بين الجابري والعروي.. سجال من بعيد!

بين الجابري والعروي.. سجال من بعيد!
الأحد 5 فبراير 2023 - 15:25

إن أي سجال بين رواد الفكر المغربي والعربي المعاصر يشكل، من الناحية الفكرية، قيمة في حد ذاته، ولذلك فإن نقل أجواء سجال حصل خلال السبعينات، من بعيد وبشكل غير مباشر، بين الجابري والعروي سيقربنا من طبيعة النقاش الذي كان يشغل النخب آنذاك، مغربيا وعربيا، حول إشكالات وقضايا العالم العربي. كل ذلك كان من منظور إصلاحي، وطني، وقومي غيرةً على أمة كان لها ما كان، وآلت إلى ما آلت إليه.

السجال إذن بدأ “جابريا”، وبالضبط في الخامس من دجنبر 1974، حينها سيجد قراء تلك الفترة أنفسهم أمام مقال سجالي للجابري في الصفحة الثقافية لجريدة “المحرر” المغربية، ونُشر أيضا في مجلة “اليوم السابع” الفلسطينية، مقال بعنوان: “مع الاستاذ عبد الله العروي في مشروعه الإيديولوجي”. أول ما يثير الانتباه هو العنوان الفرعي الذي اختاره الجابري في قراءته لمشروع العروي، وكان حرفيا على الشكل التالي: “إشكالية تفتقد أهم عناصرها!”.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن أي قارئ لهذا العنوان الفرعي هو السؤال التالي: عن أية إشكالية يتحدث الجابري؟ وبأي معنى تفتقد أهم عناصرها؟ سنترك الجواب عن هذه الأسئلة وامتداداتها إلى مقال لاحق، ونكتفي فقط، في هذا المقال، بعرض صورة عامة مختصرة عن طبيعة السجال بين الرجلين خلال تلك الفترة.

إن أول ما يمكننا ملاحظته بخصوص هذا السجال أنه لا يخلو من بعض العبارات التي يمكن وصفها بـ “بالقاسية” في حق بعضهما البعض، من قبيل وصف الجابري الصريح للعروي بكون “تفكيره مهزوز ومقطوع الصلة أو يكاد بالواقع”، وبنفس القسوة يرد العروي قائلا: “ذلك كلام رجل لا يعي ما يقول”. يستمر الجابري بالقول: “إن العروي يستند إلى عموميات، جرد عموميات ليس إلا”. ردود العروي أيضا لا تنقصها الصراحة واصفا الجابري بكونه يكرر فقط ما يقوله الزعماء دون نقد أو تأويل، فهو “يسبح في بحر من الإيديولوجيا ككل المتفقهين، ومن المستحيل أن يستوعب الفقيه مفهوم الإيديولوجيا”.

يُصدر الجابري حكما جازما على العروي بالقول: “إن طرح الأستاذ العروي للمشكل هنا طرح خاطئ.. غير منهجي، غير علمي، غير ماركسي”، وبنفس الحزم والجزم يرد العروي عن الجابري معتبرا أنه وقع تحث تأثير الانتماء إلى إيديولوجية سياسية جعلته يرى الأشياء طبقا لذاته وليس طبقا لذاتها. يقول العروي في هذا الصدد: ” كم من ناقد لي كدّ ليجعل مني مُنظّر الليبرالية العربية. ماذا يقول هؤلاء اليوم وهم يرون ما حدث في أوروبا الشرقية و في البلاد العربية التقدمية؟.. من استنطق الأحداث، ومن اكتفى بتأويل النصوص ومعارضة بعضها ببعض؟”.

يتساءل الجابري مستنكرا: “هل يقبل العروي بوعي التبعية الثقافية؟ أليس وعيه هنا مسلوبا؟”، يستمر العروي في وصف الجابري بعدم الوعي بما يكتب قائلا: “لو كان واعيا لأدرك أن شعار الاشتراكية للديمقراطية وبالديمقراطية، وهو الشعار الذي تبناه التقرير الإيديولوجي، الذي صاغه الجابري في مؤتمر حزبه. هذا الشعار يقول عنه العروي: “هذا هو ما يسميه الجميع الديمقراطية الاجتماعية وأن لا أصالة ولا انفراد في ذلك”، وبالتالي فعن أي استلاب أو تبعية ثقافية يتحدث؟

يستمر السجال وتستمر معها العبارات. يصف الجابري العروي بالنخبوية لكونه يحمل مفهوما بورجوازيا للنخبة، مؤكدا أن النخبة الحقيقية هي “الطليعة الفكرية المناضلة والمرتبطة بالجماهير، والساعية إلى تغيير عقليتها، لا نخبة أبحاث ودراسات كما هو الشأن عند العروي”. يعود العروي من جديد إلى فكرة تناقض الجابري في ما يكتب ويقول: “لو كان واعيا لأدرك أن ما أقوله عن النخبة ودورها التثقيفي هو بالضبط ما تبناه تلقائيا المؤتمر الاستثنائي عندما قرر إنشاء مدارس للأطر الحزبية في كل جهات المغرب”.

يتساءل الجابري مرة أخرى وباستنكار: “من يخدم العروي، موضوعيا، عندما يطلب من المثقفين الانعزال والاشتغال بالنقد الإيديولوجي؟” و”هل تريد الفئات الحاكمة أفضل من هذا الاستنتاج؟”. يجيب العروي ملاحظا عدم إدراك الجابري، من جديد، لتناقضاته، ويرد: “لو كان واعيا لأدرك التناقض بين حالته الشخصية، هو الذي يقدم نفسه كمفكر ثوري ملتزم، وحالة الحصار التي أعيشها أنا رغم أني، حسب تحليله، أخدم موضوعيا الطبقة الوسطى”.

حاول الجابري في الأخير التخفيف من نقده اللاذع عندما قال: “إن الأستاذ العروي مفكر عربي يكتب عن معاناة وعن اطلاع”. لكن قلمه استدرك وكتب: “ولو أن معاناته معاناة ذهنية فقط، واطلاعه غربي أكثر منه عربي”.

رفض العروي ذلك منتقدا الجابري وواصفا نفسه بالقول: “أنا لا أستنبط الأفكار من المطلقات، وإنما أرصد وأؤول ما يفعله العرب، لا سيما الزعماء، دون الاكتفاء بما يقولون ويكررون، في حين أنه لا يتجاوز النقل والشرح”.

قد يبدو للبعض أن هذا السجال الذي وقع خلال السبعينات أصبح الآن متجاوزا، لكن إعادة نشر الجابري لمقالته النقدية سنة 2003 مع تقديم مقتضب لم يُظهر فيه أدنى تراجع عن ما تم قوله، بل قام فقط بتوضيح السياق التاريخي الذي جاء فيه ذلك النقد، والأمر نفسه يمكن قوله عن العروي عندما ترجم كتابه “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” في التسعينات، وأصدر خواطر الصباح سنة 2003، وضمّنها تلك التعليقات التي أوردناها في هذه المقالة حرفيا في العبارات التي وضعناها بين مزدوجتين، مبرزا رأيه الواضح في ما ذهب إليه الجابري من تأويلات حول مشروعه. تلك التأويلات التي دفعت بالجابري إلى اعتبار إشكالية العروي تفتقد لأهم عناصرها، وذلك من خلال وقوفه عند مناقشة المفاهيم الأساسية التالية: الليبرالية، التاريخانية، النخبة والسلفية. هذه المفاهيم التي كان ومازال الجدل مستمرا حول كيفية تَمثّلها والتموقف منها، كما يظهر ذلك من خلال هاذين المشروعين الفكريين الرائدين، وفي مشاريع أخرى أيضا.

سنعود إلى هذه المناقشة “المفاهيمية” وآراء العروي حولها لاحقا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • مفهوم العقل
    الأحد 5 فبراير 2023 - 16:29

    أظن أن مشروع الجابري متجاوز و لا يمكن التعامل مع المشروعين كأنهما من نفس الدرجة إذ التفوق واضح في مشروع العروي ! على أي ، لا أفهم سبب الرجوع إلى هذا النقاش لأن الأحداث أثبتت فعلا من كان محقا في كثير مما قاله !

  • luxury
    الأحد 5 فبراير 2023 - 18:18

    عقلنة الميثولوجيا

    كانت في البداية مصدرا للحوار والخلاف بين الفلاسفة، أيهما يكون هذا العنصر مصدر كل الأشياء.

    يتبع

    سعود سالم
    كاتب وفنان تشكيلي
    (Saoud Salem)

  • Hamid
    الأحد 5 فبراير 2023 - 20:04

    هو اختلاف في الرأي و ليس خلاف.
    انا انبهرت بتفكيريهما و طريقة تحاليلهما
    انا بصراحة استفدت كثيرا منهما
    كتاب الجابري ” مدخل الى القران الكريم “و كتاب العروي
    ” تاريخ شمال افريقيا ” رائعين
    وشكرًا جزيلا لصاحب المقال

  • demi tati
    الإثنين 6 فبراير 2023 - 07:56

    Ce discour et qui va venir au milieu autour ce discour n interet auqun a l instant mais le programme a penser dans la tete de docteur ganboury adore ce type discour beaucoup autour jabiry les deux ou vont ils reves arrivent arrivent

  • distancia ciguridada
    الإثنين 6 فبراير 2023 - 08:16

    كلمات ومصطلحات مسمومة في الخطاب السياسي والإعلامي العربي

    فالإسقاط اللاواعي

  • Amaghrabi
    الإثنين 6 فبراير 2023 - 11:23

    أعتقد أن النقاش النقدي الذي مر بين العملاقين الكبيرين الجابري والعروي هو نقاش صحي اغنى الثقافة العربية والاسلامية والمغربية خاصة لان النقد الادبي مثل المعارضة السياسية بحيث كل واحد يبحث عن ثغرات الاخر من اجل كشف النواقص وتكريس نسبية الفكر البشري الذي مهما تفوق فيبقى ناقصا والكمال لله وحده

  • عابر
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 06:42

    هذا النقاش كان في السبعينات داخل الاتحاد الاشتراكي حيث يمكن اعتبار المفكرين يمثلان جناحين داخل الحزب وخصوصا ان العروي ترشح باسم الحزب للانتخابات التشريعية 1987 ولم يحالفه النجاح. العروي كان يؤكد على دور الطبقة الوسطى اي البرجوازية الصغرى ونخبة المثقفين في التحديث الثقافي والفكري وضرورة التفريق بين الغرب كاستعمار وهيمنة من جهة والغرب كحضارة يجب الاستفادة من مكتسباتها في إطار المتاح البشرية. فكر الجابري حاليا يصول ويجول ويجوز الاعجاب في الاوساط الفكرية والثقافية في العالمين العربي وحتى الاسلامي .. وربما نرى بعد حين فكر العروي النابع من تجارب التاريخ يحوز نفس الاعجاب مستقبلا.

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 1

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد