرى موجة يمينية تجتاح أوروبا وأمريكا، وأحزابا يمينية ودينية تعود للواجهة، وسط أجواء من التنافس الشريف، والنقاش الهادئ، ومواجهة الأفكار بالأفكار، يفضل بعض حداثيينا ويساريينا، الذين لايعرفون من الحداثة، سوى مقارعة كؤوس الخمر في الحانات الرخيصة، واستدراج المناضلات والإيقاع بهن، واستغلالهن وتركهن لمناضلين آخرين، يفضل هؤلاء وأولئك، رفع الدعاوى القضائية، ضد مخالفيهم الأيديولوجيين، ومنافسيهم السياسيين، وشيطنتهم في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

لعل مثالا بسيطا يلخص ما أحاول قوله.

تدوينة النائب البرلماني عن البيجيدي، بخصوص السائحات المتطوعات، فوق كونها حرية تعبير، فهي تعبر عن قناعات قائلها، وتعكس توجهه الايديولوجي والسياسي، التي لم يقم حزبه إلا عليها، ونال رخصة العمل رغم إعلانه لها، وهي صوت التيار المحافظ في البلاد، وهو تيار له حضوره ومكانته ورمزيته، وتواجده الكبير والعريض الأفقي والعمودي، داخل المجتمع، وداخل الأحزاب والمؤسسات وحتى داخل المؤسسة الملكية.

إذا لم يعجب التيار الحداثي هذا الرأي، فعليه نقده ونقضه، بأساليب النقاش والحوار والمناظرة والنقد العلمي، وليس بالأساليب البئيسة، من تهديد ووعيد، ورفع الدعاوى واتهام بالإرهاب.

لدرجة أن يقوم شخص مشبوه مريب مهتز مهرج، مثل اليساري التقدمي الحداثي، الحبيب حاجي، برفع شكاية لوكيل الملك، أشبه بإعلان حرب، ملأها بألفاظ سوقية بذيئة، تطرح سؤالا عريضا عن مستوى هذا المحامي، وهل سبق أن درس كيف تحرر الشكايات أم لا؟؟

إن التصرف السليم، هو أن يعبر التيار المحافظ عن قناعاته وآرائه، التي تختلف أنت الحداثي معها جملة وتفصيلا، ويرد التيار الحداثي عليها دون تحريض أو شيطنة، ردا تختلف معه أنت المحافظ جملة وتفصيلا.

وندير خلافاتنا برقي وتحضر، وليس من الضروري أن يعجبك ما أقول، أو يعجبني ماتقول، طالما أنه بعيد عن التحريض على القتل والإقصاء.

أما أن يسارع متطرف لاديني، لتكميم أفواه مخالفيه، محتميا بالسلطة ومحرضا لها عن طريق الإعلام الذي تسلل إليه واخترقه واستأثر به، فإن إرهابه هذا لايقل خطورة عن إرهاب المتطرف المتدين، لأنه يذكيه ويؤججه، بتسلطه وقمعه، ويعطيه مبررات الانفجار.

هل يمكن أن تصل تدوينة النائب البيجيدي، لتغريدات ترامب بخصوص المسلمين والمهاجرين السود والعرب واللاتينيين؟

هل يمكن أن تصل لبرامج المحافظين ودعواتهم؟

هل يمكن أن تصل لدعوات اليمين واليمين المتطرف في شرق أوروبا وغربها؟

قطعا لا.

فما بال دواعش الحداثة عندنا، حداثيون أكثر من الحداثة؟

لاتحاولوا تغطية فشلكم، باختلاق مشاكل وطننا في غنى عنها، ولا تموهوا تطرفكم وضيق صدركم وإقصائيتكم، برفع الدعاوى القضائية.

وليرحنا كل متطرف من تطرفه، سواء غلفه بالدين، أو غلفه بالحداثة، فإن مجتمعنا لم يعد يحتمل المزيد، فقد بلغ حافة الانفجار والإقصاء.

أختم بحديث جمعني بصديق يساري عزيزي، قال لي حين عجزنا عن مقارعة الإسلاميين انتخابيا، بدأ بعضنا يلجأ لأساليب رخيصة اشتكينا منها في مرحلة من مراحل صراعنا مع السلطة، ولجأ آخرون لمناقشة التراث، وخوض المعارك الفقهية، اعتقادا منهم أنهم يحاربون الإسلاميين في مربعهم، والصواب أن نقاشنا وصراعنا مع الإسلاميين، ينبغي أن يكون حول التزامهم بوعودهم الانتخابية، ومحاسبتهم حول المسؤوليات التي تقلدوها، هذه هي المعركة السياسية الحقيقية، التي ينبغي أن يخوضها الجميع، المراقبة والمحاسبة والعمل والكد والجد. أما المعرك الفكرية والإيديولوجية والفقهية… فلها متخصصوها وأماكنها ومنابرها ومناسباتها، بشكل علمي وهادئ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • بنعيسى
    الخميس 8 غشت 2019 - 15:30

    سؤالي إلى الكاتب
    من الذي يقوم بتفجير نفسه وسط الناس؟ هل العلماني يفعل ذلك؟
    من الذي ذبح السائحتين بدم بارد؟ هل العلماني يفعل ذلك؟
    من الذي فجر الكراهية للأجانب في الغرب؟ أليس التطرف الإسلامي؟
    أليس المسلمون الذين يقسمون العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب هم أكبر خطر يهدد البشرية ؟
    أنت خاطئ، فعندما تتهم العلمانية زورا وبهتانا؛ فأنت تحارب في جبهة الظلاميين القتلة الكارهين للفكر الحر.
    العلمانية هي سبب خروج أروبا من التخلف والحروب أما من تحارب في جبهتهم فألائك هم سبب تخلفنا لأنهم منعوا وصول العلوم الغربية؛ فمثلا عندما أدخل نابليون آلة الطباعة إلى مصر إعتبرها شيوخ الأزهر من صنع الشيطان وحرموها.

  • الحسن العبد بن محمد الحياني
    الخميس 8 غشت 2019 - 19:29

    لا أظن بثاتا بأن هناك يساريا ملتزما بالفعل في العصر المعاصر بالمبادئ الأساسية التي تشكل جوهر الإشتراكية كما يسميها البعض، أو ما يسمى بالماركسية لدى البعض الآخر؛ كما أكاد أجزم في القول بأن الملتزم بالتعاليم الإسلامية السمحاء بالفعل لا يوجد معنا ،أو إن شئت هم قلة من الأتقياء الأوفياء الأخفياء؛هو إذن صراع سطحي فقط بين بعض من يريد الحفاظ عل على الموروث الحضاري الإسلامي وبين من يرغب في القطيعة مع الماضي نهائيا والارتماء في أحضان كل ما هو حداثي تحديثي؛وعين الصواب على ما أرى هو الرجوع إلى الماضي لأخذ العبرة مما كان، كي نفهم الحاضر بكل تناقضاته، للعمل على تجاوزه بتأسيس مستقبلا ينبني على معطيات العقل العاقل والقلب السليم في مجتمع تسوده المحبة والسلام والايخاء والتفاهم والجدال بالتي هي أحسن،وكما يقال بالأحياء الشعبية:"أرى وهاك ويربح من فهمك و هناك "؛ انتهى زمن اليسار واليمين ليحل محله زمن الوسطية والاعتدال:"نحافظ على ماضي أجدادنا المجيد فقط ونأخذ من حداثة غيرنا كل ما يفيد فقط ".أو بصيغة أخرى،كما قال الدكتور الطيب التيزني في كتابه "مشروع رؤيا جديدة"،-نأخذ ما يتواءم و حضارتنا وننبذ ما سوى ذلك-.

  • بقلم الرصاص
    الجمعة 9 غشت 2019 - 00:00

    ان الدور المنوط اليوم بالمثقف الحداثي هو الحظور القوي له في الساخة الفكرية من اجل الدفاع عن قيم العصر الحديث من اجل ااستيعابها و المتمثلة الحرية و الكرامة و الحقوق الساسية و المدنية….ان ه الدور الاساسي للمتقف المتنور .اذا لم نستوعب مقومات العصر الحديث والقيم التي اتى بها سنبقة وراء عتبة الحداثة و سنبقى نهدر الزمن بلا جدوى ونعرف قيمة الزمن في المنظومة الحداثية….

  • sifao
    الجمعة 9 غشت 2019 - 12:30

    من هم ضحايا دواعش الحداثة؟اذا رفع محامي دعوى قضائية ضد محرض على العنف فإن ذلك يدخل ضمن الاساليب الحديثة في المواجهة وفض النزاعات على عكس الدواعش الذين يلجأون الى شرع اليد او تحريض القطيع ضد كل من حاول ان يستقل بفكره عن المألوف،تتحدث عن النقاش الراقي،اتحداك ان تذكر تقلداني واحد دافع عن فكرته باساليب النقاش المعهودة التي تحترم ادبيات الحوار وتعتمد الحجة كحد فاصل بين الخطأ والصواب؟ردود التقليدانيين كلها سب وشتم وقذف واتهام وتكفير وتحريض،لو كانوا يؤمنون بمنطق العقل لما احتاجوا الى احد كي ينبههم الى ضرورة مراجعة مواقفهم من قضايا الخلافية، رغم اسلوب المهادنة الذي يتبعه الحداثيون في اثارة قضايا المجتمع وارجاعهم لمشاكله الى سوء فهم النصوص،بدل توجيه النقد الى مضامينها الصريحة التي هي سبب كثير من المشاكل التي لم تجد طريقها الى الحل،اما تدوينة البرلماني بخصوص المتطوعات البلجيكيات فانها تعبر عن اقصى درجة الافلاس والاحباط التي وصل اليها الاسلام السياسي في التعاطي مع قضايا المجمتع،اما فوز الاسلاميين في الانتخابات لا يعبر عن قوة برنامجهم السياسي وانما عن قوة وقع عبارة "في سبيل الله"على نفوس القطيع

  • nawrace
    الجمعة 16 غشت 2019 - 18:26

    في حقيقة الامرالمحافظ ليس محافظا بالمعنى الصحيح للكلمة والحداثي ليس حداثيا كما هو مطلوب هناك قطبين يتبادلان التهم فيما بينهما ويحاول كل منهما اقصاء الاخرعلما بان هذه المناوشات التي تختلق لاتقدم ولا تاخر وانما هي تغطية للدور الحقيقي الذي يجب ان يقوما به في بناء مشروع مجتمعي والعمل على تطويره .

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة