تحليل اختبار الرياضيات علوم تجريبية 2023

تحليل اختبار الرياضيات علوم تجريبية 2023
الأحد 18 يونيو 2023 - 09:06

مقدمة:

في اليوم الثاني لاختبارات البكالوريا قصدت أحد مراكز الامتحان بمدينة تمارة، رغبة مني في الحصول على نص الاختبار الوطني لمادة الرياضيات علوم تجريبية وكذلك من أجل الاطلاع على آراء التلاميذ حول الاختبار… وجدت آباء وأمهات التلاميذ ينتظرون على طول سور المؤسسة، ولا حديث لهم إلا عن صعوبة اختبار الأمس لمادة الفيزياء ودعواتهم أن يمر اختبار الرياضيات بسلام. بدأ تلاميذ العلوم التجريبية يخرجون تباعا من المؤسسة حيث سرعان ما بدأ يتضح أن معظمهم يشتكي من صعوبة الامتحان وخصوصا الاحتمالات حيث أفصح لي أحد التلاميذ الذي ناولني موضوع الاختبار أن هذا الأخير لم يكن في المتناول بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ بدليل أن الكثير من التلاميذ أبدوا استياءهم.. أما البنات فلم يجدن إلا البكاء للتعبير عن ذلك. وبعد اطلاعي على التمرين المذكور بشكل متأني بادرت بالسؤال… وأين تكمن الصعوبة في تمرين الاحتمالات هذا؟ فأجابني… لم يذكروا نهائيا طريقة السحب هل هي بالتوالي أم بالتأني؟ فقلت له مازحا، يبدو أن المطلوب في التمرين هو سحب كرة واحدة فقط… وإذا لم يكن هناك بد من السحب بالتأني أو التوالي، فليس أمامك إلا أن تهشم الكرة وتلتقط أجزاءها كما يحلو لك بالتوالي أو بالتأني وفي النهاية لن تحصل إلا على الكرة التي قمت بتهشيمها… ابتسم التلميذ فقلت له هكذا أريدك أن تبتسم وتكون متفائلا وتعترف بخطئك بروح رياضية دون محاولة إلصاقه بالآخرين…

ماذا عن الاختبار الوطني لهذه السنة:

ليس في نيتي أن أطيل في هذه النقطة حيث قيل الكثير حول الموضوع في الأيام القليلة الماضية، فقد أجمع كثير من المتدخلين التربويين على أن الاختبار الوطني لمادة الرياضيات شعبة العلوم التجريبية لهذه السنة كان عاديا ويمكن القول إنه بسيط بالمقارنة مع كثير من الاختبارات الوطنية السابقة… كل ما هنالك أنه استطاع أن يتحدى النمطية والتكرار ولم يستهن بعقل التلميذ، بالمعنى الحقيقي لهذا الأخير، أي التلميذ الذي من المفروض

أن يكون مسؤولا عن عمله ومستقبله وبالتالي يعمل بجد ويتقن مهارات التحليل والتركيب والأدوات المنطقية الضرورية لتقديم براهين رياضية في المستوى المطلوب.
يقول أستاذ مادة الرياضيات السيد محمد طلحة في تحليله للاختبار الوطني، إن الأسئلة المطروحة في التمارين تنوعت بين تلك التي تتطلب توظيفا مباشرا للمكتسبات المعرفية وتلك التي خرجت شيئا ما عن المألوف وتجلى ذلك بالخصوص في التمرين الأول – السؤال 4 وفي مجمل التمرين الثالث، كما تجلى في المسألة – السؤال الثالث. وسواء في هذا الجانب أو ذاك يبقى توزيع الأسئلة محترما للأطر المرجعية ومنضبطا لها بشكل دقيق. ومن خلال تصحيح شامل للامتحان يتبين أن اللجنة الوطنية المشرفة على الامتحان توفقت بشكل كبير في جوانب عدة وبالخصوص في الانتصار على النمطية المدمرة لعقول التلاميذ.

المهم هو النجاح بأية طريقة:

كتب لي أحد الأصدقاء وهو ادريس الزهر من مدينة ميسور، تعليقا عن المقال السابق حول تحليل اختبار الوطني لمادة الرياضيات شعبة العلوم الرياضية حيث قال بنبرة فكاهية كعادته “عندما كانت امهاتنا لا تعرف كلمة math كانت نقطنا الممتازة تعبر عن مستوانا في الرياضيات اما الآن … “اعطاوهوم الماط اصعيب وزيروهم في الحراسة حشومة عليهم”… تصريح أمهات لأبناء يريدون اقتناص النقط بكل الطرق… ولا حديث يعلو عن حديث صعوبة الامتحان وعدم السماح بالغش وكأنه حق مكتسب ينبغي الدفاع عنه.

بعد محاولات الغش اليائسة بواسطة شتى الوسائل الإلكترونية “المتطورة” والتي حجز منها الكثير بفضل يقظة السلطات الأمنية نرى الآن جحافل الكسالى تشن حربا ضروسا لتدافع عن الغش كحق مشروع وتعمل على تبخيس مجهودات المدرسة والأساتذة والإدارة التربوية.

من هنا يجب أن نفهم مدى الانهيار الذي أصاب عددا كبيرا من تلامذتنا، فهم لا يعانون فقط من ضعف في المستوى التعليمي، بل يعانون من جميع التمثلات السلبية والمتمثلة أساسا في تمجيد الكسل والخمول والسعي إلى النجاح في آخر لحظة، بالغش والتدليس واللجوء إلى الحيل وحتى إلى العنف المعنوي والمادي ضد رجال ونساء التعليم والإدارة التربوية. هؤلاء لا يحتجون بالضبط على الاختبار لأنهم في الحقيقة غير مؤهلين لاجتياز أي اختبار مهما كانت بساطته، هم يحتجون بالأساس على حرمانهم من “حقهم في الغش”، وتبرير حصولهم على نتائج غير مشرفة أمام ذويهم… حيث أنه خلال كل السنوات الماضية فقد كان آخر هَم هؤلاء هو التحصيل الدراسي، كانوا منغمسين في التفاهات والحديث الذي لا ينتهي خلال الحصص الدراسية وعدم التركيز واللامبالاة …

الرسالة وصلت لمن يهمه الأمر:

على الرغم من ردود الأفعال فأظن أن الرسالة قد وصلت واتضح أننا نعيش عهدا جديدا حيث من المفروض أن يدرك الجميع أن زمن النمطية القاتلة قد ولى إلى غير رجعة، وعلى التلاميذ أن يعلموا أن النجاح في الرياضيات يقتضي بذل مجهودات شخصية وأعمال جادة وشاقة، لا يمكن أن يقوم بها أحد بدلا منهم.

رسالة تعيد رسم الصورة الطبيعية لأهداف مادة الرياضيات، حيث استعادت هذه الأخيرة مكانتها في الأذهان كعلم للإبداع والتجديد، كما تبين أن الاختبار الوطني ليس إلا مناسبة لتجسيد مختلف الجوانب الذكية في مادة الرياضيات، والتي من شأنها تحفيز كل الفاعلين في المجال على إبداع وضعيات ومسائل رياضية أخرى بإخراج بسيط وذكي من أجل خلق التراكمات الضرورية لتطوير الإطار المرجعي وإصلاح البرامج…

دورنا محاربة كل أنواع اليأس والتبخيس ونشر ثقافة الأمل:

رغم الوضع المزري الذي يعيشه تعليمنا… يجب علينا أن نركز على الأهداف التي ينبغي أن نحققها بمعية التلاميذ الذين يستحقون ذلك… وهذه الأهداف تتمثل في الرفع من المستوى التعليمي لهؤلاء التلاميذ ومحاربة الاجترار الذي كان سائدا ولمدة طويلة وساهم بشكل كبير، إلى جانب أسباب أخرى، في تدني مستوى الرياضيات في بلادنا بسبب تكريسه لفهم مغلوط لدور مادة الرياضيات الحقيقي والمتمثل أساسا في تطوير مهارات التلاميذ وصقل مواهبهم وإعدادهم لمواجهة الصعاب المرتبطة بحل المسائل الرياضية، باستخدام الطرائق العلمية ومهارات البحث بما تتطلب من تحليل للوضعيات المطروحة وتركيب للأفكار المنبثقة عنها لصياغة براهين جيدة ومقنعة، الشيء الذي يساهم في بناء شخصية عقلانية مؤمنة بتحكيم العقل ومتشبعة بحس الخلق والإبداع وشغوفة بمتعة العمل الدؤوب المؤدي إلى الإحساس بالسعادة الداخلية الحقيقية… وقد ساهمت التطويرات المتتالية لاختبارات البكالوريا لمادة الرياضيات في السنوات الماضية في تغييرات هامة على مستوى تطوير أداء الأساتذة وانعتاقهم التدريجي من رقابة النمطية المقيتة، ويظهر ذلك جليا من خلال محاولات التغيير والتطوير في التمارين والفروض المحروسة والمنزلية التي يقترحها الأساتذة المميزون والتي تحاكي كل الأفكار والمستجدات المقدمة خلال اختبارات البكالوريا في عهد التجديد، تنضاف إليها إبداعات ولمسات أخرى من ابتكارات هؤلاء الأساتذة الذين لا يبخلون ولا يترددون في تقاسمها مع الجميع عن طريق وسائل الاتصال الحديثة…

خلاصة:

اختبار الرياضيات للدورة الأولى -علوم تجريبية- لهذه السنة كان مناسبا تماما ومواكبا للتطور التدريجي لاختبارات الرياضيات ببلادنا، بل يعتبر هذا الاختبار قفزة نوعية هامة جدا وشجاعة بعد قفزة الاختبار الوطني لسنة 2015، وذلك بطرحه لأسئلة جديدة كانت مهمشة، ثم التخلي عن تقديم الأسئلة المقرونة بإجابات إلا في الحالات التي تستحق ذلك، وهذه خطوة كبيرة ودعوة جديدة وهامة للأساتذة من أجل تطوير طرائق التدريس والقطع مع الممارسات البالية التي أنزلت مستوى التلاميذ إلى الحضيض في مادة الرياضيات.

لكن مع ذلك فإن معظم التلاميذ يعتبرون أن هذا الاختبار كان صعبا ويعود ذلك إلى المستوى الضعيف جدا لهؤلاء. ويجب أن نعترف، كما سبق أن قلت في السنة الماضية، وبكل شجاعة وبغض النظر عن ردود الأفعال المحتملة أن معظم التلاميذ البكالوريا يعانون من ضعف شديد في الحساب والهندسة معظم التلاميذ يعتمدون على الحفظ أي حفظ بعض التمارين ومحاولة استنساخها…

معظم التلاميذ فاقدون للقدرة على العمل والمثابرة والاعتماد على النفس…

معظم التلاميذ فاقدون للنفس الطويل لمواجهة المسائل الرياضية والاستمتاع بالبحث وإيجاد الحلول.

معظم التلاميذ يختار الحل “الأسهل” وهو الاعتماد على “وهم” بعض الحصص الإضافية القليلة والاستخفاف واللامبالاة بالحصص الرسمية المنظمة وخلق الضجيج والفوضى داخل القسم بدعوى عدم الاستفادة، وكيل وابل من التهم للأساتذة والإدارة التربوية ظلما وعدوانا وبالخصوص في المدارس الخصوصية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Ammari
    الأحد 18 يونيو 2023 - 13:02

    تحليل منطقي تحياتي أستاذي الفاضل. لك منا جزيل الشكر

  • الكبير
    الأحد 18 يونيو 2023 - 15:55

    أنا لا اتفق أن يكون موضوع الرياضيات بعده الحدة لسببين هما الأول أن هدا الفوج لم يتمم دروس مقرر السنة التاسعة إعدادي و الجذع المشترك العلمي بسبب وباء كورونا و السبب الثاني ضيق الزمن الدراسي حيث لا يجد الأساتذة الوقت الكافي لمناقشة الحالات الغير النمطية و سبب هدا هو ضياع الشهر الأول من الدخول المدرسي في أنشطة التقويم و التسجيل و غيرها و شكرا لك القراء

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07 6

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30 1

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 9

مضامين التزامات حكومة المنصوري