مغالطات الترجمة إلى العامية

مغالطات الترجمة إلى العامية
الثلاثاء 17 يناير 2023 - 15:57

أصدرت إحدى دور النشر المصرية، مع مطلع يناير 2023، ترجمة رواية إرنست همينغواي “العجوز والبحر” التي نشرها الكاتب منذ سبعين عاما وترجمت إلى العربية من قبل عشرات المرات.

الجديد أن الترجمة هذه المرة بالعامية، تحديدا العامية القاهرية. ويأتي ذلك العمل في سياق محاولة ترجمة الأدب وأحيانا تأليفه بالعامية، من ذلك رواية ألبير كامو “الغريب” المترجمة إلى العامية، ومن قبل مسرحية شكسبير “عطيل” 1989، ومسرحيته “حلم ليلة صيف” 2016، بل و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري 2016، كما صدرت في التأليف بالعامية رواية مصطفى مشرفة ” قنطرة الذي كفر” مطلع الستينيات، وكتاب لويس عوض “مذكرات طالب بعثة” 1965، بل وحصلت رواية بالعامية اسمها “المولودة” على جائزة أدبية.

السؤال هنا: ما الهدف من اللجوء إلى العامية؟ وبعبارة أدق ما هي مبررات ذلك؟ يدعي البعض أنه يتوخى بالعامية مخاطبة شريحة عريضة ممن لا يقرؤون اللغة الفصيحة. هكذا بقدرة قادر يتضح أن لدينا قراء يسألون في المكتبات كتابا بالعامية لأنهم يحسنون فقط القراءة بالعامية! هذا مضحك وأيضا غير صحيح، لأن من يقرأ الحروف العربية (وهي حروف العامية) سيقرأ اللغة الفصيحة التي يسرتها وسائل الإعلام.

إذن أيكون الدافع شيئا آخر مثل الادعاء بأن “العامية” لغتنا القومية وينبغي التمسك بها؟ هنا نسأل: أي عامية تقصد؟ العامية القاهرية، أم الصعيدية، أو السواحلية، أو عامية بدو سيناء، أم عامية أهل النوبة، أي عامية من أولئك تقصد أنها لغتنا القومية؟! الحقيقة أن العامية كانت ومازالت لهجة، واللهجة ظاهرة ملازمة لكل لغات العالم، لأن اللهجة، أو الكلام اليومي، مختبر اللغة الفصيحة، مختبر تنبذ فيه الكلمات الصعبة، وتدخل فيه كلمات جديدة، ينحي أشكال التعبير القديمة، ويبدع جديدة… إلى آخره، وبعد أن تقوم العامية بذلك الفرز والتصحيح، تستوعب الفصيحة كل هذا وتواصل به البقاء، وتظل لغة قومية، فالعامية على حد قول فؤاد حداد “بنت الفصحى”، تأخذ منها وتعطيها.

ومن المفهوم بالطبع أن تتجه فنون مثل السينما والإذاعة وشعر العامية والمسرح إلى العامية، لأن تلك الفنون تخاطب قطاعا واسعا قد لا يحسن القراءة فيه عدد ضخم، لكن من السخف أن تتجه العامية إلى الكتاب المطبوع تأليفا وترجمة بينما لا يسأل عن الكتب أصلا سوى قارئ! اللغة كل لغة تقوم على معجم كلمات ومنظومة قواعد، وليس للعامية معجم كلمات بعيدا عن اللغة الفصيحة، وتسعون بالمئة من العامية كلمات فصيحة، ولا يتسع المجال هنا لضرب الأمثلة على ذلك. أيضا ليس للعامية منظومة قواعد رغم كل محاولات المستشرقين لوضع قواعد لها لأنها ببساطة لهجة وليست لغة، ولو كانت لغة لكان علينا القول بأن لدينا في مصر ست لغات على الأقل.

لكن المستهدف من وراء تلك المحاولات لتضخيم العامية هو أولا: ضرب اللغة الفصيحة الميسرة التي تجمع كل فئات وطبقات الوطن، مما يعني مباشرة تفتيت الوطن ذاته بهدم أقوى مرتكزاته أي وسيلة التفاهم بين الجميع. ثانيا: ضرب فكرة الثقافة العربية التي تقوم على اللغة المشتركة، وعلى أنني أقرأ هنا بدر شاكر السياب وأفهمه، وهم يقرؤون في سوريا نجيب محفوظ ويفهمونه، وفي المغرب يفهمون أعمال بهاء طاهر… إلى آخره.

وقد يتصور البعض أنه بتلك المحاولات واعتماد اللهجة يحل مشكلات اللغة الفصيحة (ولها مشاكلها الكثيرة)، لكن الحل الحقيقي يكمن في تطوير الفصحى وتقريبها للناس. أخيرا لقد كان ومازال تفتيت اللغة التي توحد الأمة هدفا للمستشرقين أنصار الاستعمار الانجليزي، وفي ذلك السياق وضع ويلهلم سبيتا كتابه “لهجات المصريين العامية” عام 1880، وتبعه وليم ويلكوكس أحد رجال الاستعمار البريطاني وكان مهندسا للري في مصر حين ترجم مقطوعات لشكسبير بالعامية في 1892، ومازال البعض يخوضون في ذلك عن وعي، والبعض الآخر عن جهل وخلط بين اللغات واللهجات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Lamya
    الثلاثاء 17 يناير 2023 - 16:55

    هنا في المغرب يوجد ايضا هذا النقاش حول اللهجات و بشكل اكثر حدة فيما يخص اللهجة الامازيغية …
    اتفق معك استاذ, ان الفصحى هي التي تعتمد في الكتابة و القراءة, لان لها قواعد مضبوطة, اما العامية فهي شفاهية فقط, و توجد مئات اللهجات, و بالتالي اعتماد اللهجات للقراءة و الكتابة فيه تفرقة او غرضه ضرب اللغة العربية الفصحى التي هي لغة القران..
    العالم كله يعتمد الفصحى في الكتابة و القراءة و اللهجة او العامية هي للتواصل الشفهي فقط

  • الحرف اللاتيني
    الثلاثاء 17 يناير 2023 - 17:21

    إذا ما الحل ؟ الفصحى المعاصرة غارقة في المشاكل و يجد المبدعون مشاكل عويصة في التعبير عنها عدا عن قواعدها الكثيرة و المملة دون فائدة ثم إن الحرف العربي و مشكلة احتقار اللهجة سيؤديان بالعربية إلى مزيد من التقهقر في المستقبل ثم الانحلال ما لم تستنهض الهمم بأقصى سرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

  • KITAB
    الثلاثاء 17 يناير 2023 - 18:11

    هناك تيار آخذ في التغول ينادي أصحابه بإحلال الدارجة “العامية” محل العربية الفصحى في التعليم أو بالأحرى “تدريج” لغة التعليم ، وقد يبدو واضحا أن هؤلاء قطعوا شوطا كبيراً في هذا الاتجاه فتم لهم تدريج اللوحات الإشهارية أنى ذهبنا ، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي هي الأخرى تستهلك بقوة هذا الجنس اللغوي ، أما الترجمة أو ترجمة الأعمال الأدبية العالمية الكبرى إلى “العامية” فهو تبخيس في حق لغة الضاد والإجهاز على قواعدها وأصولها ، وهي في آن مسخرة تشهد على التردي الثقافي العربي إلى الحضيض ، وتكفي الإشارة إلى رقم %0،7 هي نسبة ما يقرأه العربي سنويا من الكتب مقارنة له مع الياباني مثلا %48 أو الأمريكي %37 ، سلمات

  • الورزازي
    الثلاثاء 17 يناير 2023 - 18:19

    هنا في المغرب كذلك سبق أن نشرت للأسف قصص موجهة للأطفال بالعامية !
    الهدف واضح : إنه ضرب اللغة العربية ، و المستهدف بالطبع ليس تلك اللغة بحد ذاتها ، و إنما شيء آخر أخطر .
    كلنا نعرف ..،
    و الله المستعان .

  • L'enfer c'est les autres
    الثلاثاء 17 يناير 2023 - 19:26

    يجب معرفة منزلة اللغة الام في نفوس الاطفال و البالغين ،فاللغة الام لها تأثيرات عميقة في كياننا اكثر من أي لغة أخرى كيفما كانت ، فاللغة الأم ليست لغة اللسان “فقط ” بل هي اعمق من ذلك فهي لغة القلب ولغة الوجدان ،فهي اللغة التي يشتغل بها اللاوعي ،هي لغة الذاكرة والمشاعر والاحاسيس وبها نأتي بأطفالنا لهذا الكون

    كيف يمكن القول بأن اللغة الام قد” تُجْهِز على قواعد وأصول اللغة العربية” وكذلك فإن اللغة الام يمكنها” ضرب هذه اللغة العربية ” ؟! أهل ان هذه اللغة العربية يمكن ان تنهار بهذه السهولة ؟!
    لا أظن ذلك

  • الورزازي
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 07:58

    سؤال آخر مهم : من سيمول عملية الترجمة هذه ؟ هل هم القراء ؟
    بالطبع لا …
    إذن ، من يمولها ؟
    هذا السؤال سيكون مفتاح…. ، لأنه ستكون من ورائه بشكل خفي الجهات التي تستهدف اللغة العربية .
    و لكن ، عبثا يحاولون …

  • L'enfer c'est les autres
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 12:34

    هناك مفارقة غريبة وهي أن لغة تملك ما لا تملكه اللغات الاخرى ،فهذه اللغة تملك قوة وعظمة وسمو وألوهية لكن لا أحد يستعملها للتخاطب والتواصل في الحياة اليومية زد على ان اللغة العربية محمية بالدساتير وعدد لا يحصى من جمعيات تدافع عنها وأكاديميات للنهوض بها
    المشكلة العظمى للغة العربية ليست هي اللغة الأم كالدوارج او الاستعمار او اشياء كهاته ،
    معضلة اللغة العربية اسبابها قديمة جدا قبل قرون عديدة قبل الاستعمار وقبل المنادين بالدوارج ،فالمعضلة عضوية تكمن حين فقدت اللغة العربية إحدى الوظائف الاساسية لحياة اللغة وهي وظيفة التخاطب الشفوي في الحياة العادية

  • Lamya
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 14:27

    انا اعيش في المانيا وعندما زرت فرنسا لاحظت شيء عكسي لما قاله المعلق رقم 7 و هو انهم لديهم دوارج كثيرة يتكلمون او يتواصلون بها خارج المدرسة او العمل… و لكن هناك الكثيرين الذين يطالبون بالغاء اللهجات و التواصل بالفصحى لنشر اللغة الفرنسية في العالم او على الاقل في الدول التي تسمى بالفرنكفونية و هي مستعمراتها السابقة, فيرغمون الاطفال مثلا للتحدث بالفصحى لتصبح هي لغة الام المنطوقة…
    اما عندنا فالعكس, يريدون ادخال اللهجات في التدريس و القراءة و الكتابة ايضا لتضيع اللغة العربية الفصحى

  • L'enfer c'est les autres
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 16:08

    اغلب اللغات لها لهجات ،ففرنسا كما ذكرت الاخت Lamya أن فرنسا دولة لديها عدد كبير من اللغات واللهجات الإقليمية وأضيف ان الفرنسية هي في حد ذاتها لهجة لأنها تأتي من اللاتينية ،
    لكن الفارق بين حال الفرنسية وحال اللغة العربية هو فارق جدري وهو ان الاغلبية الفرنسيين يستعملون الفرنسية ويتخاطبون ويتواصلون بها في الحياة اليومية العادية وهو مع الاسف ما تفقده اللغة العربية أي التخاطب الشفوي في الحياة العادية غير موجود

  • الفتى المهذب
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 16:45

    لو كان الأوروبيون ككاتب المقال لكانوا لا يزالون يكتبون بلغة لاتينية ويتحدثون لغاتهم التي كانت لهجات عامية.
    فمارتين لوتر وما أدراك ما مارتين لوتر كان كاتب المقال سينصحه بالعدول عن ترجمة الإنجيل إلى الألمانية وبالضبط اللهجة السكسونية (لا علاقة لها بلكنة ولاية سكسونيا الحالية).
    اللغة الفرنسية بنفسها لهجة باريسية للعامية الفرنسية كانت خليط غالي-جرماني-لاتيني.
    وهذه هي طبيعة اللغة.

  • فريد
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 18:48

    إلى المعلقة رقم 1: بالرجوع إلى أي معجم ستعرفين الفرق بين اللغة واللهجة، الأمازيغية لغة قائمة بذاتها، أما قول أن العربية لغة القرآن وعلينا الإستمرار في تدريسها رغم أن لا أحد يستعملها في حياته اليوم فهذا أكثر من تعصب لقومية عربية لم يعد لها وجود، وهضم لحقوق أكثر من نصف سكان المغرب الأمازيغ. تعريب المغرب قام به حزب الإستقلال وزعماء المقاومة كتعويض من ضمن العديد من التعويضات التي قدمها لهم القصر لأنه عادة زعماء حرب التحرير هم الذين يتولون زمام الحكم بعد الإستقلال وهذا لم يحدث في المغرب، وربما بقراءة قليل من تاريخ المغرب الحديث سنفهم الكثير من الأمور. اللغة ليست مقدسة، هي أداة للتواصل ولايمكن أن نستمر في رفض الحلول المقترحة بإسم الدين ولغته، المغاربة لايفهمون الفصحى، المغاربة لايُتقنون الفرنسية فإلى متى سنبقى هكذا؟

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك