وهم "التمويلات المبتكرة"

وهم "التمويلات المبتكرة"
الخميس 20 غشت 2026 - 14:52

في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، يعرف الابتكار، وفق المنظور الشومبيتري الكلاسيكي، باعتباره تدفقا خلاقا يعيد تنظيم عوامل الإنتاج لتوليد قيمة مضافة وتوسيع الكعكة الاقتصادية؛ غير أن الفكر التنموي المعاصر تجاوز “المقاربة الضيقة” التي تحصر الابتكار في شقه التقني والمختبري، متبنيا “مقاربة موسعة” تفسح المجال لمفهوم رائد هو “الابتكار المؤسساتي والسياساتي”.

وفي هذا الإطار، أضحت الهندسة المالية والتمويل المبتكر لدى الدول أدوات استراتيجية لتعبئة الرساميل وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج والبنيات الخضراء، كما جسدته بنجاح تجارب تنموية رائدة في الكثير من البلدان مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا، عبر الصناديق الاستثمارية التنموية والسندات السيادية الموجهة لضمان تمويل مستدام ولخلق الزخم الاقتصادي المنشود.

غير أن حقل المالية العمومية في المغرب شهد، طيلة السنوات الخمس الأخيرة، انزياحا دلاليا فجا لمفهوم “الابتكار” في مجال التمويل، حيث تم اختزاله في تقنية محاسبية تروم تسييل الأصول العامة عبر عمليات البيع مع إعادة الاستئجار (Cession-bail)، في ممارسة لا تعدو كونها تحايلا محاسبيا وماليا يبادل الاستدامة طويلة الأجل بالسيولة الظرفية العاجلة.

تقوم هذه الآلية في جوهرها على تفويت ملكية الأصول والمنشآت العمومية إلى مستثمرين مؤسساتيين، كصندوق الإيداع والتدبير ومؤسسات التقاعد، مقابل ضخ سيولة نقدية فورية تقيد في الميزانية العامة كـ”مداخيل غير ضريبية” (Recettes non fiscales). ولئن كانت هذه التقنية قد انطلقت في عهد حكومة سعد الدين العثماني (2019 – 2021) كإجراء ظرفي محدود ومحصور في إعادة الهيكلة المالية لبعض المؤسسات العمومية (بعائدات ناهزت ما بين 12 مليار درهم و15 مليار درهم)، فإنها سرعان ما تحولت مع حكومة عزيز أخنوش (2022 – 2026) من “أداة إسعاف استثنائية” إلى ركيزة موازناتية سنوية، قارة ومكثفة، توسعت بشكل غير مسبوق لتلتهم البنيات التحتية الاجتماعية والسيادية الحيوية (من مستشفيات جامعية CHU، كليات ومرافق تعليمية، ومقرات إدارية سيادية).

هذا التحول الهيكلي مكن الخزينة، خلال الولاية الحالية (2022 – 2026)، من حصد سيولة تراكمية تجاوزت 125 مليار درهم، ليرتفع المجموع التراكمي منذ إطلاق الآلية إلى ما يناهز 150 إلى 160 مليار درهم (في متم سنة 2026 حسب التوقعات الرسمية)، بمتوسط سنوي تراوح بين 25 و30 مليار درهم (أي ما يربو على 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا). وسمح هذا الضخ المصطنع بكبح العجز الاسمي دون تسجيل ديون مباشرة صريحة، لتظهر مؤشرات المديونية في صورة تجميلية خادعة تقلصت معها النسبة من نحو 72 في المائة في أعقاب صدمة جائحة كورونا إلى مشارف 65 في المائة.

مشهد يبدو جميلا في الظاهر، لكنه في ميزان علم الاقتصاد الحديث لا يعدو كونه وهما؛ فالقاعدة العلمية الصارمة تؤكد أنه “لا وجود لوجبة غداء مجانية”. فالتحايل على معايير المحاسبة النقدية لم يلغِ الدين، بل حوله من دين مباشر وشفاف خاضع للرقابة البرلمانية إلى التزامات ضمنية مؤجلة وعقود إيجار طويلة الأجل وباهظة التكلفة، تقتطع دوريا من نفقات التسيير وتزاحم الاعتمادات الموجهة إلى القطاعات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم؛ مما يكبل هوامش المناورة المالية للميزانيات المتعاقبة لعقود مقبلة.

وعندما أعلنت حكومة “رجال الأعمال” عن التخلي عن هذه الآلية عشية الاستحقاقات التشريعية، بشكل ظهر أنه مفاجئ؛ لكنه كان منتظرا ممن يعرفون قواعد اللعبة. لم يكن القرار محايدا ولا محكوما بالضرورة التقنية وحدها؛ بل يجسد ما طرحه الحائز على نوبل الاقتصادي جيمس بيوكانان (James M. Buchanan) حول “الوهم المالي – L’illusion fiscale” في إطار نظرية الخيار العام (Public Choice Theory).

يبين بيوكانان أن الفاعل السياسي يميل بنيويا إلى تعظيم مكاسبه الظرفية عبر فصل “متعة الإنفاق” الحالية عن كلفة “السداد الآجل”؛ فالتمويلات المبتكرة أتاحت تمويل التزامات اجتماعية وأوراش تسييرية باذخة دون اللجوء إلى خيارات غير شعبية، مع تسويق خطاب انتصاري يدعي “التحكم في التوازنات الماكرو-اقتصادية وتخفيض العجز بقدرات ذاتية”.

والحقيقة المجردة أن التراجع عن الآلية اليوم ليس ترفا ولا خيارا طوعيا، بل نتيجة اصطدام حتمي بجدارين: أولهما جدار الاستنفاد الهيكلي للأصول، إذ لا يمكن رهن أصول الدولة إلى ما لا نهاية؛ وثانيهما بلوغ الصناديق المؤسساتية حدود التشبع الاحترازي، إذ إن إرغام أموال التقاعد والادخار على استيعاب عقود عقارية غير سائلة من شأنه ارتهان عوائد المتقاعدين بوفاء الميزانية العامة بالإيجارات، ويحرم الاقتصاد الوطني من توجيه تلك المدخرات نحو قطاعات إنتاجية وتكنولوجية ذات قيمة استثمارية حقيقية.

ما فعلته الحكومة من تسييل لأصول الدولة السيادية لتغطية أعباء جارية واستنزاف الحيز المالي (L’espace fiscal) يشبه تماما من يبيع أثاث بيته ليعيد استئجاره من الغير من أجل تسديد فواتير استهلاكه اليومي؛ إنه تدبير يمنح شعورا مؤقتا بالوفرة، لكنه يترك البيت مجردا من أصوله ومكبلا بديون استئجار أثاثه المباع، مفعول أشبه بالمخدر منه إلى دواء حقيقي يستأصل الداء؛ فهذه السيولة السهلة لعبت دور “المخدر المالي” الذي عطل استحقاق الإصلاح الضريبي الهيكلي وتوسيع الوعاء ليشمل القطاع غير المهيكل ومحاربة الريع، تجنبا لمواجهة التكاليف السياسية مع مراكز النفوذ.

إن القرار الحكومي الأخير بإيقاف التمويلات المبتكرة، بقدر ما يسعى إلى إغلاق قوس الولاية على نصر محاسبي شكلي، فإنه يصدر أزمة تمويل هيكلية حادة إلى الحكومة القادمة، التي ستجد نفسها مجردة من “مسكنات السيولة” ومكبلة بفواتير الإيجارات التراكمية.

لقد آن الأوان لرد الاعتبار لمفهوم الابتكار التنموي الحقيقي؛ فالابتكار لا يعني ابتداع حيل محاسبية لترحيل الأعباء إلى المستقبل، بل يتطلب رؤية استراتيجية سليمة وصادقة لبناء اقتصاد قادر على إرساء أساسيات تخلق الثروة عبر الإنتاج والتصنيع وتوسيع الوعاء الضريبي بعدالة، بدلا من استنزاف أصول الأمة تحت مسميات “الابتكار” المستعار.

-باحث في الاقتصاد السياسي والابتكار وفاعل حقوقي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MMMMMMMMMM
    السبت 22 غشت 2026 - 18:24

    Comprendre que le gouvernement vend les biens de l’Etat pour parer au plus pressé. Il criera victoire après et se proclamera légitime pour gagner les prochaines élections mais une fois remis en place et au moment de payer la facture il va prétendre qu’il a été trop généreux et imposera l’austérité comme si les marocains nageaient dans le bonheur avant leur retour

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 3

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 3

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة