ديسليكسيا جماعية؟

ديسليكسيا جماعية؟
الأحد 23 أكتوبر 2022 - 21:25

أين الخلل؟

87% من الأطفال المغاربة المتمدرسين لا يتقنون العمليات الحسابة البسيطة! شكرا للسيد الوزير على شفافيته وشجاعته. رقم صادم بكل المقاييس، وقبله أرقام لا تقل مأساوية عن ضعف مستويات القراءة في صفوف التلاميذ. وعلى الرغم من هكذا رصد للواقع المدرسي، توضع المناهج المدرسية بل والامتحانات الإشهادية وكأنها موجهة لأطفال دولة أخرى، حيث الأطفال يتقنون المهارات الأساسية للقراءة والحساب. بل تصادفنا نصوص وعناوين كنا نعدها من الثقافة العامة للبالغين الذين أنهوا مشوارهم الدراسي بامتياز، عناوين عن الحضارة، والطاقات البديلة وًتصريف اللفيف المقرون… أما في دروس الفرنسية في الأقسام الابتدائية فلا عجب أن نجد محتويات كانت في التسعينيات حكرا على طلبة مختصين في الجامعة من قبيل “كيف تتشكل الكلمة في اللغة الفرنسية”، والأليغوريا والمجاز. وما يقال عن الفرنسية ينسحب على العربية إذ يتم تحميل هذه اللغة الجميلة عبئا آخر إضافة إلى سوء سمعتها عند الفرنكوفونيين المتجندين للإطاحة بهذه اللغة، حيث يتم اختصارها عن غير قصد في زخم من القواعد لا محيص عن استظهارها. فهي بحسبهم ليست فقط غير قادرة على مسايرة العصر ولكنها لا تفيد في شيء عملي: يقولون لماذا يجب على تلميذ الابتدائي أن يسمي المصدر مصدرا والنعت نعتا والمضاف مضافا… إلخ. ويقولون بأن مسايرة العصر لا تكون فقط بإضافة نصوص ومواضيع لها علاقة بالحاسوب والفضاء بل بإنتاج محتويات علمية باللغة العربية: إنشاء موقع، برمجة بالعربية… إلخ. أشياء لا يمكن طلبها من أستاذ اللغة العربية الحالي، الذي ترعرع كما جلنا في كنف هذه اللغة الرائعة ولا يمكنه سوى الدفاع عن قواعدها. ولكن السؤال يظل وأيا كان المدافع أو المهاجم: من عليه أن يتكلم لغة عربية سليمة ويعبر من داخلها عن وجدانه، أولا، ومن عليه أن يتمكن ويصون قواعدها؟ هل نربي نحويين في المستوى الابتدائي أم ناطقين متكلمين قارئين؟

بقدر ما يهم الجواب عن هذا السؤال المنهجي الإجرائي بقدر ما يهم رصد منبع الخلل وهو سؤال غير مفكر فيه أصلا.

في المنهج

منذ سنوات يتم تأنيب ضمير أساتذة المدرسة العمومية المغربية بسبب ضعف مستوى الطلبة الذين يصلون إلى مسارات متقدمة من الدراسة. ويبدو أن الحل الذي توافق عليه الجميع هو إنزال الجامعة بمحتوياتها الدقيقة أحيانا إلى الثانوي والإعدادي، إن لم نقل الابتدائي: دروس السيميائيات مثلا وتحليل الخطاب والسرديات، إضافة إلى دروس الإعراب والنحو المغرقة في التخصص، غزت المقررات، ربما نتيجة التكوين الأكاديمي للمبرمجين وربما بغية تحديث المناهج وربما تأسيا بنظريات ديداكتيكية ترمي إلى نشر معرفة متقدمة عن السرد والخطاب، ولكنها لا تراعي خصوصيات النسق المجتمعي المعرفي المغربي بل وطبيعة الأولوية حيال متعلمين ذوي عجز كبير في أساسيات التعلم. ندرك جيدا أن تلك المناهج ليست القدوة المثلى والطريق السليم نحو إتقان المهارات الأساسية للتعلم، بل هي مناهج تشير إلى مسارات تخصصية بعينها في مجال الآداب واللسانيات والعلوم الإنسانية.

وعودة إلى موضوعنا، موضوع القراءة والحساب، يجب التذكير، إن كنا قد تحدثنا بصدده أصلا من قبل، أن تلك الصعوبات لا تنتج بالضرورة عن تقصير في الأداء من طرف المدرس ولا حتى من خلل في المناهج ولا عن غض طرف سيئ الظن من قبل المسؤول عن الشأن التعليمي. الخلل قد يكون ببساطة في “أعطاب” وخصوصيات في تركيب دماغ الطفل الذي لا يمكنه بطبيعة الاختلاف البنيوي الذي يميزه أحيانا أن يتعلم بطريقة جرت العادة أن نقول عنها إنها الأنسب والأمثل في حين أنها تعيق تعلم طفل “مصاب” بخصوصية في التركيب من قبيل التوحد، أو متلازمة أسبرجر… أو بالديسليكسيا مثلا. ولا شك أن هذا النوع الأخير من الخصوصيات الفردية لبعض التلاميذ هو الأكثر انتشارا وإلا لما كان تزايد الطلب على أخصائيي الأورطوفونيا، أي مقومي النطق، في اطراد مستمر.

في الديسليكسيا

وهنا وجبت الإشارة فقط إلى العائق الذي قد يشكله هذا النوع الصامت من الخصوصية عند الطفل: الديسليكسيا كما تعرفها الوزارة الوصية منذ أن تقدمت مشكورة من طرف الآباء بإقرار مدرسة مندمجة، دون تمييز على أساس الخصوصيات الفردية والإعاقات الخفيفة والثقيلة، هي في الأساس عبارة عن طيف واسع من صعوبات التعلم يشمل عسر النطق أولا ثم عسر القراءة فعسر الحساب والتموقع في الفضاء، بالإضافة إلى أعطاب كثيرة قد تصيب الذاكرة قصيرة المدى وبطء أو صعوبة الكتابة. وتشير الأبحاث في هذا الميدان إلى أن للديسليكسيا علاقة وطيدة بالاستعمال المفرط للشاشات الإلكترونية. فهل من عجب أن يكون الطفل ماهرا في الحاسوب وغيره، عصيا على التعلم التقليدي؟ كما تذهب دراسات أخرى إلى أن الخلل قد يكون في جهاز التوازن العام للجسم، إلا أن فرضية الوراثة تظل قائمة بالنسبة لقسم آخر من الدراسات من السهل على أي شاء الاطلاع عليها. وأيا كان مصدر الخلل، فتجاوزه ممكن عبر التشخيص المدرسي المبكر والتكوين الملائم للأطر التربوية. وفي الأمر تفصيل طويل لا داعي إليه أمام من يخبرون هذا الأمر وهو عهدة إليهم. ولعل المشجع في الأمر أن الطرق المتبعة من قبل مختص الأورطوفونيا مفيدة وملائمة لتدريس اللغات والرياضيات حتى بالنسبة للفئات غير المعنية بتلك الخصوصيات التعلمية المذكورة. ذلك أنها تنبني على اللعب وتوظيف كل الحواس وإعادة تأهيل مسالك المعلومة في الدماغ عند الطفل.

كلمة حول برنامج تفمم TARL

فكرة التدريس في المستوى الملائم هي في العمق فكرة الأقسام متفاوتة المستوى classes différenciées، التي يعرفها المختص التربوي، وهي تفيد عموما أيًا كان المسمى في فرز التلاميذ بحسب مستوياتهم التعلمية وليس انطلاقا من فرضية نفس المستوى للكل. وتقترح منهجية تفمم أن يتم تجزيء الفصل إلى مستويات عدة مع إمكانية إدماج أجزاء بعينها عقب مراحل التعلم والاكتساب في أفق إدماج الكل في فصل متناسق. وانطلاقا مما سبق ذكره حول طبيعة صعوبات التعلم يمكن أن نتساءل عن طبيعة التدخل ونجاعة الأداة المستخدمة في هذه المنهجية الجديدة. فإذا كان الحل هو العودة بالتلميذ خطوة إلى الوراء (من أجل التقدم خطوتين إلى الأمام)، بنفس الوسائل المستخدمة آنفا دون اعتماد مسالك جديدة وتحديد الخصوصيات التعلمية المحتملة فالخوف كل الخون من أن هذا التدخل لن يفيد في شيء، وكلنا رغبة في أن يفيد، أما وإن كان الأمر عكس ذلك، ولا يمكن للمرء الغيور إلا أن يتمنى النجاح، فيمكن الذهاب أبعد من المنهجية الهندية المقترحة وتصور فصول عابرة للأقسام الابتدائية. إذاك يمكن لتلميذ أن يكون مسجلا بقسم محدد، حسب تقدمه الطبيعي في السن والتعلم، ويحضر دروسا في مستويات أعلى أو أقل وفق مستواه التعليمي الحقيقي وليس المفترض. لكن هكذا تصور يقتضي القطع مع أسلوب التنقيط كنمط محدد للنجاح والرسوب واعتماد نمط الاكتساب ومرجعيات المهارات الأساسية الموجبة للتقدم في المسار التعليمي. وهنا نكون بصدد الحديث عن نمط قائم في بعض الدول الاسكندنافية والتي تعتبر رائدة عالميا في المجال التربوي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • في الإفلاس المدرسي
    الإثنين 24 أكتوبر 2022 - 11:11

    حينما نطالب بتغيير اللغة العربية الحالية و تعويضها بعربية أخرى تنهل من الدارجة و نطالب بتغيير الحروف العربية إلى حروف لاتينية سنجد أول المعترضين هم أولائك الذين لا يفقهون شيئا الظانين أن إنقاذ “الهوية المغربية” أهم من التدريس . المناهج التعليمية رديئة جدا رداءة من وضعها و من سمح لها بأن تدرس ! ما يهمني هو أن نركز على إصلاح التعليم الجامعي و الارتقاء به لأنني في الحقيقة غير متفائل بتاتا بالمدرسة و ما ينتج عنها و إلا وجب إنشاء مؤسسة جديدة بمفاهيم و أنظمة تربوية جديدة تخلف المدرسة في مهمتها ! قد أكون قاسيا لكن الأستاذ و معه الطاقم التربوي يتحملون المسؤولية كاملة فيما يقع لأنه رغم كل الظروف يستطيع الأستاذ التأثير في تلاميذه سواء بالإيجاب أو السلب

  • amaghrabi
    الإثنين 24 أكتوبر 2022 - 11:25

    الحمد لله لقد قررت وزارتنا بترسيم الانجليزية وبالتالي يجب تشطيب الفرنسية من الابتدائي فورا لتبقى العربية والامازيغية في الابتدائي مع تبسيط الفصحى واضافة ساعات اضافية الى مادة الحساب والرياضيات وتقليص من المواد الدينية التي تعتمد على الحفظ بدل الفهم .يجب على تعليمنا ان يتجه نحو المواد العلمية والتقنية والمهنية اكثر لانها تؤدي في النهاية الى اطفال يندمجون بسهولة في الحياة العملية والتي هي الهدف الاساسي للعملية التربوية وتجنب البطالة التي اغرقت اامجتمع المغربي

  • غياب التدريس
    الإثنين 24 أكتوبر 2022 - 14:19

    فئة من المدرسين يلجون مهنة التدريس ليس حبا في المهنة ولكن فقط “باش ياكل طريف دلخبز”. وفي اعتقادهم الراسخ أن المدرس المتفاني في عمله أصبح شيئا من الماضي ولا يوجد إلا في التلاوة. وما يشجع أكثر على عدم الاكتراث بالعمل هو غياب التفتيش الجدي والمهني حيث أن المفتش يكتفي بممارسات شكلية لتبرير وجوده. وحتى وإن قام باتخاذ إجراءات في حق المتهاونين فإن الإدارة لن تنفذ ذلك وإن حاولت التنفيذ ستعترض على ذلك النقابة.

  • عبد الكبير ساوي
    الإثنين 24 أكتوبر 2022 - 20:39

    اعتذر منك اخي الديسلكسيا هي عسر القراءة. اما عسر الحساب فهوديسكلكيل،اtarlتفق معك انه اجترار لبيداغوجية فارقية تنقصه تفريد التعلمات لان مدرسينا مكتوون بنيران المشترك او الاقسام المكتظة،طارل ليست وصفة سحريةلاكراهات التدريس،نصاحبه هذه المقاربة بدعم نفسي واجتماعي في حدود ماهو متحكم فيه ،على وزارتنا الظالمة تحفيز مدرسينا لينزلوا ويبدعوا حلولا ثقوا في المدرس الوطني الشريف.

  • ليس المدرسة وحدها
    الثلاثاء 25 أكتوبر 2022 - 11:11

    لمادا نلوم المدرسة والمدرس؟
    أنا لا أدافع عن أحد…
    أنا كهرباءي،وأعود بالله إن قلت أنا…
    إسمحوا لي أن أقول أن لا أحد يريد العمل في هده البلاد ،وربما في كل بلدان العالم ،اللهم إدا كان يعمل عملا خاصا به . لا داعي إدن أن نتهم أحد،(أولاد عبد الواحد كاع واحد)

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 25 أكتوبر 2022 - 18:47

    المعلق رقم 5 اصاب في تعليقه بحيث توزيع التهم على المدرسين والمسؤولين والموظفين غير صائب بحيث كما قال لا احد يريد ان يعمل بجد بحيث الكل يفتش عن فريسة ويفتش كيف يكذب ليسرق سواء كان موظفا او كان عاملا او كان تاجرا وبالتالي ليس احد احسن من احد كل المجتمع في الهوى سوى

  • عالي المقام بوتيفار
    الأربعاء 26 أكتوبر 2022 - 16:53

    ((وعلى الرغم من هكذا رصد للواقع المدرسي ))
    هذا التعبير الغريب عن أساليب النحو العربي واللغة العربية هو أيضا له علاقة مباشرة بمضمون المقالة
    هكذا رصد خطأ والصواب = رصد كهذا

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28 1

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 3

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء