بين الأسطورة والواقع السياسي
عندما يتلاشى السياسيون في الأذهان وتصفو الساحة السياسية هناك بعض الشخصيات التي تنبعث من العدم وتعود بقوة لتذكر العالم بوجودها. واحدة من تلك الشخصيات هي إلياس العماري، الذي ظهر مجددًا كالفينيق الذي ينهض من رماده.
العماري أكد أن عودته ليست سياسية، بل تأتي كنتاج لعشقه الشديد للإعلام ورغبته في العودة إلى مجاله الأصلي؛ ويشير إلى تجربته الطويلة في مجال الإعلام والنشر وتأسيس الصحف، وكذلك خبرته في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ما يجعل عودته مفهومة من هذا المنطلق.
من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن عودة العماري تأتي في سياق تحولات سياسية واجتماعية في المملكة المغربية لا تبشر بالخير، فالساحة السياسية قد تشهد تحركات ملحوظة وتغيرات في الأطراف السياسية المهمة كمخرجات لامتصاص السخط الشعبي على أداء الحكومة الحالية. وقد تترجم هذه التحولات رهانات سياسية جديدة. وفي ظل هذا السياق قد تكون عودة العماري ضرورة للتأقلم مع هذه التغيرات وملء الفراغ الملحوظ الذي خلفه غيابه؛ فلا يمكننا تجاهل الشكوك المثارة حول طبيعة هذه العودة.
إن عودة زعيم سابق كبير، كان له دور بارز في الساحة السياسية، لا يمكن أن تمر دون أن تثير عدة تساؤلات حول الأهداف والنوايا؛ فقد تكون مجرد مقدمة لعودة سياسية محتملة مستقبلا، حيث يستخدم العماري هذه الفترة لإعادة بناء قاعدة دعمه وتوطيد علاقاته السياسية استعدادا لانطلاقة جديدة.
ويترقب الكثيرون بشغف عودة إلياس العماري، الشخصية السياسية الوطنية المحبوبة، التي عاشت على مدى سنوات عديدة في عزلة وتوارت عن الأنظار.. ورغم تأكيده على زهده في السياسة إلا أن هناك من يروج لفكرة أن عودته للأضواء قد تكون مقدمة لدوره كمحرك للساحة السياسية. فما هو الحقيقي وما هو الأسطوري في قصة إلياس العماري؟.
إلياس العماري، الشاب الذي نشأ في الريف وصعد درجات النجاح والتألق ليصبح رجلاً سياسيًا نافذًا في المركز، يحمل في طيات حياته قصة تلهم الكثيرين؛ وُلد في أسرة متوسطة، حيث كان والده فقيهًا وأمه تربي الدجاج، كما يحلو له وصفها بكل بساطة وفخر. هذا الأصل المتواضع لإلياس العماري رسم له طابعًا فريدًا وحبسه في ذاكرة الناس، فهو يجسد قصة النجاح الذي يمكن لأي شخص أن يحققه، وأن النجاح السياسي يمكن أن يولد من رحم القرى المنسية.
عاش العماري حياة اجتماعية صعبة كشاب مطارد بسنين من السجن وهو يحمل على عاتقه صك تهم واهية، ومسيرة سياسية مليئة بالمحن والتحديات في مناهضته للظلم؛ ناضل في صفوف اليسار المغربي وكذلك في الحركة الأمازيغية، حيث عمل على نشر الوعي والدفاع عن حقوق المهمشين والمنسيين وضحايا القمع السياسي والإثني الهوياتي… قصة عيشه مطاردا ومتخفيا عن أعين المخبرين والشرطة قادته إلى أن يرافق الطلبة في أوج النضال الطلابي، وجعل الكتب والنقاشات السياسية متنفسه الذي صقل لنا هذا السياسي المتفرد؛ هاته التجربة قد أضفت له الخبرة والتأريخ، وجعلته قامة وكفاءة سياسية لا يمكن تجاهلها.
أبرز محطة في تاريخ إلياس السياسي أنه الرجل الذي فضل كرامته على المنصب، فرفض التحالف مع الإسلاميين في انتخابات 2016، معتبرًا أنه يتناقض مع قناعاته ومبادئه، وهو أمر يستحيل أن يقدم عليه سياسي مغربي غيره.
لكن، ما الذي يجعل الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت عودة إلياس العماري إلى الأضواء مجرد “مقدمة” للعودة إلى الساحة السياسية؟ قد يكون الجواب في العديد من العوامل التي تحيط بظهوره المفاجئ؛ فإلياس هو الشخصية المثيرة والغامضة التي تحمل في طياتها الكثير من الأسرار والإشارات… قد يكون حضوره في الحوار مع موقع هسبريس مجرد خطوة أولى للخروج من عزلته وتواريه عن الأنظار، لكن هناك من يرى في ذلك رمزًا لعودته المحتملة إلى الساحة السياسية.
لا يخفى على الجميع أن إلياس العماري ترك فراغًا لم يستطع أحد ملأه خلال غيابه عن الأضواء؛ إنه الشخص الذي كان يعتبره البعض “محرك الدمى”، فهو الشخصية التي تتلاعب بالخيوط السياسية وتحركها ببراعة ودهاء. وإذا كان العماري ينوي العودة للساحة السياسية فإن هذا سيكون بمثابة تحدٍ للتوقعات والتحولات المستقبلية.
على صعيد آخر، قد يكون لعودة العماري تأثير كبير على تهميش الريفيين سياسيًا، خاصة في حزب “البام” الذي شغلوا فيه مهام بارزة قبل تواريه عن الأنظار… وتعكس عودته تصعيدًا وتحركًا جديدًا في المشهد السياسي، وقد يكون لها تأثير إيجابي على تمثيلية الريفيين في “البام”، وتلبية احتياجاتهم السياسية والاجتماعية، وبدء مصالحة جديدة مع المكون الريفي سياسيا.
يمكننا أن نشبه عودة إلياس العماري بالحكاية الأسطورية عن الطائر الذي يغادر عشه ويتجول في الأفق، ثم يعود محملاً بخبرات جديدة ورؤى متجددة؛ هكذا يمكن أن نرى هذه العودة، فقد غادر الساحة السياسية لفترة، لكنه الآن يعود بعد تجربة غنية وتراكمات سياسية قد تجعله أكثر قوة وتأثيرًا في المستقبل.
“الإرادة الحقيقية لا تعرف الوقت ولا تنحصر في الظروف”، هذا ما يمكن أن ينطبق على عودة إلياس العماري؛ فالإرادة الحقيقية والشغف السياسي قد يتغلبان على العزلة والتواري عن الأنظار، وقد يدفعان الشخصية السياسية إلى العودة والمشاركة في صناعة المستقبل.
في النهاية، يجب علينا أن نتذكر أن السياسة هي مجال متغير وقد يحمل في طياته الكثير من المفاجآت.
ويبقى سؤال: “هل هذه مقدمة لعودة إلياس العماري للواجهة؟” قائمًا.
سيكون علينا الانتظار ومراقبة التطورات لنرى ما سيكشفه المستقبل… قد تكون عودته بداية لفصل جديد في السياسة المغربية، أو قد تكون مجرد تجربة للتعبير عن آرائه ومواقفه الحالية. في كل الأحوال فإن عودة العماري تظل حدثًا يثير الفضول والتساؤلات، ولا شك أنها ستستمر في توليف أوتار الحوار السياسي لفترة قادمة.
اعتقد ان الياس العماري يمكن مقارنته مع حميد شباط الاستقلالي بحيث نجح ان يتربع على قيادة حزب الاستقلال ولما اختفى وظهر مرة اخرى تلقى الصفعات والاخفاقات واختفى المسكين مرة اخرى وهو يجر الهزيمة السياسية والنفسية بدون رجعة واعتقد ان نفس الماضي عاشه الياس العماري وينتظره نفس المصير بكل تاكيد
مقالة رائعة في حق رجل رائع، نتمنى له ان يعود للسياسة فنحن نفتقده.
تبقى الأسود اسودا.
اهلا بك إلياس بين اهلك ورفاقك