لم أجد طيلة ستين عاما من يفهمني غيرك،
يا يما….
من يدللني كطفل غيرك،
يا يما…
من يمنحني الثقة الكبرى،
والبطاقة البيضاء،
غيرُك يا يما….
أنت الوحيدة التي عَرفت،
ما يشغل بالي ويستهويني….
وما يدهشني….
أنت الوحيدة في العالم التي آمنت
بقدراتي على التحليق حتى من دون جناح،
وعلى الغوص في أعماق المحيطات من دون هواء..
أوكسجين الحياة هو أنت؛
فقط أنت لوحدك يا يما….
حاولت أن أتنفس تحت الماء….
بذريعة الأخطار، منعوني…
حاولت أن أصمت، لكنهم ضايقوني،
هاجرت لكنهم اتهموني،
راوغت فكانت حيلهم أكثر حبكة من مراوغاتي،
أعود إليك أمي فأجد فيك ….
ما لم أجده في الآخرين الذين يشبهوني…
لا بأس أحاول معهم مرة أخرى،
لعلهم يدركون ما لم تدركه نفسي…
أوضح لهم كلماتي،
لعلي أفقه قولي!
أدمر نفسي وأعيد تركيب قناعاتي من جديد؛
أعود إلى الفكر والفن والدين….
فينفجرون في وجهي بابتسامتهم الماكرة من زمن ميكيافيلي….
هاجرت أمي كما تعلمين….
هاجرت شبابي حتى لا يخذلونني….
هاجرت مكاني وزماني، وأصدقائي؛
فكان الفراق صعبا مزلزلا كفراق الموت….
هاجرت لأُدخل الفرحة عليهم؛
لكنهم لم يتركوني،
اتهموني، وضايقوني….
وحاولوا دفني حيا مع الميتين….
ليستريحوا مني، ومن صمتي، ومن كلامي….
أزعجوني….
أزعجتهم…فأزعجوني !
فأنا لست أنا،
لست مشرقيا، ولا غربيا…
لست بدويا، ولا حضريا،
لا داخليا ولا خارجيا…
لا جنيا ولا إنسيا،
لا واقعيا ولا سورياليا،
لا يمينيا ولا يساريا،
لا أنتمي إليهم ولا إلى نفسي،
دمائي مختلطة بدماء الفلسفة والشعر،
بمداد الحبر، والتوت،
وألوان التين والزيتون…
فكرت صادقا أمي أن أغيّر اسمي،
ملتي، جلدتي،
أن أغيّر حتى ديني،
وهندامي، وسلوكي….
وبشرة وجهي،
أن أغيّر لغتي..
أن أمحو بقايا أزمنتي من ذكرياتي…
لكن القرار كلما فكرت فيه يحضر طيفك ….
فهو ضميري؛
المنارة التي تضيء طريقي….
يما ارحميني …..
برحمة الله التي في الأم ارحميني…
باسمك ارحميني…
اجتهدت لإرضائهم،
أعطيتهم كل شيء،
تنازلت لهم عن عقلي وعن شجرة التين…
عن كبريائي وعنفواني،
وعن قصائد شبابي ليتركوني….
ما تركوني…
إنهم لا يريدون أن أكون كما أريد أن أكون فعلا…
لا يريدون أن أرسم على الأرض خطوطي…
ولا خطواتي…
ولا أن أحلق طائرا بهمومي…
نصحتني مبكرا يا يما بالصمت….
لكنهم يتقنون فنون الاتهامات كلها،
لا ألتفت لما يقولون لكنهم يقولون:
هذا زاهد،
يساري،
طوباوي…
متصوف….
نرجسي….
جبلي….
يتهمونني وراء ظهري حتى بالمجون….
والتأمل في المروج ….
وشرب الكحول…
وحب الجمال في الجفون….
يرددون بأن الخيانة العظمى تنطق بها عيوني…
فلا تشفع لهم دموعي….
وما تركوني….
أعترف يما….
وبعد 60 عاما بأنني لم أنجح في إقناعهم….
تدربت على فن الخطابة لكني فشلت..
خاطبتهم بالفصحى لكني فشلت…
بلغة الروم فشلت….
بلغة الصمت لم أنفذ لقلوبهم!
فلم أنجح في إقناعهم بشبه البيان،
ولا بسحر القوافي…
اتهموني بتقليد المنفلوطي،
والمتنبي، ونزار قباني،
واتهموني تكرار نفسي؛
وما تركوا وصفا إلا ونعتوني…
وجدوا خطابي ركيكا جدا…
وهذا من حقهم !
صموا آذانهم حتى لا يسمعوني…
وكرروا أنهم لا يفهموني….
فقط أنت الوحيدة يا يما التي أستسلم إليها،
تُحيي طفولتي وتنشل ثقل همومي،
وثقل الصبر الجاثم في جوف عيوني…
فأنت الوحيدة التي تفهميني….
عدت إلى الكتب… يا ليتني ما عدت؛
مزقوا أوراقها، وأحرقوا جلها…
منعوني من القراءة ومن الكتابة،
في المقهى حاربوني،
عدت إلى القسم فلم يستسيغوا الإصرار؛
في هذا العمر،
وقاطعوني…
ضايقتهم عودة القارئ المسكون والمجنون،
وطردوني من جلساتهم،
تركت لهم الأخضر واليابس،
الحدائق، والكراسي، والمسابح…
لكنهم اهتموا كثيرا بمحو آثاري ….
وأشاعوا بين الناس نهايتي ووفاتي،
حتى وأنا لم أولد بعد….
واحتفلوا بنهاية الإنسان،
وبموت مؤلفاتي،
حتى وإن لم تكتب بعد.
لقد أعدت أمي غراسة الحديقة من جديد،
لكنهم عبثوا بحالي وبحال نبات الحلحال…
فكرت أن أرحل وأغادر باحثا عنك،
هناك وسط السحب….
لكنهم أحضروا الجن ومنعوني من الصعود ….
تركت لهم السلاليم كلها…
وانصرفت لتحقيق الصعود….
تركت لهم الأحجار الكريمة وانصرفت….
المال، والمركز، والشعر، والكلمات، وانصرفت….
لعلهم يتركوني..
ما تركوني…
قلت لهم بعد رحيلك:
“أنتم كل شيء ونحن لا شيء…”
“أنتم الأغنياء ونحن الفقراء”،
” أنتم الأقوياء ونحن الضعفاء”،
” أنتم العارفون ونحن الجهلاء”،
” أنتم الأخيار ونحن الأشرار…”
رغم كل هذا ….
رشوا الورد بالسم،
وعبثوا بالحديقة في الليل،
وقتلوا العصافير الصغيرة في العش،
وشربوا من دم الحمام في الحفل،
ومنعوا النحل من الطيران في الحقل،
ومنعوا الغمامة من زيارتي بالبيت ،
واتهموني بسرقة أحلامهم،
وبسرقة حساباتهم البنكية …..
وبالتجسس على جلساتهم السرية…
في النهار والليل…
منعوا عني حلبة الملاكمة،
اتهموني بتفادي مواجهة الخصوم،
ووعدوني بالنار،
وحاكموني….
وصادروا حقي في القول والهزل،
والكتابة…
واتهموني بإتقان فن الصمت…
ومنعوا عني الاتصال بك، مع الفجر وفي غسق الليل؛
لكن طيفك معي يلازمني،
ويحميني،
أقول فيك الشعر،
لكن ذلك يضايقهم،
يضايقهم حتى حب الأم،
حتى الانصراف في رحلة اللاعقل تقلقهم!!!
لقد قلت يا يما
“سيطعنونك ولا تبالي بهم؛
هي معارك السياسة،
معارك الخبز،
والقصيدة،
والنثر،
وضريبة اختيار بناء العش على ضفاف النهر….”
انتصرتِ عليهم أمي…
لقد صدقوا أنك أمية “جاهلة”….
فاستراحوا….
صدقوا أنك لا تكتبين ولا تقرئين،
فاستراحوا….
صدقوا لأن مراوغاتك فتنتهم،
علمتُ لماذا لم تبحث عن الضوء،
لأنك أنت من شعاع الشمس والنجم.
صدقوا حمقك؛
لأن عقلك من عقل اليونان،
عقل شاطبة، وجيان.
صدقوا جهلك بقواعد اللغة….
لأن لغتك من بني النصر…
نصفها هنا والنصف الآخر ينتظرنا عند أبواب؛ البايزين والحمراء…..
صدقوا لأن عيوعك أهازيج عند الحصاد والدرس،
لم يعرفوا بعد أن عيوع صيحة في وجه الظالم والظلم…
علمتنا فن المراوغة لحماية أنفسنا من أنفسنا…
والوالد كان ينوي تدريبنا على شرب السم.
فكرت أمي أن لا أحكي لك ما جرى،
لكني لم أتمكن من الالتزام بالصمت.
وأنت بالمناسبة تعرفين كل شيء…
حاولت أن أغادر الأرض….
وأفر من تحت السماء….
حاولت أن أذوب في جسد جديد،
يبتلعني وأستريح،
وتنبعث هويتي في السند والهند،
خارج معايير الهوية المتعارف عليها..
هوية انصهار الشرق في الغرب….
أنا طفل مبحوث عنه في العالم بأسره….
تهمتي الأولى: نية الفهم؛
التهمة الثانية: شغف القراءة خارج القسم؛
التهمة الثالثة: محاولة الكتابة خلال النوم؛
التهمة الرابعة: زعزعة قوافي الشعر؛
التهمة الخامسة: إدخال الفلسفة إلى مجال الشغل.
أخبرك يما بعد رحيلك،
أعدموا الطفل الذي يسكنني،
صيف 2020 ….
تسابقوا لإمضاء قرار طرد الطفل،
كما فعلت إيزابيلا وفعل فليب بالأمس،
حماسهم كان كبيرا جدا…
أحضرت الأقلام الذهبية….
والقراطيس المقاومة للتزوير…
وأعدوا المشروبات…. الكحولية،
وجلبوا المضيفات ذات الجمال والحسن….
وتدربوا لسبعة أيام كاملة،
على صياغة نص طرد الطفل ….
أحضروا الكاميرات والمزهريات؛
والورود البلاستيكية،
وأحضروا ابتسامتهم الصفراء الميتة في المهد ….
وأعلنوا مساء يوم الجمعة بمغادرة الطفولة من جسدي،
ومن روحي….
طردوها بعد صلاة العصر،
من مخيلتهم،
من قواعد بياناتهم ومن برامجهم،
من أبراجهم….
ومن العالم الأرضي،
ما نفعهم يا يما رجائي…
ولا صمتي….
ولم ينفع حيادي، ولا بؤسي…
ولم تشفع كفاءتي ولا جهلي…
ولم ينفع صدق سريرتي…
لم ينفع حضوري ولا حتى غيابي…
ينفع اليوم أن أتابع المسير في طريقي إلى البرزخ للقاء الطفل… عند الأم.
أراهم منكسرين وشخصيا أتمنى لهم جميعا الصحة والحكمة لعلهم يدركون حقيقة ومعاني هذا الفصل….
ويدركون أن الله أحد فقط.
اتصلوا بي لحضور حفل توديع الطفل……
فلم يجدونني….
حاولت الاستجابة لكن لم أجد حتى نفسي …..
لا في السماء ولا على الأرض…ولا تحتها…
هل بعد ستين عاما سيتركوني وشأني؟؟؟
أخبر الجميع أني سأتوقف عن المراوغة….
وابحثوا عني في قلوب الأوفياء فقط …
فكيف للأم أن تتحمل…. ما لم تتحمله نفسي؟؟؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.