الأضحية بين الدين والمجتمع

الأضحية بين الدين والمجتمع
الأحد 25 يونيو 2023 - 11:54

سنة بعد أخرى يتأكد أن كل معاني العيد التي يتحدث عنها الفقهاء والعلماء يتم اختزالها في عنصر واحد ووحيد هو الخروف، الذي تحول بقوة الأشياء إلى فرض اجتماعي، تسعى جل الأسر إلى توفيره، وتسلك في سبيل ذلك كل الطرق الممكنة وغير الممكنة، والغاية تكاد تكون واحدة؛ إنها اتقاء نظرات المجتمع وتجنب غضب العائلة وكلام الناس، وغمزاتهم التي تخيف الكثيرين، ويعبرون عن ذلك بكلمات لا تخلو من توتر وانفعال، حين تحدثهم عن عدم وجوب إحضار الأضحية لغير المستطيع، إذ يواجهونك مباشرة بكلمات محسوبة وحاسمة، تنهي النقاش، (الأطفال، العائلة، الجيران…)، وكلها أجوبة مفعمة بحمولة اجتماعية، يضاف إليها بالنسبة للبعض الآخر البحث عن الفرحة والرغبة في تناول اللحم، وما يستدعيه هذا اللحم من التباهي بتنويع الأطباق أثناء الأحاديث مع الآخرين، ما يعني في النهاية أن الهاجس المجتمعي اليوم أو المجتمعي النفسي بالمعنى المادي للكلمة هو المحدد الرئيس لمعنى الأضحى عند الكثيرين، وهو الذي يفسر كل هذا الحرص الذي سرعان ما يتحول إلى هموم وهواجس مؤرقة تلازم الكثيرين طيلة أيام العيد، ولا مخرج منها إلا بإحضار الأضحية، ولا مجال هنا لأي حديث عن عدم ضرورتها، وكونها سنة وليست بواجب، كما يردد بعض الفقهاء.

المؤكد أن علاقتنا بعيد الأضحى تحتاج إلى وقفات عاقلة وهادئة تحضر فيها المعرفة العلمية، الدينية والاجتماعية والنفسية، وتتم من خلالها الإجابة عن أسئلة محددة، وهذه بعضها: كيف يتم اختزال كل معاني العيد بالنسبة إلى المؤمنين والمؤمنات في إحضار الأضحية؟ ولماذا تحول إحضارها إلى هاجس مقلق بالنسبة إلى الكثيرين، بل وإلى امتحان سنوي للرجولة والشرف والعائلة، لاسيما بالنسبة إلى الأسر الفقيرة التي تغالب الأيام طيلة العام بحثا عن أبسط ضرورات العيش، ثم تجدها تكابد مرة أخرى لتحصيل أضحية العيد، تماشيا مع هذا الانخراط الجمعي الاستهلاكي الذي يحكم جل المواطنات والمواطنين وعيا وبغير وعي، وتحميه وترعاه العديد من الجهات والمؤسسات التي لا يهمها من كل هذه الحكاية إلا ما تدره من أرباح ومن أرصدة مالية، ولذلك تجدها تبادر بطرح إغراءاتها، أو فخاخها على الأصح، في طريق المواطنين والمواطنات الراغبين في اقتناء أضحية العيد؟.

والواضح أن الأجوبة التقليدية للكثير من الفقهاء لم تعد تفيد هاهنا، لأنها لا تستصحب التحولات التي تطرأ على المجتمع، وتقتضي معالجات وأطروحات جديدة، لا تكتفي بإعادة الكلمات والأحاديث نفسها، بالنمطية نفسها والتحليل نفسه؛ فليست مشكلة المواطنين والمواطنات اليوم في الحكم الشرعي للأضحية أو في شروطها أوآداب التعامل معها، فهذه الأمور أصبحت من قبيل المعلوم المتكرر؛ السؤال الذي يؤرق المواطنين اليوم هو كيف يتمكنون من المزاوجة بين الموقف الشرعي من الأضحية وبين هذا الهاجس الاجتماعي المتغول؟ وما الذي يتعين فعله من طرف كل الجهات المعنية من أجل مساعدتهم على النجاح في هذه المعادلة، بلا حرج ولا تكاليف إضافية.

المؤكد أن الأمر يتطلب مجهودا كبيرا على واجهتين، الأولى معرفية تربوية، يتولاها العلماء والباحثون والمفكرون بغاية تجديد النظر في مسألة أضحية العيد، وإعادتها إلى أصلها الأول باعتبارها سنة عادية، يقوم بها القادر عليها، على أن تتم مصاحبة ذلك بممارسات واقعية مقنعة، يقدم فيها وجهاء الناس ومسؤولوهم النموذج في هذا الباب؛ فلا معنى للحديث عن السنة ثم تمكين بعض الأغنياء من الأضاحي السمينة والريعية، في وقت لا يجد الكثير من الفقراء ما يسدون به الرمق. وعلى الواجهة المادية يجب تقديم مساعدات للراغبين في اقتناء الأضحية من غير القادرين عليها بشكل ناجع ومؤسسي، لا يمس بشرفهم وكرامتهم، في انتظار أن يقع التحول المجتمعي المطلوب والمشروع، بحيث يصبح عدم التمكن من توفير الأضحية، بالنسبة لغير القادر، مسألة عادية ومتقبلة.

إن انتقال الأضحية من منطقة العبادة إلى منطقة العادة الاجتماعية يعني إحداث انقلاب في مجموع القيم والتمثلات المرتبطة بها، نتيجة وقوع خلل في مستوى ترتيب الأولويات، إذ يلاحظ غياب الكثير من الفرائض والأمهات التي لا قيام للحياة بدونها، في وقت نتحدث عن السنة. ولنا أن نتأمل في ما يلي: أين الفرض الأول (اقرأ) أيام العيد، الذي يعني بناء الحياة على العلم والمعرفة؟ أين الاعتبار بقيمة الزمن، التي يحتفل بها القرآن الكريم، ويقسم بها الله تعالى في أكثر من موضع، (والفجر، والعصر، والليل والنهار، لعمرك…)؟ أين المودة والسكينة والرحمة بين الأزواج وبين الناس في أيام العيد، وفي سائر أيام السنة؟ أين اعتبار الفقراء والمحتاجين وحقوقهم؟ أين الصدق في البيع والشراء، حتى والأمر يتعلق بخروف العيد؟ أين نظافة البيئة التي يرفعها الإسلام إلى مقام الصدقة (إماطة الأذى عن الطريق صدقة)، وما أدراك ما نظافة البيئة أيام العيد؟ هذه وغيرها من مرتكزات الحياة السعيدة والراقية، التي يغيب الاهتمام بها أيام العيد، لفائدة هم واحد ووحيد هو خروف العيد، وبغاية واحدة هي مجاراة الهوس المجتمعي، والجري وراء طوفان استهلاكي لا يتوقف.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • الخروف والقروض
    الأحد 25 يونيو 2023 - 14:27

    لو تركت الأمور تسير بطريقة طبيعية لتغير كل شيء الآن. في فترة من الفترات كان المغاربة يضطرون لبيع بعض من أثاثهم لشراء الخروف. وبطبيعة الحال لم تكن الأمور لتستمر طويلا على هذا المنوال لولا ظهور مؤسسات القروض وما صاحبها من قصاصات إشهارية للتشجيع على شراء خروف العيد بقرض.  وبالنسبة للتحجج بدور  الأطفال في الموضوع فكيف يعقل أن يكون طفل الألعاب الإلكترونية والأيفون وأحدث تقليعات الموضة في حلاقة الشعر واللباس لا زال يتلذذ بمشاهدة النحر والسلخ والأدخنة وما يترتب عن ذلك من قاذورات وروائح كريهة؟! وهل أصبح للأطفال سلطة على  الآباء والراشدين والمجتمع؟ 

  • Amaghrabi
    الأحد 25 يونيو 2023 - 16:40

    كيف يمكن ان نغير عقليات شعوبنا ونجعلهم يفكرون بعقولهم ويرون الواقع المعاش السلبي بحيث اضحية العيد هدفها التقرب والعبادة وتزكية النفوس واهتمام بالوضع السيئ بالفقراء وابنائهم ,ولكن الواقع الذي تجرى فيه هذه العبادة العملية تبين انها عادة اصبحت تحمل سلبيات كثيرة في عصرنا ولا تحقق اغراضها الانسانية بل تفسد المجتمع ماديا ومعنويا وتفسد البيئة وتفسد حتى صحة المواطنين الجسدية بتناول كثرة اللحوم في يوم او يومين او تخزين اللحوم في الثلاجات فهو كذلك يعاكس هدف الاضحية وبالتالي متى يفيق المواطن المغربي ويتحد من اجل ايقاف هذه العادة وجعله يوما عاديا يحتفل فيه بالعبادة والصلاة وزيارة الاقارب وخاصة الوالدين وحل هذه المشكلة في يد فقهاء المساجد لانهم هم من يزكون هذه العبادة ويضخمون قيمتها رغم انهم يامرون بالحفاظ على البيئة وجمع القاذورات والتصدق منها ووو ولكن هل من سامع “هل يسمعون الى ما يقال لهم؟

  • Lamya
    الإثنين 26 يونيو 2023 - 08:41

    انا في نظري من الطبيعي ان تصبح الاعياد الدينية عادة عند المجتمعات كلها و تدخل في اطار ثقافتهم, فالمجتمعات الغربية ايضا تتهافت في عيد ميلاد المسيح على شراء الهدايا و أشجار عيد الميلاد و الألعاب النارية و يكون هناك افراط في الإستهلاك…
    ما ينقصنا نحن هو التنظيم
    كيف ننظم هذا العيد الكبير و توعية الناس بشراء الاضحية على قدر المستطاع و توفير أضاحي متوسطة الحجم بثمن معقول على نطاق واسع الصدقة من لحمه على الفقراء الذين لا يستطعون شراءه و تنظيم عملية الذبح و توزيع الصدقات و جمع النفايات و مخلفات العيد…

  • قلق
    الثلاثاء 27 يونيو 2023 - 08:48

    مقال جميل جدا، استمتعت بقراءته.
    ياليت الكل يقرأه و يستوعبه جيداً…
    شكراً على الكتابة و النشر

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 23

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج