خطاب الملك وزيارة الرئيس الفرنسي للجزائر

خطاب الملك وزيارة الرئيس الفرنسي للجزائر
الأحد 21 غشت 2022 - 18:09

قُبيل الخطاب الملكي وعشية الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للجزائر، كنتُ طرحت كثيرا من الأسئلة حول فحوى ومغزى الزيارة التي تأتي في سياق تصعيد جزائري غير مسبوق ضد المغرب ووحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية، وتزامنا مع وجود أزمة ديبلوماسية واقتصادية ما بين الجزائر وإسبانيا على إثر الموقف الإسباني الأخير تجاه مغربية الصحراء والذي أكدت عبره على وجاهة الطرح المغربي لحل الصراع الدائر حول ملف الصحراء المغربية، وفي سياق علاقة فرنسية جزائرية شهدت توترا ديبلوماسيا، جراء تصريح الرئيس الفرنسي الذي نفى من خلاله وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للجزائر، وأكد في التصريح ذاته أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عالق داخل نظام العسكر.

ارتباطا بكل هذه السياقات الملتهبة لنا أن نتصور لقاء إيمانويل ماكرون بحكام قصر المرادية، ولنا أن نتخيل ضمانات نجاح هذه الزيارة المرتقبة، ولنا أن نخمن مضامين النقاش الذي سيدور بين الطرف الفرنسي والأطراف الجزائرية الحاكمة من السعيد شنقريحة إلى عبد المجيد تبون، ولنا أيضا، أن نحاول رسم صورة لحالة قادة الجزائر وهم يستقبلون على أرض الجزائر، جزائر المليون ونصف المليون شهيد، رئيسا فرنسا أنكر، وحتى وقت قريب، وجود أمّة جزائرية قبل استعمار بلاده للجزائر، ولنا أن نحاول تخيُّل وضع عبد المجيد تبون وهو يستقبل إيمانويل ماكرون الذي عرف كيف يعبّر بدقة متناهية عن وضع تبون كرئيس عالق في نظام عسكري، ما دام يعرف جيدا أن الجزائر كانت ولا تزال رهينة لهذا النظام العسكري وأن الشعب الجزائري بحاجة اليوم -وقبل أي وقت مضى- إلى الانعتاق من قبضته، وأنه الجدير بحق تقرير مصيره وتحرره من قبضة العسكر.

فما هي يا ترى الأجندة التي ستطرح للنقاش خلال الزيارة المتوقعة؟

وما هي المخرجات المنتظرة للزيارة؟

وهل يمتلك قادة قصر المرادية ما يقدمونه للرئيس الفرنسي غير ضمان مده بالغاز الطبيعي وبالقدر الذي يريد حتى يتمكن من سد حاجة فرنسا من هذه المادة الحيوية، وحتى يخفف من وطء أزمتها المنتظر تصعدها إبّان فصل الشتاء المقبل، وحتى ينجح في ضمان بعض من القدرة على مجابهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية؟

وفي المقابل، نتساءل قائلين: هل يُراد لنا أن نصدق بأن ماكرون سيأتي إلى الجزائر لمواصلة العمل على ذاكرة فترة الاستعمار، وفق ما جاء في بيان الرئاسة الفرنسية، بعد أن اتهم النظام السياسي العسكري الجزائري بتكريس سياسة “ريع الذاكرة”؟

يبدو أن كل محاولة استقرائية لمرامي وأبعاد هذه الزيارة المرتقبة ستكون محفوفة بالعديد من المنزلقات والمخاطر ما لم نستحضر حقيقة العلاقة التاريخية بين فرنسا المستعمِرة والجزائر المستعمَرة، وحقيقة بحث حكام قصر المرادية عن متنفس يرفع عنهم ضغط الشعور بالانحباس الديبلوماسي وينفي عن الجزائريين الإحساس بوجود عزلة حقيقية تشهدها جزائر ما بعد أزمة الكركرات، والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وفتح العديد من الدول لقنصليات بالعيون والداخلة المغربيتين، والاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على صحرائه.

كما يبدو أن نزرا من المتابعين والمراقبين للشأن المغاربي غير العارفين بمدى تعنت وبلادة النظام الجزائري ورغبته في المزيد من التصعيد تجاه المغرب، قد ذهبوا بعيدا في قراءة أبعاد ومرامي زيارة ماكرون للجزائر، حتى أن البعض منهم أكد على وجود مساعٍ فرنسية للتوسط بين الجزائر من جهة والمغرب وإسبانيا من جهة ثانية، عبر عقد قمة ثلاثية بباريس تجمع الوسيط الفرنسي بالدول الثلاث. هذا في الوقت الذي تسربت فيه إلى الإعلام أخبار تقول بوجود غضب سعودي على حكام الجزائر، بسبب رفض هؤلاء توجيه دعوة إلى الملك محمد السادس لحضور القمة العربية المرتقب انعقادها بداية شهر نونبر المقبل؛ وحصر تمثيلية المغرب في مستوى وزير خارجيته ناصر بوريطة، وهو ما رفضه ولي عهد السعودية محمد بن سلمان ودفعه للتلويح بورقة مقاطعة القمة المنتظرة وتقليص تمثيلية المملكة العربية السعودية إلى المستوى الثالث؛ إن استمرت الجزائر في التعنت ولم تتنازل عن موقفها الحالي من مشاركة الملك محمد السادس.

لكن الأكيد، هو أن الخطاب الملكي سيرخي بظلاله على لقاء إيمانويل ماكرون بحكام قصر المرادية، وسيعكر لا محالة الأجواء التي سعت الجزائر قبل فرنسا إلى توفيرها كي تمنح الزيارة المعلنة مُسحة من النجاح، وحتى توهم الشعب الجزائري وبقية العالم بقدرتها على النجاح في فك العزلة التي باتت تعانيها جراء المواقف والقرارات السياسية الخارجية غير الموفقة؛ والتي أدّى ويؤدي الشعب الجزائري فاتورتها الاقتصادية والاجتماعية الباهظة.

لقد بات من الواضح أن الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب سيبعثر أوراق اللقاء المرتقب للرئيس الفرنسي بالنظام العسكري بالجزائر، وسيضطرُّ ماكرون إلى أن يعيد حساباته من جديد، وسيسهم (الخطاب) بشكل قوي وفعّال في صياغة البيان الختامي للزيارة دون الحاجة إلى انتظار صدوره ومعرفة تفاصيله من خلال وسائل الإعلام أو عبر قنوات أخرى موازية.

وحتى ينجح إيمانويل ماكرون في إنقاذ العلاقات المغربية الفرنسية من أزمة دبلوماسية باتت تُلوّح في الأفق عليه أن يتفادى كل ما من شأنه أن يستثمره حكام قصر المرادية ضد المغرب أولا، وأن يشرع في التفكير في الخروج من المنطقة الرمادية وأن يُعلن عن موقف فرنسا من ملف الصحراء المغربية بوضوح مطلق لا لبس فيه، إن كان يريد لفرنسا أن تحافظ على علاقات التعاون والشراكة مع المغرب.

ولا أعتقد أن إيمانويل ماكرون سيطير إلى الجزائر من دون أن يضع في حساباته أن الملك محمد السادس قد كان حاسما وصارما؛ في النظر إلى علاقة فرنسا بالمغرب ومصيرها الذي بات مرهونا ومرتبطا بموقف قصر الإيليزيه من ملف الصحراء المغربية.

فهل سيلتقط ماكرون الإشارة ويعيد النظر في جدول أعمال زيارته المرتقبة للجزائر؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Amaghrabi
    الأحد 21 غشت 2022 - 23:14

    أعتقد ان زيارة ماكرون الى الجزائر ربما تحقق بعض المصالح الاقتصادية لفرنسا كضمان سيولة الغاز مثلا ولكنها بالنسبة لنجاح ماكرون لحلحلة التقارب المغربي الجزائري ليس هناك بصيص من الامل لان الفكر العسكري الجزائري أصبح كما يقول المثل “معزة ولو طارت” بمعنى الصحراء لمرتوقة تندوف او لا تقارب وبالتالي فان اتخذت فرنسا موقفا يساند الدولة المغربية فمصيرها بدون شك مثل مصير اسبانيا رغم ان فرنسا لها اوراق الظغط كثيرة وخطيرة لان العصابة العسكرية مستعدة للانتحار في نظري

  • عيسى14
    الإثنين 22 غشت 2022 - 18:00

    لو سلمنا ان ما قيل في الموضوع اعلاه له ولو نصف صبغة الحقيقة لما عدب نفسه ماكرون واقلق راحته بالدهاب الى الجزائر ما عليه فقط الا اعطاء تعليماته للقيادة الجزائرية وهي تنفد, فليلا من الموضوعية في الطرح بما ان المغرب تحت الحماية الفرنسية الى يومنا هدا ولا يحق اتهام الغير بما غيره غارق فيه.

  • إلى الفاضل عيسى14
    الإثنين 22 غشت 2022 - 20:59

    المقال ليس تحليلياً صرفاً، بقدر ما هو قراءة في الأحداث المتعاقبة … هو محاولة متواضعة للربط ما بين الجزء الأول من الخطاب الملكي والزيارة المرتقبة لإمانويل ماكرون للجزائر … مع استثمار حذر للأحداث الجارية المرتبطة بالصراع المغربي – الجزائري …
    ودعني أؤكد لك أن المغرب لم يعد يضع كل بيضه بسلة فرنسا … لقد بات ينوّع من حلفائه ويوزع بيضه على سلال عدّة، لذلك يلاحظ المتابعون والمراقبون انفتاحه على بعض من دول المعسكر الاشتراكي البائد، وفي مقدمتها روسيا والصين … ولا أدل على ذلك من الموقف الجريء والصارم تجاه أزمة تايوان وانصرافه إلى الوقوف إلى جانب الصين الواحدة…

  • كلمة الحق
    الأربعاء 24 غشت 2022 - 11:35

    واصلوا في بيع الوهم لشعبكم المقهور الذي تشتت في كل اصقاع العالم، بحثا على فتات الخبز، حتى أصبحت نساءكم يعملن في غسل المراحيض في اروبا, و اخريات يبعن لحمهن بابخص الاثمان، علقوا فشلكم على شماعة الجزائر
    انشروا !!!

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 3

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي