في سوسيو-أنثروبولوجيا الشغف بالحيوانات...

في سوسيو-أنثروبولوجيا الشغف بالحيوانات...
الثلاثاء 15 نونبر 2022 - 19:30

كتاب دومينيك كِيُّوDominique Guillo
Dominique Guillo, Des chiens et des humains, éd Le Pommier, Paris, 2011.

الحديث حول علاقة البشر بالكلاب، ليس اهتماما بموضوع عرضي، لا قيمة له، بل هو اهتمام بموضوع يدخل ضمن صميم اهتمام السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بالإنسان (في وجوده الفردي أو الجماعي). موضوع يتيح لنا، كما يقول صاحب الكتاب، قول الشيء الكثير بخصوص الإنسان، أكثر مما تتيحه مواضيع أخرى نعتبرها أكثر “إنسانية”.

هذا الكتاب موجه أولا لمن يريد فهم الرابط الغامض الذي يجمع بعض الناس بحيواناتهم الأليفة، خاصة الكلاب. وطموح الكتاب ليس جعل القارئ يحب الكلاب، ولا جعله يكرهها. وليس الدفاع عنها أو المطالبة بحقوقها. فالهدف علمي بالدرجة الأولى: يكمن في الكشف عن ما ينطوي عليه هذا الشغف الإنساني بالكلاب، من تساؤلات وقضايا، تتجاوز أهميتها مجرد معرفة عادات وسيكولوجية أفضل صديق للإنسان…

فالكتاب يسعى لإبراز حقيقة أن هذه الحيوانات حاملة لذاتية أصيلة، وأنه رغم اختلافها عن ذاتيتنا، نقيم معها حياة اجتماعية حقيقية. ومن خلال ذلك، يسعى الكتاب لتناول بعض الأسئلة الكلاسيكية في العلوم الإنسانية. فهذا الرصد لعلاقة البشر بالكلاب هو دعوة لمحو الحدود المرسومة بين الطبيعة والثقافة، وهو ذريعة للقطع مع مركزية نظرتنا لبعضنا البعض وللأشياء والكائنات المحيطة بنا. والمفارقة أن هذا المرور عبر الكلب، يشكل طريقا ملكية للكشف عن بعض السمات العميقة من نفسيتنا ومن حياتنا الاجتماعية…

ولا شك أن الجاذبية القوية التي توحد بعض البشر مع كلابهم الأليفة، تبدو مثل سر غير مفهوم في نظر أولئك الذين لا يبدون أي مشاعر تجاه الكلاب… فحتى عندما يحب المرء كلبه، فهذا لا يمنع من الاعتراف بأن مشهد العلاقة التي يقيمها الإنسان اليوم مع الكلاب، تدعو للدهشة… خصوصا عندما يجري التحدث مع الكلب، والاعتذار منه، والحزن لمرضه والشعور بالألم الشديد لفقدانه… فالمشاعر التي يبديها بعض الناس اليوم تجاه كلابهم تفوق كثيرا تلك التي يسبغونها على أقاربهم…

عدد من الكلاب اليوم تعامل كملوك متوجة، أو ملوك كسالى، عندما نتأمل مثلا ما تكلفه من وقت ومال ومشاعر، على مستوى تغذيتها وتطبيبها ونزهتها… إلخ. وما يدعو للتساؤل أيضا في هذه العلاقة الخاصة، هو أن المرء يحتار أحيانا في هذه العلاقة الخاصة حول من هو السيد: الكلب أم صاحبه؟…

وهذه العلاقة الخاصة ليست حكرا على مجتمع بعينه (المجتمع الغربي)، فهي تلاحظ في أغلب بقاع العالم

فصحيح أن هذا الشغف القوي بالحيوانات الأليفة عموما، وبالكلاب بشكل خاص يختلف {في شكله وقوته} تبعا لاختلاف المجتمعات والثقافات…

لكن يبدو أنه يخترق حدود الثقافات، حيث ينتشر في مساحات جغرافية عديدة: في اليابان، التي عرفت انفجارا في أعداد هذه الحيوانات، فعدد الكلاب وصل حاليا إلى 11 مليون كلب… ومنذ 2003 بدأت أعداد الحيوانات الأليفة تتجاوز أعداد الأطفال أقل من 15 سنة…. الأمر نفسه تقريبا في الصين، رغم أن هذا البلد لا يزال هو أكبر مستهلك عالمي للحم الكلاب، الذي يباع في الأسواق الممتازة، ويقدم ضمن قوائم طعام العديد من المطاعم….

أما في المغرب، فنفتقر لإحصائيات رسمية حول تربية الحيوانات الأليفة (الكلاب والقطط والطيور والأسماك…). لكن رغم ذلك، فمن خلال ما يعاينه الملاحظ العادي في مختلف مناطق المغرب، خصوصا في المدن الكبرى، يمكن أن يتولد لديه انطباع بأن هذا النشاط صاعد اليوم، بزبنائه (من مختلف الأعمار والطبقات والجنسين…) و سوقه الواقعي والافتراضي وجمعياته، وخصوصا بنقط البيع التقليدية والعصرية، التي تعرض “بضاعتها” التي تتضمن أنواعا مختلفة من الحيوانات الأليفة (بأحجامها وألوانها وسلالاتها) ومن مستلزماتها المختلفة، الغذائية منها وغيرها (حلي وألعاب وألبسة)…. لكن الدراسة السوسيو-أنثروبولوجية للظاهرة، وحدها يمكنها أن تكشف عن أبعادها وخصوصيتها في مجتمعنا وعن حدودها…

قد يعتقد البعض أن النظرة الباردة والمحايدة للعلم، والتي تقيم مسافة مع الموضوع، لا تتيح {الإدراك العميق} للرابط الخاص جدا الذي يربط الإنسان بالحيوان (الكلب مثلا)… ربما أن هذا الرأي ليس خاطئا تماما…. لكن مع ذلك، العلم يكشف لنا، في نظر دومنيك كيو، عن عالم، غير منتظر ومحير أحيانا، لكن معرفته لا يمكن إلا أن تقربنا من الحيوان (الكلب) وطبيعة الرابط الذي يقيمه الإنسان معه، والتي تربط الحيوان به: أنها تتيح لنا فهم أخطاء تأويلاتنا، التي هي نتاج ميولاتنا المتمركزة حول عالم الإنسان… وتدعونا إلى احترام الكلب بأن نتعامل معه كما هو، لا كما نريده أن يكون، وتدعونا إلى الاعتراف بوجود شكل من الذاتية لدى الحيوان… ميشيل فيز عالم الاجتماع الفرنسي المتخصص في قضايا المراهقين والشباب والأسرة… والذي انطلاقا من واقع حياته وعلاقته الاستثنائية مع رفيق حياته، كلبه “ويل”، كتب مؤلفا يتحدث فيه عن علاقته كعالم اجتماع بالكلب. في هذا الكتاب المعنون ب:
Michel Fize, Merci Will, et à bientôt, Le sociologue et le chien, éd LGO, 2016.

يكشف الباحث عن علاقته بكلبه “ويل”، في شقها العام (التزامه بقضية الحيوان عموما)، وفي جانبها الخاص، بإبراز الجانب الشخصي جدا، من خلال رصد قصة حياة كلبه “ويل”، الذي أحبه حد الجنون، وكيف عاش فاجعة حقيقية لحظة فقده…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • خديجة
    الأحد 20 نونبر 2022 - 22:03

    قراءة متفحصة لأكاديمي رصين وأستاذ بارع في ترصد الظواهر المجتمعية، كالتي تناولها الأستاذ بوخريص والتي تتنامى في مجتمعنا خصوصا،ومزدهرة بشكل مفرط في المجتمعات الغربية،كالعادة لايسعنا إلا الشكر الجزيل على هذه القراءات الماتعة ،كل التوفيق للدكتور بوخريص.

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري