في رثاء وتأبين الأكاديمي الفذ حسن بنعقية
يتملكني أحيانا إحساس غامض ويكاد يتحول لدي اليوم إلى انطباع مزمن، ولست متأكدا من مدى معقوليته، بأن الكبار والنادرين من الناس، إما أنهم يموتون باكرا أو أنهم يعمرون طويلا. حضرني وهيمن علي هذا الإحساس من جديد، حين سمعت بوفاة صديقي حسن بنعقية (1966-2022) يوم الأربعاء الماضي 19 يناير الجاري. فالرجل ما زال في أبهى وأنضج المراحل من إشراقه العلمي والفكري، وما زال قوي العطاء الأكاديمي، وما زال مقبلا على الحياة. وما زال لديه الكثير من الأشياء التي كان عازما على أن يمنحنا إياها….
حسن بنعقية، أيقونة العلم والعمل، وأنا أشهد أن معدنه الأكاديمي نفيس جدا في ساحة الجامعة المغربية وفي ساحة البحث العلمي. تأملوا معي على سبيل التمثيل النسبي لا الحصر، هذه التشكيلة الرائعة من الأبحاث والكتب الأخيرة التي تم إنجازها على مدار زمني لا يربو عن ست (6) سنوات من العمل:
-Mots et maux (essai sur les récits de voyage en Afrique du Nord), Editions Tawiza, 2014
-Histoire de la pensée nord-africaine, L’Harmattan, Paris, 2016
-Distiques de la poésie rifaine (tradition et traduction), Publications FPN, 2016
-La tradition poétique amazighe, L’Harmattan, Paris, 2016
-Le coupable (Roman)), L’Harmattan, Paris, 2017
-La littérature de voyage en Afrique du Nord, L’Harmattan, Paris, 2018
-La littérature rifaine, L’Harmattan, Paris, 2019
-Le fils des cieux, L’Harmattan, Paris, 2019
-Amawal Arifi N Usu6EL, Dictionnaire rifain de traduction (Tarifit-Tafransist) ,2021.
هذه عينة صغيرة جدا من سيرة مثمرة ومنتجة، تميزت بعنفوان علمي وحماس بحثي مشتعل، وكان صاحبه عاكفا ومعتكفا في ركنه الصغير، ولا يفتأ يفاجئنا بالجديد……
كان الراحل؛ المرحوم حسن منارة من منارات العلم في هذا البلد. كان رمزا متواريا عن الأنظار من رموز التنمية العلمية والنهضة بمفهومها الشمولي، والنهضة كما تعرفون شرط من شروط التحضر وبناء حضارة قوية. والنهضة تقتضي خلق الثروة المادية والفكرية والعلمية، كما تقتضي العمل والاجتهاد والانفتاح على حضارات أخرى، والتشبع بقيم العصر. فلا نهضة بدون تراكم فكري وعلمي، وبدون تحرير الإنسان من الجهل والخمول والإحساس المزمن بالعجز….. والمهمة الشاقة والقاسية للنهضة هي في المقام الأول، التحرير، تحرير الإنسان لكي ينطلق إلى الحياة والى البناء والإعمار…
هل تدرون أن وفاة المرحوم حسن، ذكرتني لاشعوريا بأحد أعمدة النهضة الأوروبية؛ أعني الفيلسوف الإنساني واللاهوتي الهولندي: دزيدريوس ايراسموس (ايراسم – 1466- 1536)؟
كان ايراسموس معروفا بعشقه للعلم والعمل، مدافعا عنيدا عنهما كقيمتين اجتماعيتين مقدستين وكان معروفا عنه أنه كان مسافرا باحثا عن الاستزادة بثقافات أخرى وحضارات أخرى، وهو من عاش يقول: ”عش كأنك ستموت غدا، واعمل كأنك ستعيش أبدا”، ولم يتوقف ايراسموس أبدا عن القول: ”أتمنى أن أموت في وقت العمل، لا في وقت الراحة”. ولكم أن تتصوروا أن الاتحاد الأوروبي، اعترافا منه بهذه الخصال العلمية الراقية، وتزكية وتشجيعا لهذه الأخلاق الثقافية العالية لدى ايراسموس عند الباحثين الأوروبيين الشباب، أطلق أحد مشاريعه العلمية الكبرى والناجحة في التبادل العلمي وتبادل الخبرات بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية، باسمه الرمزي..
بهذا الأسلوب نفسه وبهذه الرؤية نفسها، لم يكن المرحوم حسن يتوقف عن العمل. كان آلة نشيطة ولا تعرف الكلل، قارئا استثنائيا وكاتبا متواضعا إلى أقصى حد، وباحثا راقيا يشتغل بعيدا عن الأنظار والأضواء، ومؤطرا فذا لجيل كامل من الباحثين الذين يوجدون اليوم في كل الجامعات المغربية والمؤسسات البحثية والأكاديمية..
كان حسن صاحب مشروع بحثي قوي ويشتغل فيه على واجهات بحثية مختلفة. والمشروع بهذا المعنى يقتضي أن يستند على رؤية بعيدة المدى، وقد كان صاحب هذه الرؤية التي لا يملكها غير نخبة من الأساتذة الجامعيين الباحثين. وحسبي أن الجامعيين المتميزين هم أولئك الذين يبتكرون بناء على رؤية معينة، أفقا جديدا في النظر والمناظرة والبحث العلمي. وحسن بنعقية، كان من بين هؤلاء…. أضف إلى ذلك، مستوى إتقانه للغات متعددة، عالمية ومحلية واقليمية…..
كان حسن يشتغل بشكل صوفي وكنت أحس به دائما في كامل لياقته وسعادته وهو يعمل. لهذا أوحت لي وفاته بمبادئ ايراسموس التي كان متشبعا بها إلى أقصى حد.
أخبرنا منذ سنة ربما، بمرضه العضال، وقد كانت صدمة حقيقية بالنسبة لنا، أصدقاؤه وزملاؤه الأقربون. ومع ذلك ظل يأتي إلى المؤسسة أحيانا ويقوم ببعض الأشغال حين يحس بأنه يستطيع ذلك. وفي بداية هذه السنة الجامعية (2021-2022)، سألته حين التقينا، لماذا لا يعفي نفسه من كل المهام والالتزامات الخاصة بالتدريس والتكوين، فحالته الصحية تستحق عناية كاملة، وهناك أساتذة ومنهم طلبته القدامى، يستطيعون تعويضه، فقال لي إنه يفضل القيام ببعضها حين تسمح له صحته وسيكلف أحدهم حين لا يقوى على ذلك. تصوروا إنسانا لا يتوقف عن العمل، حتى حين يكون مريضا وعاجزا عن الوقوف وبذل الجهد…؟ والتدريس عمل شاق وفيه إجهاد ذهني وعصبي وجسدي كبير جدا..؟
تصوروا أن المرحوم حسن، وهو في مرحلة دقيقة من مراحل العلاج الكيميائي (19نونبر 2021)، جاء إلى الكلية وافتتح مسلكا للماستر في الدراسات الأمازيغية وهو صاحب المشروع أصلا ومن منجزاته العلمية الرائعة داخل المؤسسة، إضافة لخلقه سابقا لشعبة الدراسات الفرنسية والانجليزية ومسلك آخر للماستر حول الأدب والترجمة……
تعرفت على حسن بنعقية سنة 1994 في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة وقد كان باحثا شابا يافعا ونشيطا، حاصلا على الدكتوراه في فرنسا (النقد والأدب الفرنسي)، وقد كنت من جهتي ملتحقا بالمؤسسة حديثا، قبله بثلاث سنوات. وهكذا تقوت بيننا صداقة حقيقية، كما اجتمعنا أيضا حول مشاريع مشتركة واهتمامات تبادلية تتقاطع فيها تخصصاتنا المختلفة…
في سنة 2006 حين كنت مسؤولا عن وحدة من وحدات التكوين في الدراسات العليا (دبلوم الدراسات العليا المعمقة في التراث الشعبي في الغرب الإسلامي)، بعد تقاعد صاحب هذا المشروع (الأستاذ موسى أغربي)، كان حسن يشتغل معنا بروح علمية عالية جدا وبتفان استثنائي، وعدد كبير من خريجي هذا المشروع هم أساتذة باحثين بيننا اليوم.. وأتصور اليوم أن حسن هو من رسخ في عقلهم العلمي معنى التراث الثقافي كمبحث علمي حقيقي… وعلى يديه، إلى جانب أساتذة آخرين طبعا، فهم هؤلاء المسؤوليات الأكاديمية التي يضطلعون بها اليوم….
ما زلت أتذكر اليوم الذي سافرنا سويا في سيارتي في اتجاه وجدة، وفي نيتنا أن نقدم معا طلبا للانتقال إلى كلية الناظور وهي بعد مؤسسة فتية في ذلك الوقت، وقد كان لدينا إحساس مشترك بأنها محتاجة لخدماتنا العلمية وأننا مطالبون بتلبية هذا النداء، وقد انتقل حسن بعد ذلك، بمساعدة وتفهم من أصدقائه في شعبة الفرنسية، في الوقت الذي منعتني شخصيا ظروف وشروط مهنية خاصة، غير أن التواصل والتعاون بيننا ظل قائما وقويا….
وبعد ذهابه إلى الناظور، خلال المرحلة التي أحدثت فيها داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة مسلكين للتكوين في الدراسات العليا، وبالضبط الماستر والدكتوراه في تخصص التراث الثقافي والتنمية، على التوالي سنة 2007 وسنة 2010، استمر تعاوننا وتقوت شراكتنا وقد ساهم معنا في تكوين جيل كامل من الباحثين ما زال يتخرج إلى حدود اليوم (يناير 2022)..حتى بعد أن غادرت شخصيا كلية الآداب بوجدة، في اتجاه كلية الناظور المتعددة التخصصات…..
وبعد انتقالي إلى كلية الناظور في مارس 2015، جددنا أواصر التعاون ميدانيا، فنتج عن هذا التعاون تأسيسنا لمختبر في البحث أسميناه ”مختبر المجتمع والخطاب وتكامل المعارف” (أربعة فرق بحثية 2016)، وكان المختبر نشيطا وحاضرا حضورا إشعاعيا تشهد به أنشطته العلمية الراقية ومنشوراته التي لا تفتأ تتدفق يوما بعد يوم…. وأشهد أن حسن كان عمادا من أعمدة هذا المختبر، ورمزا وموجها لكل هذه الإنجازات التي حققنا بإخلاص وعشق للعمل…..
استطاع حسن بفضل حبه الاستثنائي للعلم والعمل أن ينجح في رهان أكاديمي صعب، عادة ما يفشل في تحقيقه كثير من الأساتذة الجامعيين المغاربة. فمهنة أستاذ باحث من المفروض أن، تشتغل وأن يتم تفعيلها على واجهتين: واجهة التكوين والتدريس، وواجهة البحث العلمي، وأنا أتحدث عن رهان حقيقي، لأنه من الصعب في الظروف الموضوعية الحالية التي تعيشها الجامعة المغربية (ليس هذا مقام تحليل هذا الوضع)، أن يؤدي الأستاذ مهامه بشكل كامل على الواجهتين، بحيث هناك من الأساتذة من فشل على الواجهة الأولى ونجح في الثانية، وهناك من نجح في الأولى وفشل في الثانية، وهناك بطبيعة الحال، مع الأسف، من فشل على مستوى الواجهتين معا، وأنا أتحدث بصفتي ابن الدار على مدى ثلاثين سنة. ولكن.. هناك عينة ملائكية تمكنت من النجاح على الواجهتين معا. وأشهد أن صديقي حسن كان من بينهم…
في تصوري الخاص، لم يكن حسن باحثا في الدراسات الأمازيغية بهذا المعنى التخصصي الضيق الذي التصق بشخصيته المهنية وبأنشطته المدنية، رغم أنه رائد من رواد هذه الدراسات، لأنه كان صاحب ثقافة علمية واسعة وموسوعية، تؤمن ابستيمولوجيا، بتكامل الحقول المعرفية في مجال الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية. لهذا استطاع حسن أن ينتقل من تخصص الأدب الفرنسي حديثه ومعاصره، إلى الدراسات التراثية المتنوعة، وهذا المرور الابستيمولوجي الشجاع والأصيل، لا يتأتى لأي كان. بل أن حسن عالم امتلك ثقافة فلسفية وسوسيولوجية عالية أتاحت له السفر والتجوال في الآداب وعلوم اللسان والتاريخ والتراث اللامادي، تجوال الكبار وسفر الموهوبين…
لهذا فأنا أقول بصوت مرتفع ومسؤول، إن حسن بالنسبة لي، فقيد العلم المغربي والثقافة المغربية والفكر المغربي، لا فقيد النقد الأدبي الفرانكفوني، ولا فقيد الدراسات التراثية الأمازيغية فقط…… إنه باختصار، فقيد الجامعة المغربية التي نطمح اليوم إلى ترقيتها وإلى عالميتها، كما نطمح إلى تجويدها ومحاربة بعض ظواهر الكسل المعرفي فيها……..
هو ابن الريف الأصيل. كان يحب العلم بقدر ابتعاده عن الأيدولوجيا وعدم استساغته لها، رغم أنه حين كان يشتغل على واجهة البحث التراثي في الأمازيغية، كان دائما في الساحة وكان معرضا أحيانا للهجمات السياسوية الضحلة والساقطة من هنا وهناك.
أكاديمي استطاع أن يحقق لنفسه درجة عالية من النزاهة والحرية والاستقلال الفكري. لهذا، أتصور شخصيا أنه حين أحس أن هذه الخصال التي كان يؤمن بها، معرضة للذبول، وحين أحس واقتنع بموقفه العلمي الخاص، ومن أجل عدم تزكية توجه أكاديمي لا يرضاه لنفسه أو أنه لم يقتنع به بشكل كامل، استقال أو جمد أنشطته في المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في السنين الأولى لتأسيسه (رفقة صديقه محمد بودهان)، وبدون ديماغوجيا، مع حفاظه على واجب الاحترام لهذه المؤسسة الوطنية التي عهد إليها بتسطير وتخطيط السياسة الوطنية الهادفة إلى العناية بالتراث الأمازيغي لغة وثقافة. وهذا لسبب وحيد، هو أن حسن أحب الاشتغال بحرية كاملة، واستطاع أن يفصل بذكاء وشجاعة، بين مهامه الخاصة ومهام المعهد…. إنه المثقف حسن بنعقية، والمثقف كما قال المرحوم عبد الكبير الخطيبي: ”شاهد على عصره”، والشاهد لا يمكن سوى أن يكون مستقلا وحرا طليقا في نفسه…. وأنا أخال أن روحه الفردانية المتميزة كعالم أصيل، حالت دون استمراره في مهامه المؤسساتية، بحيث فضل حسن أن يظل باحثا ومناضلا بمزاجه الخاص وبأسلوب عمله الابتكاري…..
فيا أبناء الريف…. ويا أبناء وطننا العزيز؛ فيا أيها الباحثون الشباب ويا أيتها الباحثات الشابات من مغربنا الغالي، استنيروا واستفيدوا من تلك الوصية التي تركها لنا حسن دون أن تكون دعوة مباشرة ومكتوبة، وهي الوصية التي كنت أقرأها حدسا في عينيه، كلما التقيت به، وخلاصتها: ”أحبوا العلم والعمل، فذلك مفتاح نهضتنا ورقينا وعالميتنا المنشودة…..”…
استنيروا واصنعوا أنواركم الجميلة، من ذكرى ثروة قومية، استفيدوا من ثروة رمزية اسمها وعنوانها حسن بنعقية……..
رحمة الله عليك يا صديقي… وعزاء عميقا جدا وصبرا جميلا لأسرتك الصغيرة…………….
صديقك فريد
نسأل الله أن يمتع الفقيد بواسع رحمته . و يجعل أعماله في ميزان حسناته .
رحمه الله واسكنه فسيح جناته كان حسن نشيط جدا ينام باكرا لإستنزاف طاقته ويستيقظ عند الساعة الثالثة صباحا متفائلا للعمل في الحقل الثقافيِ.ما اخذ هما ابدا للامتجان في حياته كتلميذ او كطالب وكان النجاح حليفة وكانت عنده رؤيةمستقبلية واضحة.كثر الله من حسناته وجعل مثواه الجنة ان شاء الله