"أوبنهايمر".. صورة مخيفة للغطرسة الإنسانية

"أوبنهايمر".. صورة مخيفة للغطرسة الإنسانية
الخميس 27 يوليوز 2023 - 11:47

مع كل الضجيج الذي يحيط بمبدع الملاحم التناظرية كريستوفر نولان أو كما أسميه شخصيا بالمتطرف في محاكاة العقل والواقع، يعود إلينا من جديد وهذه المرة مع إعادة إنشاء انفجار القنبلة الذرية الأولى في التاريخ.

فيلم “أوبنهايمر”، سيرة ذاتية تحكي عن حياة والد القنبلة الذرية، المدير العلمي لمشروع مانهاتن روبرت أوبنهايمر. تغطي حبكة الفيلم أربعة عقود من حياة العالم وتغطي جميع الأحداث الأكثر أهمية في سيرته الذاتية، بما في ذلك اختبارات القنبلة الأولى وجلسات الاستماع المغلقة في مجلس الشيوخ، والتي اتُهم فيها الفيزيائي بالتعاطف مع الشيوعيين.

“أوبنهايمر” هو أطول فيلم في مسيرة نولان المهنية، بميزانية 100 مليون دولار، ويمتد إلى ثلاث ساعات، وهذا ليس مفاجئا، لأن الأساس الأدبي للفيلم كان كتاب “بروميثيوس الأمريكي: انتصار ومأساة روبرت أوبنهايمر” وهو عمل ضخم ومفصل من 800 صفحة، عمل عليها مؤلفاها كاي بيرد ومارتن شيروين.

لم تكن الصورة خالية من العديد من النتائج الأسلوبية، تم كتابة نص أوبنهايمر بصيغة المتكلم، وفي الفيلم نفسه، تتناوب اللقطات الملونة مع اللقطات بالأبيض والأسود لتقليد التسلسل الوثائقي لتلك السنوات. تظهر حياة أوبنهايمر بالألوان، ومشاهد جلسات الاستماع بالأبيض والأسود، ما منح الفيلم مقامات وثائقية.

رعبٌ وجوديٌّ حقيقي:

“أوبنهايمر” هو صورة معبرة عن حقبة بدأ فيها الشخص باكتساب قوة لا يستطيع حتى السيطرة عليها، نجحت أفلام قليلة في بلورة هذه الفكرة والتعبير عن قلق الحياة في عالم بدأت فيه فكرة صغيرة في تغيير حياة البشرية.

يتكون الفيلم بالكامل تقريبا من الحوارات، هناك مناوشات أكاديمية أمامنا بين علماء الفيزياء، محادثات عالية الحدة بين السياسيين الأمريكيين والقادة العسكريين حول الحرب العالمية الثانية ومصير البلاد في حالة انتصار النازيين، مناقشات موجزة لكنها مكثفة في جلسات الاستماع في محاولة لاستبعاد الشائعات والتكهنات لتحديد ولاء هؤلاء العلماء للولايات المتحدة، وهنا بالتحديد نادرا ما يبطئ نولان ليدع شخصيته التي يلعبها كليان مورفي، تفكر حقا في شيء ما.

أكد المخرج كريستوفر نولان مرة أخرى على نهجه غير الخطي للفيلم كما فعل كثيرا في حياته المهنية، اتخذ نولان مقاربة غير خطية للقصة، وجعلها تقفز بدقة وسلاسة بين اللحظات الرئيسية في حياة أوبنهايمر، من اليوم الذي التقى فيه زوجته المستقبلية، إلى لحظة وصوله معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، وبالطبع إطلاق مشروع مانهاتن الذي سيمنح الحياة للقنبلة الذرية الأولى.

الشخصية الرئيسية غير مكشوفة:

طوال الفيلم، يظهر للمشاهدين بطلا من غير المحتمل أن يتمكنوا من وصفه بطريقة ما بعد مشاهدته، روبرت أوبنهايمر هو الرجل الذي ابتكر أسلحة نووية، وهنا يبدو أن سيرته الذاتية تنتهي. في بداية الفيلم، يبدو أنه عالم مجنون يهتم بالعيش في النظريات أكثر من الواقع، وهو نوع مألوف إلى حد ما.

يمكن مقارنة “أوبنهايمر” بفيلم “The Imitation Game” حيت بدا أن الممثل بنديكت كومبرباتش هو العالم نفسه تقريبا، ولكن على عكس شخصية كليان مورفي، فإن شخصية أوبنهايمر تشع حرفيا بالعبقرية وأثارت اهتماما أكبر بكثير.

واحد اسمه العالم روبرت أوبنهايمر، والآخر اسمه العالم ألان تورنغ.

واحد انضم إلى مشروع مانهاتن والآخر انضم إلى مشروع بريطاني سري.

واحد اخترع القنبلة الذرية التي غيرت حياة البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، والآخر اخترع آلة “كريستوفر” التي استطاعت فك التشفير المستحيل لآلة الألمان المسماة “الإينيغما”.

واحد هو الأب الروحي لمعادلات الأسلحة المُصنعة إلى يومنا هذا، والآخر يعتبر إلى اليوم الأب الروحي لفكرة البرمجة والذكاء الاصطناعي.

واحد اتُهم بالتعاطف مع الشيوعيين، والآخر اتُهم بسبب ميولاته الجنسية.

واحد كان شعلة الحرب، والآخر ساعد على إنهائها، وكلاهما سمي بالعبقري.

أعتقد أن المقارنة المنطقية التي تحترم ذكاء المشاهد، هي بوضع هذين الفيلمين على قدم المساواة جنبا إلى جبب مع المقياس. كلاهما سيرة ذاتية، كلاهما عن الاختراعات التي غيرت البشرية، كلاهما عن أحداث مصيرية طُبعت في سجل التاريخ. والأهم، أن كليهما أفلام عظيمة.

الموسيقى التصويرية والمونتاج والتصوير السينمائي:

التقط التصوير السينمائي الرائع كل شيء بدءا من تساقط الثلوج في نيو مكسيكو إلى جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ بالأبيض والأسود، إلى الموسيقى الحارقة والقاسية التي ستجعلك تشعر بكل إيقاع، سيطرة نولان على النغمة والتوتر مدعومة بشكل لا يقاس من خلال المونتاج الماهر والموسيقى التصويرية القوية للغاية، والتي بدورها منحت الفيلم طاقة محمومة لا تهدأ أبدا، مما يعكس الحياة الداخلية العصبية للبطل.

“أوبنهايمر” أمام الحقيقة:

تحدد القنبلة الذرية إرث أوبنهايمر وتُشكل هذا الفيلم، يلقي نولان نظرة طويلة ومدروسة على العملية المذهلة لبناء القنبلة، لكنه لم ينفتح أكثر على النتائج، والنتيجة هي فيلم مثير وجميل ورائع للغاية، لكنه يُشعر بالإحباط.

عانى فيلم “أوبنهايمر” من فجوة لا يمكن التوفيق بينها وبين الشكل والوظيفة. لنقُلها بشكل صريح: بمجرد أن يتجاوز أوبنهايمر ذروته النووية، يختفي قدر معين من التوتر في الفيلم.

لم ينجح نولان في نقل الثقل الكامل الذي يقع على أكتاف أوبنهايمر بعد التفجير، بل إن الفيلم يصبح غامضا بشكل مزعج في اللحظة التي يبدو فيها أنه على وشك حساب العبء الثقيل لعبقرية البطل.

لم نر تفجيرات هيروشيما وناغازاكي لأن أوبنهايمر لم يرها، لكن وفقا لهذا المنطق، يجب على الأقل أن نشارك في أفكاره، مهما كانت متناقضة، لأن الشخصية الرئيسية تعاني منها باستمرار.

لا توجد لقطات وثائقية لآلاف الجثث، أو الصور البانورامية لمدن ملقاة تحت الأنقاض، ربما تبدو قرارات المخرج هذه أخلاقية في المقام الأول، ربما لم يرغب نولان في إعادة فتح الجرح التاريخي المؤلم، أو ربما أخد في الاعتبار كلمات فرانسوا تروفو حين قال “لا يوجد شيء اسمه فيلم مناهض للحرب”، وبهذا المنطق أمسك نولان الحقيقة كاملة وحولها إلى مشهد رعب واقعي، مع حجم المعاناة التي سببتها، مع سباق التسلح النووي الذي أعقب الحرب. كل هذه الأفكار كانت تحيط بالفيلم وتضغط عليه.

أما إذا كانت لديك الرغبة في تعلم شيء ما عن “أوبنهايمر” على الأقل، فإن نولان سيخيب ظنك، إنه أشبه بإعادة سرد أحداث الحياة، وليس الصفات الشخصية، بل وأكثر من ذلك الأفكار والأفكار. إما أن أوبنهايمر سعيد لأنه صنع سلاحا قاتلا، أو أنه يلوم نفسه، هل يريد التوقف عن تطوير أنواع جديدة من الأسلحة لأنه قلق على العالم، أو لأن شخصا ما سيصنع قنبلة أقوى ويصبح أهم رجل في العالم، هل يشعر بالأسف على الذين ماتوا في هيروشيما وناغازاكي؟ أم أن موتهم مجرد جزء من الوظيفة.

نولان و”أوبنهايمر” جنبا إلى جنب مع المقياس:

أهم شيء في هذا الفيلم أن نولان لا يخفي تعاطفه مع أوبنهايمر كشخص وعالم، الفيلم صريح بشكل آسر، كما أنه لا يحاول تبسيط أزمة الضمير التي لاحقت البطل، والتي من الواضح أنها لم تكن سهلة، بالنظر إلى أن نولان يوضح كيف أن الحرب العالمية الثانية لا يمكن أن تستمر أكثر من ذلك (تزايد الخسائر على الجانبين الأمريكي والياباني مع مرور الوقت).

حتى أن كيليان مورفي وأوبنهايمر يتشاركان الجسد ذاته، جسد رقيق للغاية كما لو كان هشا جدا لدرجة أنه لا يتحمل هذا العقل العبقري، وبشرته التي تبدو شفافة، أحيانا يمكنك أن ترى تقريبا كيف ترتجف العروق تحتها، أداء تمثيلي حقيقي، وهذا ما يفعله الممثل العظيم عندما يمنحه المخرج قصة بهذا الثِقل، إضافة إلى أداء جميع الممثلين الرائعين.

في النهاية سأقول إن الفيلم هو بمثابة مكعب الروبيك، متعدد الأوجه والإثارة، الدراما المحكمة، فيلم حرب، قصة حب، حقائق تاريخية رُويت بجميع تفاصيلها المرعبة. كل هذه المفاهيم جمعتها جاذبية أداء الممثل كيليان مورفي. الفيلم هو إنجاز رسمي ومفاهيمي عظيم يجذب المشاهد، لكن الأهم من ذلك هو أن اتجاه نولان في هذا العمل كان في خدمة التاريخ، وليس العكس.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 2

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل